الداخل الروسي.. حرب على الإرهاب أيضاً

 

 

موقع إنباء الإخباري ـ
الأكاديمي مروان سوداح*

 

تُعد روسيا حَجر الزاوية في مكافحة الارهاب الدولي، ويُمكننا توصيفها كذلك بالقوة الضاربة رقم (1) في تجفيف منابع هذا الارهاب على صَعيد عالمي، وسحق تشكيلاته بأحدث الأسلحة وأفضل التكتيكات، وتصفية خطوطه الخلفية والعَملانية على حد سواء، وتعرية وكشف الداعمين “للأُممية الإرهابية” ومُمَوّليها مادياً ومعنوياً وإعلامياً و”دينياً” أيضاً.
عانت روسيا منذ أولى الحقبات القيصرية من مؤامرات الارهاب الدولي، الذي حاول بشراسة التغلغل الواسع في أراضيها، فروسيا تختلف جذرياً عن الغرب في كل شيىء، في ديانتها وسلوكها الاجتماعي والعالمي، وحضارتها، وثقافتها، بل وفي أهدافها أيضاً التي إصطفّت الى جانب الأُمم الصغيرة والمَغلوب على أمرها عَبر التاريخ، حتى أن روسيا دشّنت في القرون الخوالي طريقاً نشِطاً للتبادلات التجارية والإنسانية بين الروس والعرب، طريقاً للحرير الروسي – العربي، إن جاز في التعبير بوصفه كذلك، وصَلَ الى موسكو وشارع “أرباط” التاريخي، حيث رسّخ هذا من قِيم وطبيعة الوحدة الروحية بين العالمي العربي والروسي، وأهدافهما الأخوية، بل أن هذه الصِّلات التجارية توسّعت بين العرب والروس إلى إنسانية ومصاهرة واسعة وثقافية عميقة، أدخلت في المُحصِّلة مُفردات لغوية عربية كثيرة جداً إلى اللغة الروسية.
الهجوم الارهابي الدولي على روسيا استمر في العصر السوفييتي كذلك، واليوم في ربيع روسيا المستقلة، والبوتينية، عادت روسيا الى معاناة يومية بسبب تركيز القوى الارهابية نفوذها في أراضيها، وانتشارها مُلاصِقة لأسيِجَتِهَا الحدودية، وفي جوارها الجيوسياسي الواسع، بل وتوسّعها وفي الأقاليم الخارجية التي تُعد المَنفذ والمُتنفّس التاريخي والثقافي والحضاري والجغرافي للروس في العالم.
مؤخراً، أعلنت مديرية جهاز الأمن الفيديرالي الروسي، أن الجهاز الأمني في جمهورية تتارستان الروسية، وبالتعاون مع وحدات وزارة الداخلية والحرس الوطني الروسي، “اعتقلوا زعماء محتملين لخلايا تابعة للمنظمة الإرهابية الدولية “حزب التحرير الإسلامي” (المحظور في روسيا).
وكان جهاز الأمن الروسي قد اعتقل قبل فترة وجيزة أيضاً، ستة من عناصر “داعش” كانوا خطّطوا لعمليات إرهابية في العاصمة موسكو، ضمن الحرب الداخلية التي تشنها الأجهزة الروسية الخاصة على المنظمات المُمولة من الخارج، والتي تهدف الى محاولة تقويض النظام السياسي الروسي، وإيقاع روسيا في دوّامة النزاعات والحروب الداخلية خدمة لأجندات خارجية.
وكشف بيان روسي رسمي، أن المعتقلين قاموا بأعمال من شأنها تشكيل هيكل لشبكة مغلقة في روسيا، جرى من خلالها إنجاز مهام “لتجديد التشكيلات العسكرية للمنظمات الإرهابية العاملة على أراضي دول “الشرق الأوسط”، وتم خلال عمليات المداهمة الأمنية، الاستيلاء، في أماكن إقامة المشتبه بهم، على كمية كبيرة من المواد الدعائية لحزب التحرير الإسلامي، ووثائق تشتمل على تعليمات من المنُسّقين الأجانب، وتقارير حول العمل المُنجز، وكذلك الاتصالات ووسائط الإعلام الإلكترونية التي يَستخدمها المعتقلون في القيام بأنشطة إرهابية.
هذه العمليات هي بعض تلك الانشطة الإرهابية التي تعاني منها روسيا يومياً، وليس كلها، ذلك أن الصراع العالمي في أيامنا، بات يوظّف عصابات الارهاب للنيل من روسيا وتقدمها الصناعي والتفني وعلاقاتها الدولية، مُحَاوِلاً وأد متنفّسها العالمي، وفصلها عن تحالفاتها الدولية، وتجريدها من بلاد الشام وشمال أفريقيا والبحر المتوسط والمضائق الدولية، وسعياً الى خنق الطرق البحرية والبرية التي تربطها بالعالم، وبخاصة العربي، على مِثال منفذ البحر الأسود، والحدود البحرية مع دول شرقي آسيا، وليس آخيراً تكثيف تركيز الارهاب على حدودها الجنوبية الطويلة، حيث تشكيلات عديدة تطوّر في تكتيكاتها وأهدافها، على مِثال ما يُسمّى بـِ “الحزب التركستاني”، و “التحرير”، و “داعش”، ومنظمات القاعدة بتسمياتها المختلفة، والتي سبق أن قاتلتها روسيا في الشيشان وأفغانستان، وغيرها.
وفي مقاتلة الارهاب في سورية، فقد دخلت القوات الروسية الى سورية بطلب رسمي من حكومتها الشرعية، منذ نحو شهرين و3 سنوات، وهناك نشّطت هذه القوات من عملياتها لقصم ظهر الارهاب وقادته الميدانيين في تلك الدولة، وهنا بالذات ندرك لماذا كان الرئيس فلاديمير بوتين قد أعلن عشية دخوله الأُممي الى سورية، أن هدف موسكو هو دعم شرعية الجمهورية العربية السورية والانتصار لها، وهو ما انسحب على روسيا ليكون انتصاراً لسيادتها على أراضيها أيضاً، ولصيانة حدودها وحدود سورية، ولوقف المد الارهابي الذي تتعرض إليه روسيا وسورية مجتمعتين، إذ كان هؤلاء الارهابيون قد تكاثروا في هذه الدولة العربية قبل بدء الحرب التخريبية عليها، عودة على تكريس منطقتنا للاستعمار الغربي، فقام أنصار الارهاب في العديد من دول العالم، بإعداد جيوش مسلحة من شأنها الإضرار بالأمن الوطني الروسي، وتقويضه ولجم صِلاته التحالفية الدولية، ولهذا بالذات علمنا أن أحد أسباب الدخول الروسي الى سورية هو تصفية الارهابيين هناك الذين توافدوا إليها من روسيا، ومن دول أخرى حليفة لها، وبهدف قطع خطوطهم، لئلا يتمكنوا من العودة الى مدن روسيا لقيادة عملياتهم التخريبية الأكثر حِرفية والمموّلة خارجياً.
إن أحد الأهداف التي ينشدها الارهاب الدولي هو محاصرة روسيا، وبخاصة في خاصرتها الجنوبية، إذ يَعتقد أركان الارهاب وراء المحيط، أن نشر إرهابييهم في الـ”هارد لاند” الآسيوية، وإدخالهم الى دول آسيا الوسطى والدول الاسلامية المجاورة لها، سوف يزعزع الأمن الروسي في قواعده، ويعمل على “كسب” ولاء السكان فيها وفي جنوب القوقاز للارهاب، وأموال الارهاب وسلطته، ونمط الحياة الارهابي، الذي كاد يسود في سورية في سنوات ما قبل 2015!
لهذا نرى أن روسيا لم تتوقف يوماً عن تحسين علاقاتها المتعددة الأشكال مع جاراتها الآسيويات الجنوبيات، والارتقاء بالتنسيق الأمني والسياسي والدفاعي معهم، ودعمهم إقتصادياً وتجارياً، وإعلاء التبادلات الثقافية والانسانية وإيّاهم واستيراد اليد العاملة من تلك الدول للعمل في روسيا، في مَسعىً جاد للحد نسبياً من نِسب البطالة في تلك البلدان، فالتخفيف من الأزمات الاجتماعية والاقتصادية فيها، وجعل الانفراج الاجتماعي سِمة مُمَيّزة في واقعها، بهدف إضعاف تنامي الأمزجة المتطرفة بين سكانها.
تُعتَبر الحرب على الارهاب في روسيا وسورية حرباً للتضامن الأممي الواضح المَعالِم والجوهر والأهداف. فالمشروع الامبريالي الغربي في سورية يستهدف الدولة السورية برمتها، والى جانبها يستهدف روسيا أيضاً، ويرمي إلى تجريد بلدان “الشرق الأوسط” والمنطقة العربية من سيادتهم وأمنهم واستقرارهم، وإعادة القوى الاستعمارية التاريخية الى جولاتها وصولاتها في منطقتنا، و “فرنجتها” بالكامل في جُعبة الغرب، ومواصلة سفك الدم السوري والروسي لتدمير البُنى التحتية، وشلِّ العُقول والإرادات، ولإرغامنا بالتالي على الاستسلام الشامل للدول المُتاجِرة بدماءِ أبنائنا وأَحفادنا، لكن هذا لم ولن يحدث أبداً.

*رَئيس رَابطة القلميين العَرب حُلفاء روسيّة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.