الصهيونية تتواقح على أطراف فنزويلا أيضاً..!

 

 

موقع إنباء الإخباري ـ
الأكاديمي مروان سوداح*:

قد يبدو للوهلة الأُولى، أن تدخّلات القوى الصهيونية والإسرائيلية في شؤون الدول، هو مُجرّد اصطفاف طبيعي لكيانها إلى جانب حُلفائه التاريخيين والدوليين، لكن الغوص في طبيعة هذا الاصطفاف، يَكشف بجلاء عن أن طبيعة الحَركة الصهيونية ذاتها ومنظمتها الصهيونية العالمية، ركائِزها وقواعدها منذ تأسيسها، وإلى جانبها كيانها الصهيوني – الذي هو الدركي والمَخفر الأمامي للإمبريالية في “الشرق الأوسط”، هو جزء حيوي وفيزيائي للغرب السياسي الواسع، واصطفاف وجودي وقضية حياة أو موت لهذا الغرب برّمته، وتؤكد على ذلك يوميات سياسات ساسة الكيان الذين ينفّذون أوامر منظمتهم الدولية، التي تسيطر للأسف على عددٍ غير قليل من البلدان، وتعمل بنشاط على استحمار عقول كثيرة وصياغتها على منوالها.

لا أريد هنا الدخول في تشريح للحركة الصهيونية والصهيونية ذاتها، فهذا يَحتاج الى مقالات كثيرة، وهو مُتاح بسهولة للمُهتمين، إلا أن مُسارعة تدخّل الصهيونية بشكل سافر ووقح في فنزويلا واحتشاد الأسلحة “الإسرائيلية” بالقرب من حدودها – دون انتظار تطوّر الأوضاع ومآلاتها في تلك الدولة الأمريكية اللاتينية – وإرسال تل أبيب قطعاناً من جيشها ومرتزقتها إلى دولة مجاورة لفنزويلا انتظاراً لساعة الصفر لدخولها إلى العاصمة الشمّاء كاراكاس، هو قَولاً وفِعلاً وواقعاً تأكيدات متتالية على أن الكيان الصهيوني يَصطف دوماً إلى جانب الأنظمة العنصرية والديكتاتوريات على اختلافها، وينسجم ويندغم في علاقات وثيقة معها في كل المناحي ضمن وحدة رأس المال الاستعماري الدولي الجشع.

يُعدُ تدخّل الكيان الصهيوني في شؤون فنزويلا الداخلية انتهاكاً صريحاً وفظٌاً لسيادة الدولة البوليفارية وإرادة شعبها وشرعية قيادتها، وهو أيضاً استهانة بالقوانين الدولية والإنسانية والدينية، واستمراراً في استخدام سياسة العصا دون الجزرة في علاقات الكيان مع دول العالم وناسه، بغية إخضاعهم وتحويلهم إلى خانعين وخاضعين، إذ أن مناهضة الصهيونية وكيانها ورفضهما تماماً كان على الدوام شوكة في حلق الصهيونية في أمريكا اللاتينية، فالعداء لأمريكا والكيان كان دائماً عداءً شعبياً وغريزياً بامتياز في القارة، وقد تجذّر مع مرور السنين في التاريخ الطويل للقارة وفي وجه تدخلات التحالف الإسرائيلي ـ الأمريكي الإمبريالي في شؤون أمريكا اللاتينية وشعوبها، وهنا بالذات نفهم لماذا تستكلب الكيانية الصهيونية للدخول فاتحة فنزويلا الأبية التي نثق بأنها ستقاتل وستنتصر على رُسل جهنم.

إن الهدف الصهيوني الفعلي الذي يتكشف اليوم هو تصفية المُعارِضين في العالم، وبضمنه في أمريكا اللاتينية، ذلك أنه أحد الوسائل لمنع الرقابة على نهب واشنطن وتل أبيب وحليفاتهما لمُقدّرات الدول والأمم ومنها اللاتينية، ولمنع مراقبة تحويل هذه المَنهوبات إلى بنوك “العم سام” وأولاده الغربيين وجيوشهم لتعزيز عملية شحنِها بمزيدٍ من الروافع في الحروب اللصوصية.

فبعد الانقلاب الصهيوني على أُوكرانيا بقوى مجموعة “دلتا” الخاصة التابعة لجيش الكيان الصهيوني، وتآمر الكيان وحركته العالمية على سورية، والعراق، وليبيا وغيرها من الدول والشعوب العربية، وقبلها تآمره والمنظمة الصهيونية سوياً مع واشنطن وعواصم الغرب الدائرة في فلك “العم سام” على الاتحاد السوفييتي، تنتقل القوى الصهيونية لتحشيد علني لفصائلها المسلحة على الحدود الكولومبية الطويلة مع دولة بوليفار، لتنفيذ مهمة “ديمقراطية!” “في ساعة الصفر”، التي “تضمن” للكيان سرعة الاستيلاء على ذهب ونفط فنزويلا ومعادنها الكثيرة التي تزخر بها وتلهث واشنطن لاحتكارها كلها، وصولاً إلى إنقاذ الاقتصاد الأمريكي المتهاوي، إذ تُعتبر فنزويلا في المنظار الصهيوني “مَجالاً أمنياً” “حقيقياً” للصهيونية الدولية، ومركزاً وبُرجاً مِثالياً وعالياً مُشرِفاً على القارة في مهام “إدارة الأزمات” بنجاح، ورأس جسر إستراتيجي لا مثيل له في نقلات سياستها وعسكرها إلى وسط وجنوب القارة الأمريكية اللاتينية، فتكريسها الكامل للصهيونية والنفوذ الأمريكي، وبعدها – لا قدّر الله ولا سَمح – سيباشرون العمل بإقصاء التواجد الصيني الروسي من القارة، وتصفية حركة التحرّر اللاتينية وقادتها ومؤسساتهم النضالية ومكاسب الشعوب والشغيلة في القارة، وصولاً إلى ضرب الإقتصادَين الصيني والروسي في قارة بوليفار، من خلال عرقلة السبل المُعلنة المُفضية لدخول مبادرة “الحزام والطريق” الصينية الشهيرة إلى هذه القارة الأمريكية التي سبق وشهدت انتفاضات وثورات ومعارضات سيمون بوليفار، و تشي غيفارا، وفيديل كاسترو، وأيديولوجية “لاهوت التحرير”، وغير ذلك الكثير من الثورات والثوار والمناضلين الأفذاذ الصّلبين والتحولات التاريخية، التي رفضت الحلول الوسط ومساعي تحويل هذه القارة العريقة بحضارتها وثقافتها إلى “مزرعة موز” لجشع رأس المال الأمريكي، ورؤوس الأموال الغربية لدول المتربول التي هَربَت من انتفاضات الشعوب وإرادتها.

وفي النقلات الصهيونية إلى القارة اللاتينية فهو ليس بالأمر الجديد ولا الحديث، فحتى الجيش الصهيوني استمر بإرسال عسكرييه منذ زمن بعيد إلى وسط القارة (للراحة والاستجمام!!!)، حيث يتمدّد جغرافياً على تقاطع عدد من البلدان هناك، ليؤسس لذاته خطوة وراء أخرى، وفي قضم أرضي متواصل، دويلة جديدة صهيونية القسمات والفِعل والنقلات، تكون ضاربة حربياً وفي بسط سيطرتها الاقتصادية والإعلامية والأيديولوجية على دول هذه القارة المُبتلية تاريخياً بالاستعمار والنهب الاستعماري، وهنا يتبدى أن الخشية الرئيسية تكمن في توقيت انتقال هذه الإمبريالية الصهيونية الذئبية المباشرة إلى طبيعتها الأخرى الأشد خطراً على دول وأمم القارة اللاتينية، ألا وهي كشفها عن أنيابها الإحلالية والإستيطانية والاستعمارية في ربوع أمريكا اللاتينية، بدعمٍ كامل يتبدى جلياً من هجمات مدير أعمال رأس المال الأمريغربي “ترامب”، لتكشف الصهيونية نهائياً عن أنيابها في تفريغ القارة من شعوبها الأصلية وأفكارها التحرّرية والاستقلالية، وما لا نريده لرفاقنا في فنزويلا وأمريكا اللاتينية: استنساخ جديد لقضية فلسطين وشعبها وآلامها ونزفها في وطنهم الجريح، حيث تتكالب القوى المناهضة للشعوب للنهش فيه.

وفي الاتّجاه الإسرائيلي الصهيوني المتنامي في القارة اللاتينية، فقد سارعت قرية تل الزهور الفلسطينية (تل أبيب الصهيونية)، إلى الاعتراف بعميل الولايات المتحدة خوان غوديو رئيساً على فنزويلا، في خطوة سياسية تتلوها خطوة عسكرية يحضّر إليها للإطاحة الإسرائيلية بالقوة بشرعية الرئيس الفنزويلي المُنتخب شرعياً نيكولاس مادورو.  وبهذا، أدخل الكيان الصهيوني نفسه في قضية بعيدة عنه آلاف الكيلومترات، برغم ما يفصل بين البلدين من بحار ومحيطات وجبال شاهقات واختلاف في أُلوف التفاصيل، وهنا يمكن القول إن الاعتراف الإسرائيلي الفوري بهذا الانقلاب، انقلاب التدخل الخارجي، الذي شهدته كراكاس، مرتب بتعاون عميق للانقلابيين أنفسهم مع واشنطن، وهو ما أثار حنق شرفاء العالم ودوله الصديقة ومعارضتهم له، ذلك أن أساطين الصهيونية الفنزولية كانوا على الدوام مُنسّقين مع تل أبيب ضد “وطنهم” فنزويلا، وفي زيارات إليها، ولهذا بالذات يتطلع قادة العدو إلى الاستحواذ على جزء كبير من “الكعكة الفنزويلية” دون حليفهم الامريكي!

واتصالاً بذلك، نقلت وسائل الإعلام والصحافة الصهيونية مبتهجة، أن “ماريا كورينا ماتشادو” من قادة “المعارضة” الفنزويلية، توجّهت بالشكر إلى نتنياهو على هذه الخطوة الاعترافية بالانقلاب!، و”أكدت أن فنزويلا تنوي “تجديد” علاقاتها مع إسرائيل”!

وتلاحظ صحيفة صهيونية: “أن الموقف الإسرائيلي بدعم ما تسميه بِ “الرئيس الفنزويلي الجديد” (إقرأ هكذا: الانقلابي وغير الشرعي)، جاء معاكساً لمواقف دول عظمى حول العالم، عارضت ما اعتبرته انقلاباً على الديمقراطية، مثل روسيا والصين وجنوب أفريقيا، متهمةً الولايات المتحدة بدعم الانقلاب، ورافضةً تمريره على مجلس الأمن الدولي”.

وكعادتها، برّرت تل أبيب قرارها هذا، وتدخلها بالشؤون الداخلية لفنزويلا المستقلة، بوجود نحو ستة آلف يهودي في فنزويلا، وضرورة حمايتهم (!)، وانتقاماً من نظام هوغو تشافيز البوليفاري الاشتراكي لقطعه علاقاته بالكيان الاستعماري – الإحلالي. بينما كشف البروفيسور أرييه كاتسوفيتش خبير شؤون أمريكا اللاتينية في قسم العلاقات الدولية بالجامعة العبرية، أن قرار الكيان بدعم “المعارضة” الفنزويلية التي تساندها واشنطن ولوبي الضغط الصهيوني في الكونغرس ومؤسسات صُنع القرار الأمريكي،  هو “خطة” ستؤدي “إلى تجديد علاقاتها مع تل أبيب”!

وكشف كاتسوفيتش عن حقيقة التطلعات الصهيونية على أرض فنزويلا، والتي تتمحور حول إعادة البلد “إلى الوسط أو اليمين، بدل خطها اليساري القائم حالياً”، إذ “أن أي بديل سيكون أفضل لإسرائيل، كما أنه على الصعيد الدولي فإن قرار إسرائيل بدعم المعارضة الفنزويلية “منطقي”!..، فالصورة العالمية تذهب نحو هذا الاتجاه، ما يجعلني أدعم هذه الخطوة من قبلنا”، ومؤكداً أن الفضاء الأمني للصهيونية يشمل العالم كله، إذ نوّه كاتسوفيتش إلى أن “هذه الخطوة قد تجعلنا أكثر حسماً لموقعنا في الكرة الأرضية، بجانب مَن نقف، وفي مواجهة مَن”، بينما أعلن العميل غوايدو عن تعيين سفير “حكومة المعارضة”، لدى “إسرائيل”، “خلال الأيام القليلة المقبلة”، على الرغم من انقطاع العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين الطرفين منذ العام 2008، برغم من أنه لا يجرؤ على فتح سفارة للكيان في دولة بوليفارية. وفي السياق ذاته، نلاحظ تسابقاً من جانب قادة “المعارضة” لخطب ود الكيان الصهيوني ورضاه وتأييده، لِـ “إقامة علاقات ثنائية مع إسرائيل، مَبنية على السلام، والتعاون المشترك، وبعلاقات أخوية بين شعبي البلدين!”، إذ ذهبت الامور الى أبعد من مجرد علاقات مع الكيان، الى إفساح المجال له للانتشار الفظ في مفاصل الدولة الفنزويلية والسيطرة عليها، وهنا ننوّه الى تصريحات ماريا كورينا متشادو، وهي من أبرز المؤيدين لِـ “إسرائيل” وواشنطن، بقولها، إن “المعارضة” “تأمل في إعادة العلاقات الدبلوماسية الرسمية مع “إسرائيل”، ودعت “المواطنين اليهود الذين غادروا البلاد، إلى العودة “للمساعدة في إعادة بناء الدولة”!، بعد “نجاح المعارضة في الإطاحة بمادورو”!

إن كل ذلك وغيره إنما يَعني أن الكيان الصهيوني يُشارك غيره من الإمبرياليات بنشاط في التخلّص من الانظمة والشعوب التي لا تروق له (غير المرغوب بها)، من خلال التدخل في شؤونها الداخلية بطريقة وقحة وسافرة وباستخدام القوة المسلحة والتلفيقات، وهو ما ينتزع ورقة التوت الصغيرة عن عورة هذا الكيان، الذي يواجه جميع شعوب الأرض الراغبة في سيادتها على قرارها، وليس تلكم العربية فحسب.. وبالتالي فهو في مواجهة العالم أجمع، ويؤكد للمرة الألف بأنه العدو اللدود لأمانيها في الحياة والحرية والديمقراطية والخبز والسعادة بدون احتلال عسكري واقتصادي ونفسي وإعلامي وتكبيل صهيوني..

#الأكاديمي مروان_ سوداح: مؤسس ورَئيس رَابطة القلميين العَرب حُلفاء #روسيّة ومجلس الإعلام والتضامن الاردني والعربي مع شعب جمهورية #فنزويلا البوليفارية.

تعليق 1
  1. مروان سوداح يقول

    نرجو من الزملاء تواصل النشر عن فنزويلا في هذه الظروف الصعبة بالنسبة لها ولأصدقائها في العالم ولشد ازرها

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.