الصّفدي ولاَفروف والقَفز للمربّع الأول

 

 

 

موقع إنباء الإخباري ـ
الأكاديمي مَروان سودَاح*:

راهناً، ومنذ بضعة شهور، بُذلت وتُبذل وتتواصل الجهود الحثيثة لإعادة العلاقات الاردنية الروسية إلى ألقها المعروف عنها في عقود خَلت، وبخاصة بعد حرب 1967، وخلال سبعينيات القرن الماضي، ولبعث كل ما مِن شأنه تميّزها على مختلف المستويات الرسمية والشعبية. وفي تدقيق المتخصّص في هذه العلاقات، فأن الاردن يتابع بكل جدّية الحفاظ على قناة إتصال مأمونة مع الحكومة السورية، من خلال روسيا بالذات، فدكتاتورية الجغرافيا وعوامل الجيوبوليتيك الموضوعية، تنتصر في نهاية كل مطاف، وتعيد التأشير على ضرورتها الحيوية. أضافة إلى أن الاردن يُعاني من أزمة إقتصادية، ومن المؤمّل دعم موسكو له، بما يضمن نجاحه في الخروج من أزمته هذه، بالتعاون مع موسكو بالذات ومختلف العواصم القادرة فعلاً لا قولاً، على انتشال البلاد من مأزقها الاقتصادي الخطر، وها هو الاردن يَطرق من جديد، سُبلاً تفضي به الى حميمية متجددة، لا سيّما ما بين قادة البلدين، فخامة الرئيس فلاديمير بوتين وجلالة الملك عبدالله الثاني، وموسكو تُعرب بلا كللٍ عن إهتمامها واستمرارها بتعميق الصداقة وعلاقاتها مع الاردن، بغض النظر عن الاختلاف أو الفوارق في عددٍ من وجهات النظر والتحالفات الدولية للعاصمتين.

ومن الضروري الإشارة على وجه التحديد، إلى أن دخول الاردن على خط معالجة الازمة السورية، من خلال مشاركة المملكة في اجتماعات اللجنة العَملياتية تحت رعاية روسيا وتركيا وإيران، لمراقبة وقف الأعمال العدائية في سورية، ووضع تدابير للتحكم ومنع انتهاكات إتفاقات وقف إطلاق النار، وتعزيز الثقة ما بين الحكومة السورية والقوى المختلفة على الأرض السورية، وبخاصة وبالطبع مع المُعارضَة غير الإجرامية والمقاتلين الذين أجبروا على الالتحاق بها، وانفتاح الاردن على بحث مسألة المساعدات الإنسانية، هو مؤشر يتوقف عنده القارىء والباحث والمتابع بالتأمل، إذ يُعتبر ذلك إنتهاجاً أُردنياً لسياسة تأخذ بعين الاعتبار الموقف على أرض المعارك، والقوى الفاعلة فيه، وتغيّر المعطيات والمستجدات التي فرضتها روسيا والدول الحليفة لها على الأرض.

 

لهذا ولغيره من الأسباب، نُلاحظ أن زيارات وزير الخارجية الاردني، أيمن الصفدي، إلى موسكو، ومن بينها الأخيرة في ديسمبر 2018م، أن المباحثات بين الوزيرين تطرّقت إلى ملفات غاية في الأهمية، بغية الوصول الى حلٍ بشأنها فتصفيتها مرة وإلى الأبد، بخاصة، موضوع عودة اللاجئين السوريين من الأردن إلى موطنهم سورية. لذلك، كانت هذه المسألة أحد أهم المداخل لعودة العلاقات الحميمة ما بين روسيا والاردن، ولحلحلة العلاقات ما بين الاردن وسورية أيضاً، بالإضافة الى خيارات تسوية الوضع، عموماً، في “مخيم الركبان”، ومصير قاعدة “التنف” العسكرية الأمريكية، بعد الإعلان عن نوايا الرئاسة الأمريكية سحب قواتها من المناطق المُحتلّة من قِبلها في سورية، ودور القوات الامريكية المتبقبّة في العراق وتأثيراتها على المنطقة المحيطة بها، وكذلك المخاطر التي تُحدق بالقضية الفلسطينية.

يَقرأ المُتابع، أن الموقف السياسي الاردني، بات “قريباً جداً” من الموقف الروسي، لا سيّما بشأن الأوضاع على الأرض السورية، إذ أكد وزير الخارجية الاردني، على أهمية إنهاء ما وصفها “بالكارثة والأزمة” في سورية، مُشيراً في الوقت نفسه إلى أن تحقيق هذا الهدف “يتطلب تعاوناً وتنسيقاً مع روسيا”، بحسب المنشور في موقع فضائية “روسيا اليوم”، وهو موقف يتوازى ويتناسب مع الموقف الروسي ويُوصل إليه، والذي أعلن عنه لافروف، في ذات اللقاء مع الصفدي، قائلاً، بضرورة احترام وحدة وسيادة الأراضي السورية، وهي مهمة يمكن للاردن التعاون بشأنها مع روسيا كما نقرأ بين سطور تصريحات الوزير الصفدي، ذلك أن إنهاء الكارثة والأزمة في سورية، تتطلب بالضرورة التعاون الكامل ما بين الاردن وروسيا، فالأخيرة هي الضامن السياسي والعسكري لوحدة الأراضي السورية وسيادة الدولة السورية على أرضها وشعبها ومصالحها، ولهذا استمرت موسكو في لعب دور رئيسي أبرز في تجسير العلاقات المتوترة ما بين الاردن وسورية، كذلك ما بين سورية ومختلف الدول العربية، التي إما قطعت علاقاتها خطأ وتسرّعاً مع سورية، أو قلّصتها أو جمّدتها بشكل أو بآخر.

وفي تصريحات الصفدي، يتأكد أن الاردن يَسيرُ، بالتنسيق مع روسيا، في مسار واحد بإتجاه الحل فيهذه الدولة، ومن المُلاحظ أن موسكو التي تم أبعادها أمريكياً عن سابق إصرار وترصّد، ولعشرات السنين عن منطقة “الشرق الاوسط” العربية، تعود الآن من خلال الباب السوري، الى العالم العربي من شرقه الى غربه، بجهود عربية بالذات، بعد تراجع في مؤشرات “وزخم” الهيمنة الامريكية على المنطقة وإن نسبياً، “وتصريحات الصفدي تؤكد ذلك” برأيي، إذ لم تعد واشنطن تستطيع قيادة قطار المنطقة العربية برمّتها، لأسباب كثيرة، منها إقتصادية، وتراجُع فعالية الجيش الأمريكي وسلاحه الذي أثبتت الأحداث السورية عَجز معظمه عن إصابة أهدافه، ما يَعني تقهقر قيادية “الأمريكي” في الحرب، وإتّضاح عَجزه على حسمها لصالحه في المنطقة، وعَجزه كذلك في إعادتها إلى حظيرتها “الخلفية” المُعتادة.

الصفدي أطلق في موسكو كلمات متقدمة صوب سورية، التي تعاني من إرهاب عالمي، يُفهم منها عودة عمّان بتسارع الى جادّة دمشق، ومعها عودة عدد من الدول العربية الى فتح سفاراتها في العاصمة السورية، بتنسيق مع القناة الموسكوبية أولاً، فقد صرّح الصفدي في موسكو في ديسمبر  الماضي 2018م، بحسب “روسيا اليوم” أيضاً: “نحن منخرطون في جهود مستمرة، سواء مع أصدقائنا الروس أو مع أصدقائنا الآخرين في المجتمع الدولي، بهدف التوصّل إلى حل سياسي للأزمة، يَحفظ وحدة سورية وسيادتها واستقلالها، وُيعيد لسورية أمنها واستقرارها وعافيتها ودورها في تعزيز استقرار المنطقة، ودورها الهام في منظومة العمل العربي المشترك”.

وبحسب التحليلات في المنشورات المُتاحة في أعمال المتخَصِّصين العرب، فإن الاردن الرسمي يَعيش الآن وضعاً شهده في بداية الأزمة في سورية، حين كانت عمّان قد أعلنت عن دعمها الكامل للدولة السورية، ورفضِها لِما أسمته أيامها بـِ “الفوضى”، واتهمت “المعارضة السورية” بالعَمالة، وأنها تعمل لحساب أجندات خارجية، وهو ما انعكس سلباً على علاقاتها الخليجية، مما جعل بعض البلدان، ومع تعمّق الأزمة في سورية وتوسُّع الإرهاب، تصطف في مواجهة هذه السياسة، فأفضى ذلك الى توتر في العلاقات بين الدولتين، إضافة إلى شبه قطيعة لها مع مغادرة السفير بهجت سليمان موقعه الدبلوماسي في العاصمة عمّان الى دمشق.

المملكة استشعرت في سورية إشتداد ما يسمى بـِ “المعارضة المسلحة” والارهابيين المباشرين  على امتدادهم الجغرافي الواسع على الأرض السورية، قبل الدخول الروسي إليها بزخم قوات روسيا الفضائية والجوية والأرضية والصاروخية الضاربة، حينها تكاثرت تنظيمات الإرهابيين الدوليين على حدود الاردن الشمالية، ما هدّد أمن الدولة واستقرارها بشكل مباشر وواضح للعيان. وفي هذا الوضع بالذات، رأى الأردن أنه من الأفضل أن يَعود القهقرى، خطوات محسوبة بدقة وحفاظاً على علاقاته عامةً مع مختلف المحاور والاصطفافات، ليُعلن استعداده للتعاطف مع المعارضة المدنية سياسيًا، في مواجهة التيارات والمنظمات المتطرفة.

لكن، ومع تراجع الارهاب الدولي في سورية، بفضل الحرب السورية الروسية الإيرانية وحزب الله اللبناني، والتي لا هوادة فيها لتجفيف منابعه وقصم ظهره، وعدم لعب المعارضة الوطنية السلمية دوراً محسوساً ومُقرّراً في الداخل السوري، بسبب عدم استقرار الأوضاع عموماً، وتشرّد الشعب، رأت عمّان لزوم الإسراع في العودة الى مربعها الأول “الأصلي” والتشبث به – حيث روسيا تلعب على حدود الاردن دوراً رئيسياً وتقوم تدرّجياً بحسم الأزمة – ودعم التوجه الروسي بكل ما يشتمل عليه من نقلات واسعة وحاسمة ومحسوبة، فتحتّم الأمر وهذا الوضع الجديد، الدفع نحو تحسين العلاقات بين الدول الثلاث الاردن وروسيا وسورية.

قد يُعجَب المرء عندما يَستعرض العلاقات التاريخية الاردنية الروسية، في مجالاتها السياسية والعسكرية والإنسانية والثقافية، وبين قادة البلدين، فخلال خمسين سنة ونيّف من عمرها الدبلوماسي والسياسي، حيث تم الاحتفال بهذه المناسبة مؤخراً في الاردن وعلى نطاق مُتشعّب، برز الاردن كأحد أكثر البلدان في غرب وجنوب غرب آسيا، تفهّماً للعلاقات مع الأقطاب الدولية، “بخاصة” مع روسيا، برغم تحالفاته الغربية تاريخياً، لا سيّما وأن حدود روسيا الجنوبية، تقع على بُعدِ ساعتين على أكثرتعديل، إلى الشمال من حدود الدولة الاردنية مع سورية.

لهذا، ولغيره الكثير من الأسباب، أرى شخصياً، أن العلاقات الاردنية الروسية مؤهلة للدخول على خط التوسّع والازدهار أفقياً وعمودياً، وسنلمس ذلك في الأُفق القريب، لتشغل هذه العلاقات تعدداً في مواقع متميزة، وقد تقفز الى المقدمة، أخذاً بعين الإعتبار التغيّرات الإقليمية والدولية الحاسمة، والتي لم يَسبق لها مَثيل في تاريخ المنطقة العربية والتي تتطلب تغيّرات إقليمية على صعيد كل بلد، ويتطلع العرب من خلالها إلى علاقات أعمق وأثْبت مع روسيا بوتين، تكون ذات ركائز، وبقواعد صَلدة، ولا ترتد إلى الوراء بأي حال من الأحوال و “المَطّبات” والظروف والمتغيّرات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.