الخطر الداخلي على الثروة النفطية أكبر من الخارجي

PLAN - OIL

صحيفة الجمهورية اللبنانية ـ
البروفسور جاسم عجاقة:

عاد ملف الثروة الغازية في لبنان إلى واجهة الأحداث بعد التصريحات الإسرائيلية عن أن لبنان في صدد إعطاء تراخيص في المنطقة الإقتصادية الخالصة التابعة للدولة العبرية. ولكن هذا الحدث ليس الوحيد فهناك المواجهة الداخلية بين السياسيين على عقد جلسة لمجلس الوزراء لإقرار مرسومين متعلقين بتقسيم المنطقة الإقتصادية الخالصة التابعة للبنان إلى رقع بحرية وإقرار دفتر الشروط بالإضافة إلى نموذج عقد الإستكشاف والإنتاج.

يُحدّد القانون البحري الدولي منطقة تُسمى الحدود الإقليمية والتي تمتد على بعد 12 ميلا في البحر. وتُعتبر هذه المنطقة أرضا تابعة للدولة، وتُمارس سلطتها عليها بنفس قدرة السلطة التي تُمارسها على اليابسة. ويُعرِّف هذا القانون أيضاً ما يُسمّى بالمنطقة الإقتصادية الخالصة والتي تمتد على بعد 200 ميل في البحر تمنح الدولة حق الإستفادة الحصرية إقتصادياً من منطقة تُحدّد بالتوافق مع الدول المجاورة. وهذه النقطة مصدر خلاف مع إسرائيل.

المُشكلة مع إسرائيل…

في التفاصيل، قامت إسرائيل بترسيم حدود منطقتها الإقتصادية الخالصة إنفرادياً وهو ما رفضه لبنان عبر الرسائل التي وجهها الى الأُمم المتحدة. والمشكلة تكمن في أن إسرائيل قامت برسم خط عامودي في الناقورة على الخط الذي يجمع بيروت بحيفا.

والإعتراض اللبناني يكمن في الآلية التي إعتمدتها إسرائيل لترسيم حدودها والتي تحرم لبنان من حصص في الحقول المُكتشفة (لافيتان، كارديش، تمار). ولكن الأزمة لم تتوقف عند هذا الحد، ففي العام 2007، قام لبنان بتوقيع معاهدة مع قبرص لتقسيم الحدود البحرية.

وبهذا التوقيع، أعطى لبنان إلى إسرائيل الحجة لقضم مساحة 800 كم2 من المنطقة الإقتصادية الخالصة التابعة له. وفي التفاصيل إرتكب لبنان خطأً جسيماً بتثبيته النقاط 1 إلى 7 وترك النقطة 23 لتثبيتها لاحقاً (أنظر إلى الرسم). وبُعيد الوساطة الأميركية خلال هذا العام قامت إسرائيل بالإعتراف بأحقية لبنان على 500 كم2 من الـ 800 المتنازع عليها.

ما الجديد في هذا النزاع؟

عاد النزاع اللبناني – الإسرائيلي على الحدود البحرية للظهور إلى الواجهة إثر إبداء لبنان رغبة في تلزيم عمليات التنقيب عن الغاز والنفط إلى شركات عالمية. فقد دعا وزير الطاقة والمياه مجلس الوزراء إلى عقد جلسة بهدف إقرار مرسومين متعلقين بتقسيم المنطقة الإقتصادية الخالصة التابعة للبنان إلى رقع بحرية وإقرار دفتر الشروط، بالإضافة إلى نموذج عقد الإستكشاف والإنتاج. وهذا ما أثار غضب السلطات الإسرائيلية التي صعّدت من لهجتها تجاه السلطات اللبنانية محذرة إياها من المغامرة.

والسؤال : كيف تمكنت إسرائيل من الحصول على مشروع مرسوم تقسيم المنطقة الإقتصادية الخالصة التابعة للبنان إلى رقع بحرية قبل إقراره من قبل مجلس الوزراء؟ وما هو هدف إسرائيل من هذه التصريحات؟

لا شك أن إسرائيل تتبع مبدأ الردع عبر عمليات نفسية تُمارسها على العدو. وتستخدم إسرائيل ماكينتها العسكرية لهذه العمليات عبر الخروقات الجوية والبحرية المتتالية وعبر المناورات التي تقوم بها على الجبهة الشمالية.

والسؤال المطروح حالياً: هل ستقوم إسرائيل بأعمال عسكرية في البحر على الحدود مع لبنان بهدف ردع أي عملية بحث وتنقيب؟ وهل لهذا من تأثير على الشركات النفطية مما سيدفعها إلى الإنسحاب من المنقاصات التي تنوي الدولة اللبنانية إطلاقها؟

رغم تصعيد اللهجة من الجانب الإسرائيلي إلا أننا نستبعد أن تعمد إسرائيل إلى القيام بأعمال عدائية لأن إمداداتها الغازية في منأى عن التخريب بسبب عمق المياه. ولكن،لا شك أنها ستعمد إلى إظهار قوتها بهدف ردع الدولة اللبنانية عن النتقيب قرب الحدود البحرية.

الحفر المُوجّه… Directional drilling

الحفر الموجّه هو نوع من أنواع الحفر يهدف إلى تفادي تكاليف نقل المنصة من مكان إلى أخر أو بناء منصة أخرى. ولكن يُمكن إستخدام هذا النوع من الحفر لأعمال غير أخلاقية قد تقوم بها دولة تجاه دولة أخرى. ففي العام 1990، اتهم العراق دولة الكويت بسرقة نفطه من خلال الحفر الموجه، كما أن فضيحة مماثلة وقعت في منتصف القرن العشرين في شرق تكساس.

والسؤال الذي يُمكن طرحه هو التالي: هل تقوم إسرائيل بسرقة غاز لبنان عبر الحفر المُوجّه؟ لا يُمكن الجزم في ذلك لكن التقدّم التكنولوجي للدولة العبرية ونواياها تجاه لبنان تسمح بالشك في الأمر. ومن هنا يُمكن الطلب من إحدى الشركات العالمية (روسية مثلاً) أن تعمد إلى التحقّق من هذا الأمر.

لا خوف على النفط في المناطق المتنازع عليها…

هناك عاملان يدفعان إلى عدم التخوّف من الهيمنة الإسرائيلية على المنطقة الإقتصادية الخالصة التابعة للبنان:

أولاً: إن سحب الغاز ليس بشيء سهل حيث يُمكن تفريغ بئر في ظرف سنة أو سنتين.

ثانياً: هناك عرف دولي يفرض على الشركات التعويض إذا ما ثبت لاحقاً أن المُلكية تابعة للبنان.

ولكن هذا لا يعني أن على لبنان التساهل بحقه في الثروة الغازية، بل على العكس يجب على الدولة اللبنانية تقوية دبلوماسيتها لتصبح فعّالة إلى حد الحصول على ما لا يُمكن للسلاح الحصول عليه.

ويُساعد الدبلوماسية اللبنانية في مسارها الموقف الأميركي الذي لا مصلحة له بنشوب حرب بين إسرائيل ولبنان لأن في ذلك فقدان السيطرة على المنطقة مع إندلاع محتمل للحرب بين تركيا وقبرص، وإبعاد الأضواء عن الساحة السورية بما سيسمح للنظام بالقيام بما يريد. لذا نرى أن للولايات المُتحدة الأميركية دوراً مهماً ستلعبه لضمان إستقرار المنطقة.

صندوق سيادي لتوزيع المداخيل

يبقى الخوف الأكبر من التجاذبات السياسية التي تطال هذا الملف، والذي أصبح في حالة جمود مُطلق حاله حال الملفات اللبنانية الأخرى. وعدم إبعاد هذا الملف عن التجاذبات السياسية قد يؤدّي، في حال تمّ المضي فيه، إلى حرب أهلية طاحنة يتصارع فيها شركاء الوطن على مداخيل النفط.

من هنا ندعو السياسيين إلى خلق صندوق سيادي مفصول عن مالية الدولة وتكون إدارته عامة مع رقابة مشتركة بين القطاع العام والخاص. كما ويجب قبل الشروع في التنقيب عن الغاز، إلى توزيع المداخيل كي لا تكون رهينة الأوضاع السياسية وذلك بواسطة قانون خاص.

هذا التوزيع قد يكون على الشكل التالي: 90% للدين العام، 2.5% للبنى التحتية، 2.5% للشق الإجتماعي (باريس 3)، 2.5% للجيش اللبناني، و2.5% للميزانية العامة. هذا التوزيع يُمكن تغييره لاحقاً للإستثمار في الإقتصاد اللبناني في حال تمّت السيطرة على الدين العام.

 

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*