إيرَان حَجر الزَّاوية

موقع إنباء الإخباري ـ
الأكاديمي مروان سوداح*:
منذ انتصار الثورة الشعبية في إيران وقبر الشاهنشاهية، استدار هذا البلد وقيادته دورة كاملة بإتجاه فلسطين المحتلة، فسلّمت السلطات الجديدة آنذاك بقيادة الإمام الخميني سفارة دويلة الاستعمار العالمي الصهيونية للقيادات الفلسطينية، وبدأت بتقييم مختلف العمليات السياسية في العالم من زاوية ربح القضية الفلسطينية والانتصار على المحتل، وكذلك غدت مختلف الظواهر والشخصيات السياسية والاجتماعية والحِراكات المختلفة خاضعة بهذا المنطق الجديد للقضية الفلسطينية.
كانت إيران الشاه بتركيبتها وقياداتها وفلسفتها، قاعدة عسكرية أمريكية متقدمة في المنطقة، تنسّق بعمق مع القاعدة الصهيونية على أرض فلسطين، لضمان المصالح الاقتصادية والسياسية الغربية والامريكية، وقمع التحركات التي تهدّد تلك المصالح، وللإبقاء على الصهيونية مُتنفذة في الإقليم الاوسطي بهرواتها التي تضمن ليس المصالح البريطانية وطرق مواصلات لندن نحو درة التاج البريطاني (الهند)، بحسب الاتفاق التاريخي بين الحركة الصهيونية ولندن، بل وكذلك لضمان المصالح الامريكية بالدرجة الاولى، بعدما حلّت واشنطن محل لندن في الإقليم العربي منذ نهايات خمسينات القرن المنطوي.
وفي فلسفة الجمهورية الاسلامية الايرانية نقرأ إن إيران تستمر في التمسّك بنهجها الفلسطيني هذا، لكنها وسّعت في نظرتها الى الإقليم، بإبداء دعمها للبلدان العربية التي تشكّل طوقاً حول فلسطين، من أجل تصليب القوى المقاوِمة للاستعمار العالمي الذي ما انفك يعمل منذ ألوف السنين للتمكن من دول المنطقة، وتفتيت وحدتها وإضعافها، وجعلها مُستسلمة و “حيادية” تجاه القضية الاولى عربياً وأسلامياً وإنسانياً، إلا وهي فلسطين وتحرير فلسطين، التي هي مهد الحضارة العالمية والسلام العالمي والاديان التوحيدية، والتي يَضمن سلامُها التناغم الحقيقي بين شعوب العالم وتلاقيها الحضرني والأنسني.
وفي مقابل المواقف الايرانية المتمسّكة بفلسطين والاستقلالية العربية أرضاً وشعباً وتاريخاً وسياسةً وحِراكاتٍ، نشاهد تراجعاً يَومياً مذلاً يتّسم به الدعم العربي، بخاصة المالي، لصمود فلسطين وشعبها، والذي تراجع إلى الصفر تقريباً، واستُبدل بتوظيف مئات المليارات من الدولارات لصالح تعزيز مكانة الارهاب الدولي ومنظماته العاملة على الأراضي العربية، وبالدرجة الاولى السورية والعراقية والليبية والجزائرية.
أضف إلى ذلك، لم تعد الغالبية الساحقة من الأنظمة العربية بقادرة ليس على تحرير فلسطين فحسب، أو ضمان دولة فلسطينية متحررة ومستقلة وسيّدة، بل ولم يَعد بمقدورها أيضاً الاستمرار برفع شعار “فلسطين قضية مركزية”، أو إدخال مُجرّد مساعدات إنسانية للشعب الفلسطيني، في القدس الشرقية والمدن الفلسطينية بالضفة الغربية والجليل والمُثلث، للمحافظة على صموده في تلك الاراضي، ناهيك عن ان القطار “التسووي” الدولي للقضية الفلسطينية أصبح قاب قوسين أو أدنى من التطبيق، من خلال تحالف دولي يجمع عددٍ من الانظمة العربية و “إسرائيل” والولايات المتحدة الامريكية، لأجل:
ـ خلق تحالف سياسي “فاعل” يَضمن للاستعمار العالمي وحلفائه العرب للمزيد من نهب الثروات العربية، وبخاصة الطاقة، التي فشل التحالف الدولي – الصهيوني بتسييلها من بعض الدول العربية عَبر الاراضي السورية أو العراقية، لمنحها الى اوروبا وأمريكا، حمايةً للحضارة الغربية وضماناً لاستمراريتها على حسابنا نحن أبناء الامة العربية؛
ـ حل القضية الفلسطينية لصالح التوسع الصهيوني في فلسطين ومحاولة شطبها من التاريخ والجغرافيا والعقول العربية والعالمية؛
ـ العمل لمحاصرة إيران وإضعافها، وتعميق الصراع والعداء مابينها والعرب إعلامياً وسياسياً وعسكرياً واقتصادياً وغيره، بهدف تفريغ إمكانياتها الداعمة للقضية الفلسطينية، رغبة بالتخلص منها بعدما أحرجت مواقفها الوطنية تجاه فلسطين وسورية والعراق عدداً من الطُغم السياسية الحليفة لأمريكا؛
ـ قَبر الدورين الروسي والصيني، وتهميش تحالف بيجين وموسكو في “الشرق الاوسط
الكبير”، وشَل قدرات موسكو وخططها لجمع الأطراف الفلسطينية المختلفة على كلمة سواء، كمقدمة للوصول الى تفاهمات فلسطينية تفضي الى تطبيق القرارات الدولية – بشأن فلسطين والمُعطّلة أمريكياً.
ويُلاحظ بأن الحِراك الروسي الحالي، يأتي بعد سنوات طويلة على قبر أمريكا لـ”مؤتمر موسكو للسلام” في المنطقة، والذي وعدت واشنطن موسكو بتنظيمه في روسيا، لكنها تآمرت عليه وعليها وأفشلته. كما وتعود موسكو الى ألقها الفلسطيني، وتعود القدس الجريحة الى موسكو بعد قطيعة تاريخية طويلة، في أعقاب عودة روسيا للمنطقة كلاعب رئيس، وتمكّنها من قصم ظهر القوى الرئيسية للارهاب الدولي، ومواصلتها بتكنيسها وتجفيف منابعها؛
ـ ضمان استمرار الطغمة الصهيونية الدولية بدورها الرئيس كرأس حربة عالمية للمتربول الاستعماري التقليدي، وبالتالي ضمان نواصل المهمة التاريخية للحركة الصهيونية كخادمة مخلصة لمشروع الاستعمار العالمي، الذي أفضى الى كوارث عربية وعالمية، بتبني أوروبا وأمريكا له، وتسبب بتوليد الارهاب تنظيماً وفكراً، ودعم ركائزه وأهدافه وبإعتراف الشخصيات الامريكية النافذة في الادارات الامريكية السابقة، ومنها إدارة اوباما الراحلة نفسها.
المُلاحظ أيضاً، أن إيران لم تتخل عن مواقفها تجاه البوصلة الفلسطينية، برغم إنشغالاتها على جبهات عديدة واسعة جغرافياً ومنهِكة سياسياً ودبلوماسياً، وبخاصة المَلف السوري، حيث تعتبر طهران ضامناً لتحرير سوريا بأكملها من رجس الارهاب ووقف عملية تقسيمها وتفتيتها، وهو ما سيؤدي لا محالة الى إزدياد النفور وتعمّق حالة التضاد بينها وبين بعض الدول والقوى العربية الممالئة لواشنطن، إلا أن ذلك سيصل بالمنطقة لا محالة الى الوعي بالدور الايراني وتقديره، لكونه يدخل في صلب صالح ومصالح المنطقة بأكملها واستقلاليتها والحفاظ على ثرواتها لناسها ودولها، ووقف إهدار الجهود العربية في الاستجداء والتسوّل السياسي من أمريكا، إذ يتوعّد الرئيس الجديد دونالد ترامب بإحراج حلفائه الكلاسيكيين ومواجهة كل العرب دون استثناء من خلال دعمه المطلق للاحتلال الصهيوني لفلسطين ونقل سفارة بلاده الى القدس.
لذا، لن يكون ترامب بأفضل من سابقه أوباما الذي منح إسرائيل أضخم منحة مالية في تاريخ أمريكا، موجّهةً صوب تعزيز الهمينة الصهيونية الاسرائيلية على كل العرب، ولتسييد الصهيونية عليهم، ووصولاً الى توسيع المجال الحيوي للصهيونية عسكرياً واقتصادياً، ليشمل دول ما بين النهرين، كما يؤشّر على ذلك العَلَم الصهيوإسرائيلي نفسه، واستراتيجية الكونغرس والإدارات الامريكية المتلاحقة.
*رئيس رَابطة القَلميين مُحبي بوُتين وروسيّه للأُردن والعاَلم العَربي ورئيس الاتحاد الدولي للصَحفيين والإعلاميين والكتّاب العَرب أصدقاء وحُلفاء الصِّين.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*