الدراسة في روسيا.. بالملايين!

الدراسة في روسيا.. بالملايين!

الأكاديمي مروان سوداح*:

 

يتسارع هذه الأيام نبض المراكز الثقافية والسفارة العربية والأجنبية، التي تسعى الى ترويج أفضليات الدراسة العليا في جامعاتها بمختلف تخصصاتها. ويُعد الاردن واحداً من الدول التي تنشط فيها الهيئات الأجنبية بفعاليات مُكثّفة، لجذب الطلبة المتفوّقين بخاصةٍ، لتوفير دراسة متميّزة لهم، تضمن تفوّقهم، وبالتالي تفوّق علومها من خلالهم في وطنهم.

 

قبل نحو 35 سنة أنهيت دراستي الجامعية في روسيا (إتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية – أنذاك)، وحصلت على الدرجة الجامعية الثانية (الماجستير)، وبعدها حصلت على درجات علمية أُخرى أعلى في سياق أبحاثي ضمن تعاون علمي عالٍ بين البلدين، لاسيّما في مجالات العلوم الاجتماعية – التاريخية. آنذاك، قبل عشرات السنين، كانت الدراسة الجامعية في روسيا مماثلة للدراسات الأُخرى في المدارس والكليات الروسية ,على اختلافها مجانية بالكامل، وكان الطالب الأجنبي والروسي يتلقى منحة مالية محدّدة من الدولة السوفييتية وهي منحة غير مستردّة، عِلماً بأن المواد الغذائية في روسيا بقيت للآن رخيصة.

وشخصياً، كانت هذه المنحة الحكومية تكفي لأجل أن أحيا بمفردي بكرامة هناك في وطني الروسي الجديد، وبأن “أسوح” بالقطارات في أرجاء روسيا الواسعة، من لينيننغراد في أقصى الشمال، وإلى أوديسا – البحر الاسود في الجنوب، وقد بلغ سقف هذه المنحة الشهرية 90 روبلاً سوفييتياً، أخذاً بالاعتبار أن مختلف الخدمات الاخرى المقدّمة للطالب كانت حينئذ مجانية تماماً، ومنها على سبيل المِثال لا الحصر، الخدمات الطبية والعلاجية داخل وخارج الحَرم الجامعي، وتوفير الكتب الأكاديمية لمختلف السنوات وعلى إتساع عناوينها، زد على ذلك توفير قصور وبيوت للراحة والاستجمام السنوي للطلبة، تقع في ضواحي المدن العريقة، أو على ضفاف الأنهار الروسية والسوفييتية الشهيرة. لكن اللافت للانتباه، الى جانب ذلك كله، كان توفير الملابس وبخاصة الشتوية منها للطلبة الأجانب، والتي تقي من صقيع روسيا القارص، والذي وصل في السنة الاولى لدراستي الجامعية في جامعة موسكو الحكومية “لامانوسوف” (1978)، الى أقل من أربعين درجة تحت الصفر المئوي(!)، وهذه الملابس “الثقيلة” توفّر للأجنبي دفئاً مثالياً و.. مُحقَققَاً.

 

بعض هذه الخدمات بقي للآن في روسيا المُعاصرة، برغم أن هذه الدولة لم تعد منذ ما يُسمّى بـِ”البيريسترويكا” دولة سوفييتية وإشتراكية، ومن هذه الخدمات منحة مالية شهرية لكنها رمزية، وعلاج طبي، وحماية أكيدة واحترام متوافر للطالب الأجنبي الضيف بقوة القانونين الدولتي والانساني الروسي، فلا يجد الطالب وهذا الوضع أية مشكلة في التأقلم السريع مع نمط الحياة الروسية البسيطة، فجميع وسائل الراحة والأمان مؤمّنة للطالب شرط أن يحترم القانون ويبتعد عما قد يُثير المشاكل.

ومن الجدير بذكره هنا، أن “روسيا بوتين” توفّر للطالب الروسي والأجنبي، أجواءً مثالية للإبداع العلمي، ونيل العلوم والثقافة، والتعرّف على روسيا الحالية وشؤونها وشجونها دون أية عوائق أو جُدرٍ، وللتواصل مع شتى فئات المجتمع الروسي ومجتمعات الثقافات القومية المختلفة، وبضمنها القوقازية الشمالية، التي تلعب دوراً مَحسوساً في تمتين العلاقات الثنائية وأنشطة المصاهرة بين الجانبين الصديقين الروسي بمفهومه الواسع، والعربي وفي إطاره تلكم الأعراق المختلفة التي تحيا وتنتج وتُبدع بسواسية في بلدان العالم العربي وتمتد جذورها الى روسيا الكبرى.

مؤخراً، عَقد المركز الثقافي الروسي في عمّان – الاردن، فعاليات خاصة لترويج الدراسة العليا المجانية، وكذلك للإشارة لتلك المدفوعة على حد سواء، وإلتأمت الفعالية حين آن الآوان الى ذلك في خضم التحضيرات للامتحانات المدرسية الفصلية، ودنو زمن تقديم الشهادات الفصلية للمركز، بغية البت في الأسماء الأكثر تأهيلاً علمياً للدراسة في روسيا، وفي مقدمتها تلك الأسماء التي حصلت على معدلات دراسية عالية، تؤهلها لاختيار عناوين التخصصات المناسبة لأصحابها، من بين عناوين واسعة للغاية، عِلماً بأن العملية التعليمية والشهادات العلمية والأكاديمية الروسية تمتاز تاريخياً بجودتها الرفيعة، وهي موضع ثقة وتقدير في عواصم العالم العربية والأجنبية، وبقدر توسّع العلاقات الروسية مع هذا البلد أو ذاك، يزداد عديد المِنح المقدّمة إليه، كما أن تقديم طلبات الدراسة العليا للجامعات الروسية يمكن إتمامه بسرعة وسهولة، عن طريق المركز الثقافي الروسي نفسه، أو بتسجيل طلب الدراسة على موقع إلكتروني متخصص (http://russia.study/en)، من أجل ضمان التواصل السريع والمضمون بالإتجاهين، إذ من أنه المتاح أيضاً، أن يقوم المركز الثقافي الروسي بتنظيم دراسة الطلاب على حسابهم الشخصي، مِمَن لم يحالفهم الحظ في الحصول على منحة دراسية مجانية.

 

تقدّم روسيا للاردن حكومةً ومؤسساتٍ، وللمركز الثقافي الروسي في عمّان، عدداً غير قليل من المِنح الدراسية المجانية تحديداً، والتي لا تكلّف الطالب فلساً واحداً طوال دراسته العليا في المؤسسات التعليمية الروسية، في كل التخصصات المُتاحة، علماً بأن مجال الدراسة يشمل الشهادة الجامعية الأولى (البكالوريوس)، والدراسات العليا (الماجستير و الدكتوراة) لجميع التخصصات الانسانية والعلمية والهندسية.

 

وفي هذا السياق، من المفيد الإشارة الى ميزةً يتمتع بها المركز الثقافي الروسي في الاردن، وهي تدريس الروسية والعربية الى جانب بعضهما بعضاً، وهو مجال يندر وجوده، أن لم نقل أن لا وجود له في غالبية أو في كل المراكز الثقافية الاجنبية المنتشرة في الاردن، وهو الى ذلك أيضاً، إشارة واضحة على إحترام المركز وروسيا بوتين للعرب والعروبة، ولكل بلد عربي، ثقافته وتقاليده الخاصة به. ولهذا، نرى في فعاليات المركز ويومياته توافداً للكبار والصّغار عليه، أطفالاً وشباباً من الجنسين، وكباراً، رجالاً ونساءً ينخرطون في مساقات ودروس اللغة، وعلى مدار الاسبوع، ووفق منهجية علمية معتمدة، يحصل الطالب في نهايتها على شهادة حكومية روسية رسمية. والى جانب ذلك، يُقدّم المركز دروساً في الموسيقا، على أيدي مدرّسين متخصصين بالموسيقا الروسية، ويستعرض الدارسون للموسيقا مواهبهم على مسرح المركز، ويحيون أُمسيات موسيقية وفنية تقيمها إدارته، كما ينشغل المركز بتدريس الفنون التشكيلية للاطفال والناشئين، ولديه مكتبة تضم روائع الأدب الروسي للتعرف على الثقافة الروسية، ويُعطي دروساً في “الكمبيوتر” وتكنولوجيا المعلومات، وغيرها من الانشطة الثقافية والعلمية التي تهدف الى تعزيز التواصل بين شعبي البلدين، لا سيّما من خلال تعاون المركز مع مختلف المؤسسات الرسمية والأهلية الاردنية، ومنها المدارس والجامعات، في مجالات عمل المركز لخدمة مصالح البلدين والشعبين.

 

الموقف الروسي التعليمي الشريف يَنجلي عن رغبة روسية حقيقية في مواصلة عملية تدريس الاردنيين في روسيا، عودة على بدء زمن سابق، كانت خلاله أعداد الاردنيين والعرب الدراسين في جامعات ومعاهد روسيا بعشرات ومئات الالاف، فهناك عدد غير قليل من الدول العربية التي تمكنت من إرسال أعداد غفيرة من طلبتها ومدنييها وعسكرييها الى روسيا لنيل العلوم، وأفضى ذلك إلى أن تغدو اللغة الروسية في الاردن، كمثالٍ، اللغة المحكية الثانية بعد الانجليزية على نطاق يومي وفي فضاء وطني اردني عام، وقد عمّق مكانة هذه اللغة العريقة في البلاد الاردنية، المُصاهرة الروسية الاردنية الواسعة، عودةً على ما يمكن أن نطلق عليه تسمية “طريق الحرير التجاري الروسي – الشّامي”، الذي وصل إلى “محطته المركزية” في “أرباط” بموسكو، والذي انبثق عنه عدد كبير من العائلات الثنائية القومية والثقافة، والتي تـَعتبر أن العربية والروسية “لغتين – أُم”، فغدا التأثير الإيجابي لهذه الظاهرة الحضارية والسلامية بامتياز واضحاً وجلياً في الشارع الاردني العام، وعلى مُحيّا الاردنيين، وفي مختلف مفاصل الحياة المحلية، وعلى امتداد جغرافية المدن والقرى الاردنية، وعلى صرح العلاقات الثنائية بين البلدين والشعبين الصديقين و الشقيقين، أمس و اليوم و يوم غدٍ..

 

*رَئيس رَابطة القلميين العَرب حُلفاء روسيّة.

2 تعليقات
  1. مروان سوداح يقول

    ارتأيت نشر هذه المقالة لتعريف القراء بأفضليات الدراسة العليا في روسيا، وبالمصاهرة الأردنية والعربية الروسية ، والتي تؤدي إلى تشييد صرح صلب للعلاقات العربية الروسية، يفيض بالعلوم والثقافة والتعاون الأوسع، لمصلحة الطرفين ضمن معادلة الربح الانساني لهما..

  2. مروان سوداح يقول

    وامل ان أقرأ مقالات جديدة في نفس الاتجاه ، من اجل تعزيز روح الاخوة التاريخية العربية الروسية، وتمكين السلام في الانفس والعقول، إذ أن روسيا يمكنها بمساهماتنا الحقيقية ان تأخذ بيدنا إلى فضاءات حقيقية للتقدم والازدهار والاستقلالية الحقيقية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.