«الجنرال» أولوية «حزب الله».. إلى بعبدا

aoun+nasrallah

ملاك عقيل – 

صحيفة السفير اللبنانية:

لا حاجة لـ«حزب الله» كي يعلن رسمياً، اسم مرشّحه الى رئاسة الجمهورية. الاسم جاهز، الذي لا مشكلة فيه أصلا، ولم يحتج يوماً الى جلسات غربلة للأسماء المحتملة. إنه ميشال عون أولا وأخيرا. وما دام «الجنرال» ورقة مطروحة على طاولة المفاوضات، وحظوظ انتخابه قائمة، لا مكان للنقاش بأي اسم آخر. المشكلة فقط، في عدم اكتمال خريطة التنسيق بين الحلفاء.

الزيارة المفترضة للعماد عون الى السعودية، مع ما سبقها من تمهيد كسر جليد المسافات مع المملكة، وما نقلته جريدة الرياض مؤخّرا من «رسالة ودّ»، وما يجري من تفاوض مباشر بين الرابية و«تيار المستقبل»، جملة مؤشّرات ليست عابرة، يردّد مسؤولو الحزب في مجالسهم الخاصة انها لا تشكّل عامل «إزعاج»، لا بل قد تمهّد لحلحلة ما تقود، على ضوء مناخات التقارب الاقليمية، إما الى انتخاب عون رئيسا، أو التعاون معه لانتخاب رئيس.

في هذا المشهد ما يقود الى الفكرة الأساسية من كون «حزب الله» قد أعطى ما يشبه الـ«كارت بلانش» لحليفه لفتح قنوات حوار وتفاوض مع أفرقاء الداخل، وعلى رأسهم «تيار المستقبل»، كما الخارج، لحياكة الاستحقاق الرئاسي من موقعه المسيحي اولا، والسياسي ثانيا.

ومن جانب «حزب الله» ايضا تفهّم كامل لمغزى أن يحجم عون عن إعلان ترشيحه رسميا بانتظار توافق الآخرين عليه، هو الذي يطرح نفسه، وفق رؤية الحزب، رئيسا لكل اللبنانيين وليس رئيس تحد أو فئة، ويحمل مشروعا متكاملا يطمح من خلاله للعب دور على مستوى المنطقة ولبنان.

في أجندة الحزب ثوابت رئاسية: عون اولا، ونقطة على السطر. لا إمكانية للمفاضلة بينه وبين مرشّح آخر. أما بعد «ورقة الجنرال» فحديث آخر.

وفيما تدور تساؤلات كثيرة حول موقف «حزب الله» من تعديل الدستور، فإنه لا يمكن فصل هذا السؤال عن اقتناع البعض بأن قائد الجيش العماد جان قهوجي «من المرشّحين المفضّلين» لدى «حزب الله». تجربة التعايش الناجحة والمثمرة منذ العام 2008 تبصم على ذلك.

لا رأي للحزب بتعديل الدستور، لكن المعنيين ينقلون أن التمسّك بدعم ترشيح عون، يلغي إمكانية البحث بأي مرشّح آخر وسقوط الخيارت الاخرى، بما في ذلك تعديل الدستور من أجل شخص. موقف يبقى قائما الى اللحظة التي يتنازل فيها عون نفسه عن ترشيحه!

ولأسباب يتكتّم عليها، يحجم «حزب الله» عن المجاهرة بقراره الرئاسي بتبني ترشيح حليفه، منتظرا إما إعلان «الجنرال» ترشيحه للرئاسة، وهذا أمر مستبعد كليا بعد ترشيح سمير جعجع، وإما نضوج الظروف التي ستعطي هذا الإعلان قيمته المضافة.
بمطلق الأحوال، ينتمي «حزب الله» الى نادي الداعين الى التقاط فرصة إجراء انتخابات «أهلية بمحلية» تستفيد من جو المهادنة الإقليمي والدولي، والتي يمكن أن تسبق حدوث تفاهمات شاملة على الخط الاميركي الغربي والسعودي الايراني.

بات عنوان المرحلة بالنسبة للحزب واضحا: هناك خط انسيابي في التطوّرات الخارجية ذاهب نحو التسويات، أفرز حتى الساعة حكومة مع بيان وزاري متوافق عليه، وإرساء قاعدة تعاون وتنسيق مع «تيار المستقبل»، ويمكن ان يقود ضمن المهلة الدستورية، أو بعدها، لانتخاب رئيس جديد للجمهورية. الحرص على عدم التصادم داخل مجلس الوزراء، مع أن مادة الصدام كبيرة وتشكّل فتيلا لتفجير أوسع، يبرز الحرص المشترك، المطلوب إقليميا ودوليا، على تثبيت مناخات التهدئة.

وفي ظل مرحلة كسر الاصطفافات واقتراب ساعة الصفر للاستحقاق الرئاسي، يحرص «حزب الله» على حصر اهتمامه حاليا بإغراء الخصوم لجذبهم الى ملعبه، بالمكوّن الاساسي في قوى «14 آذار»، أي مع من يمكن أن يثمر الحوار معه، وهو «تيار المستقبل». البقية منضبطة تحت هذا السقف، وبالتالي التعاطي هو مع الأصيل. صحيح أن الحزب من أنصار الحوار المفتوح مع الجميع، لكن معراب أمر آخر.

تجاهل «حزب الله» تماما ترشيح سمير جعجع نفسه لرئاسة الجمهورية. يتفهّم المقربون تماما رفض ميشال عون إعلان ترشيحه في مواجهته «فبمجرد مبادرة رئيس حزب القوات لوضع نفسه على لائحة هذه الترشيحات، فقد رفع من قيمته في محاولة ليصل الى قامة عون».

ومن دون الدخول في خلفيات هذا الترشيح، يرى «حزب الله» أن «جعجع سقط سقطة مدوّية لصعوبة فصل هذا الترشيح عن تاريخه الميليشيوي، كاشفا عن عوراته التي حاول ان يسترها بقانون العفو. كما أنه حفّز الذاكرة لاستعادة ماضي القوات الذي لا تعرفه الأجيال الشابة في هذا الحزب».

وفي مقابل انفتاح «تيار المستقبل» على فتح قنوات الحوار مع ميشال عون في عزّ الرئاسة، في ظل إقرار قياديّيه بأن عون «المرشّح» يسعى لردم الهوة مع الرئيس سعد الحريري تماما كما يفعل جعجع مع «حزب الله»، فإن الحزب لا يقابل المبادرة القواتية على غرار ما فعله «المستقبل» مع خصمهم السابق.

قالها جعجع بداية، ثم تكفّلت النائبة ستريدا جعجع بتوضيح الملتبس. «القوات» تمدّ اليد باتجاه الضاحية. يرى «حزب الله» في هذه الخطوة إيجابية، لكنها «لحظوية» ترتبط مباشرة بالاستحقاق الرئاسي. وبالتالي لا نية جدّية بالحوار الذي يجب أن يكون بعيدا عن الأهداف القصيرة الأمد. في نظر الحزب الحوار الجاد يكون على قاعدة «الوضع المرتاح» وليس تحت ضغط الوقت. اذاً الدعوة مرفوضة حكما، خصوصا حين تأتي في ظل خطابين قواتيين: انفتاحي وتحريضي!

وفي الوقت الذي فتح فيه «حزب الله» ذراعيه باتجاه حوار بنّاء مع «حزب الكتائب»، فإن الحزب يشترط قبل أي تقارب مع «القوات» تقديم معراب ما يشبه المراجعة الشاملة لخطابها وعقيدتها. يصبح هنا العداء اللفظي لإسرائيل غير كاف، بل يجب ان يكون جزءا من منظومة إيمان بهذه الأفكار، وان تترجم بتعبئة القواعد القواتية حيال هذا الخيار.

ثمة مشكلة حقيقية يستحيل على «حزب الله» تجاوزها حتى في ظل «مهرجانات المصالحة»، فالبنية القواتية غير حاسمة لخياراتها الاستراتيجية. هنا يصبح مجرّد ترشيح جعجع للرئاسة كابوساً حقيقياً لـ«حزب الله».

لا تودّد جعجع الظاهري، ولا «لطشة» ستريدا جعجع للحزب بـ«قدرته على التفاهم مع الشيطان الاكبر وعدم التفاهم معنا»، ولا تسليطها الضوء على أوجه التشابه بين الحزبين، سيسمح بكسر «جدران الحديد» بين الحزبين. كرمى عيون الأجواء «السلِسة» السائدة داخليا، «حزب الله» أقلّه «لن يفتح ملفات الحكيم».

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*