القصة الكاملة لخفايا ترشيح جعجع «الخليجي» – ٢ – معايير الرياض لرئيس الجمهورية العتيد

hariri-jajaa

قبل نحو أسبوعين ورد نبأ مقتضب من الرياض يفيد بأنّ السفير السعودي في لبنان علي العسيري سيعود إلى بيروت. الخبر بدا في الظاهر عادياً، ولكن من يعرف كيف تجري الأمور السياسية في السعودية، يدرك أنّ إعطاء إشعار مسبق بعودة سفير ليس أمراً من دون خلفيات. الدبلوماسية في الرياض حذرة في التعبير عن تحركات دبلوماسييها، وغالباً ما يتمّ ذلك تحت غطاء من التواضع الإعلامي. ولذلك توقّف خبراء في السياسة السعودية أمام تقصّد الرياض نشر خبر عودة العسيري الذي كان قد غادر لبنان قبل أشهر تحت عنوان الاحتياط الأمني، لا سيما بعدما برزت تسريبات وحتى معلومات عن وجود صلة بين تفجيرات شهدها لبنان ووجود دور فيها لمسؤول الاستخبارات العامة في السعودية المُقال بندر بن سلطان.
وبرأي هؤلاء فإنّ تقصّد الخبر أن يضرب لعودة العسيري موعداً محدداً وهو بداية شهر أيار، إنما هدف للإشارة إلى أن بداية هذا الشهر ستحمل تغيّرات إقليمية ودولية يمكن البناء عليها، وقد تكون لها انعكاسات على ملف انفراج ما سيحصل على مستوى إنتاج رئيس جديد للبنان خلال المهلة الدستورية.

وينصح هؤلاء الخبراء في هذا المجال، بالتوقف عند معلومتين اثنتين تتمتعان بمصداقية عالية المستوى: المعلومة الأولى تفيد انه قبل أسابيع عدة حصل لقاء أمني هو الأول من نوعه منذ فترة طويلة، بين وفدين سعودي وإيراني، وذلك في دولة ثالثة يُرجّح أن تكون سلطنة عمان.

وبحسب هذه المعلومة، فإنّ اللقاء سيتبعه لقاء سياسي غير معلن أيضاً بين البلدين وسيناقش ملفات عاجلة تهمّ الدولتين. ويعلّق هؤلاء الخبراء أنه ليس مؤكداً أن يكون لبنان جزءاً من هذه الملفات، ولكن الأكيد أنه سيجري «بأجواء أفضل»، على اعتبار أنّ اللقاء الأمني الذي سبقه يفترض أن يكون أزال الغمامة الأمنية التي تراكمت أخيراً في سماء العلاقة الإيرانية – السعودية، نتيجة وجود اتهامات لبندر بن سلطان كمسؤول عن عمليات تفجيرات انتحارية حصلت في لبنان، ومن ضمنها تفجيرا السفارة الإيرانية في بيروت. كما أن هذا اللقاء السياسي المتوقع سيجري في ظلّ أجواء إزاحة بندر عن منصبه بغضّ النظر عن الأسباب التي حدت بالسعودية إلى ذلك. أضف إلى ذلك أنه سيجري في إطار نتائج زيارة أوباما إلى السعودية التي انتهت بدعوته الملك عبد الله إلى التسليم بأنّ لواشنطن مصالح كبرى مع إيران، إنما ذلك لا يعني أنها ستمرّ على حساب مصالح السعودية.

بكلام إجمالي ستكون السبل ممهّدة أمام اللقاء السياسي لكي يعمل الطرفان خلاله على ترتيب أمور علاقاتهما وفق ثوابت التحولات الجديدة في العالم. ويخلص هؤلاء الخبراء إلى الاعتقاد أن هذا اللقاء سيكون مناسبة أيضاً لبناء مبادرات ثقة متبادلة على مستوى الإقليم، وقد يكون استحقاق الرئاسة اللبنانية أحدها، بخاصة في ظلّ أن واشنطن تبحث عن وكلاء لها يمثلونها في إدارة هذا الاستحقاق لانشغالها بمواضيع عالمية أهمّ، ولأنها حدّدت ماذا تريد في هذه المرحلة في لبنان، وهما أمران: الحدّ الأدنى من الاستقرار، لأنّ الفوضى التي تعمّ المنطقة كافية، وليس هناك مصلحة لإضافة لبنان إلى قائمة الدول التي تشهد فوضى عارمة. الثاني دعم الجيش اللبناني على نحو يفيد في دعم استقرار الحدّ الأدنى.

وترى هذه الأجواء أيضاً، أن إشارة العسيري بالعودة إلى لبنان في مطلع الشهر المقبل قد تكون مقصودة لتؤشر إلى من يعنيه الأمر بأنّ السعودية قرّرت قطع إجازتها السياسية في لبنان، وهي عائدة لتلعب دوراً في إنضاج الاستحقاق الدستوري ضمن مهلته الدستورية، وذلك عبر سفيرها تحديداً، بعدما كان هذا الأخير طوال الفترة الماضية مغلول اليدين لمصلحة إفساح كلّ المجال أمام احتكار الأمير بندر للملف السعودي في كلّ من لبنان وسورية.

تضيف هذه الأجواء أن هذه الإشارة الآنفة أكثر من مهمة، وهي تشي بأنّ العسيري سيعود إلى لبنان في حلة جديدة بخصوص دوره كسفير. وهو لن يكون مجرّد ممثل صوري للسعودية ويتسم بأنّ صلاحياته مصادرة لمصلحة بندر، بل سيكون سفيراً بدور فعّال يشبه دور عبد العزيز الخوجة خلال مرحلة النصف الأول من تسعينات القرن الماضي. بمعنى آخر سفير بدور سياسي داخلي في لبنان.

ثلاثة احتمالات

ماذا ُيتوقع أن يحمل معه العسيري في إطلالته الجديدة؟

… ثلاثة احتمالات، ودائماً بحسب ما يذكر الخبراء عينهم في السياسة السعودية:

الأول، أن يعكس دوره الجديد وجود بداية حوار إيراني ـ سعودي، تتم ترجمته على مستوى الاستحقاق الرئاسي اللبناني. بكلام آخر أن يكون أول ترجمة للقاء السياسي المرتقب بين الرياض وطهران. وهنا سوف يذهب البحث إلى أحد أمرين: إما رئيس صدمة إيجابية لكلّ الواقع اللبناني بغطاء سعودي ـ إيراني، يفضي إلى تركيبة الرؤساء الأقوياء: ميشال عون رئيساً للجمهورية ونبيه بري رئيساً لمجلس النواب وسعد الحريري رئيساً للحكومة.

الثاني، أن يقود العسيري، في ظلّ غياب بدء الحوار السياسي الإيراني ـ السعودي، أو عدم نضوج نتائجه إلى أيّ شيء عملي يمكن المباشرة به، مناورة 14 آذار في الاستحقاق الرئاسي، ولكن ضمن معادلة استكمال أجواء الحدّ الأدنى من الهدنة السياسية التي تعبّر عنها الحكومة الحالية، والحدّ الأدنى من الأمن الذي تعبّر عنه حالياً الخطة الأمنية. وسيكون دور العسيري ضمن هذا الاحتمال عكس أجواء الحدّ الأدنى من الاستقرار السياسي والأمني على الاستحقاق الرئاسي. وفي هذه الحالة سيتمّ البحث عن رئيس جمهورية ماروني يشبه تمام سلام. وربما النائب جنبلاط استبق هذا الاحتمال من خلال ترشيح هنري حلو لرئاسة الجمهورية فالأخير كان كتمّام جزءاً من 14 آذار مع مزايا اعتدال ووسطية. ومثل هذه المعادلة ستقود إلى إجراء الانتخابات الرئاسية في مهلة قد تتعدّى ٢٥ أيار، لأنّ التفاوض في شأنها لن يكون مباشراً بين طهران والرياض وبين حزب الله والمستقبل ولكنها بالتأكيد ستفضي في نهاية سعيها إلى انتقاء رئيس بمواصفات هنري حلو وحكومة جديدة يعود تمام سلام إلى رئاستها مع عدم إغفال ان ينافسه ميقاتي عليها.

الثالث، أن يقود العسيري 14 آذار في معركة الاستحقاق الرئاسي على وقع الوضع في سورية. وهذا احتمال سُيفضي إلى تأجيل الانتخابات لوقت متأخر من الصيف المقبل، وسيظلّ هناك دور بداخله لأن يلعب جعجع دور التحدي لغاية بروز حلّ تسووي في لحظة مناسبة إقليمياً ودولياً. ولكن الاحتمال الأخير سيترك خلاله سؤال أساسي عما إذا كان جعجع مرشحاً فعلياً للسعودية، خصوصاً بعد غياب بندر بن سلطان.

اجتماع القاهرة

يكشف مصدر مطلع على الوضع السعودي أنه خلال الربيع الماضي عقد اجتماع في القاهرة لمجموعة لبنانية مقرّبة من الرياض مع مسؤولين سعوديين محسوبين على ولي العهد الأمير سلمان بن عبد العزيز. وكان موضوع هذا الاجتماع تدارس السياسة السعودية في لبنان. وقد خلص إلى نتيجتين أساسيتين هما:

ـ النتيجة الأولى تفيد أنّ الرياض في ظلّ الوضع الراهن في سورية واليمن والعراق ومصر، لا تعطي لبنان أولوية في سياستها الخارجية، بل تنظر إليه بوصفه ساحة انتظارية للحدث السوري.

وبرأي الرياض فإنها إذا استطاعت حسم الوضع في سورية لصالحها، فإنه يصبح نوعاً من تحصيل الحاصل أن تفرض شروطها في لبنان، ولكن العكس غير صحيح. كما أنّ التجربة تؤكد أنّ حزب الله عصيّ على التطويع ما دام حليفه السوري موجوداً.

ـ النتيجة الثانية تفيد أنه إذا كانت الرياض في هذه المرحلة من انغماسها في الصراع السوري، ليس لديها أي فكرة عما تريده حالياً في لبنان، إلا أنها تعرف شيئاً واحداً وهو أنها ليست مع وصول رئيس جمهورية قوي إلى قصر بعبدا، لأن ذلك سيشاغب على معادلة الطائف التي تعطي الموقع الرئاسي السني الثالث حصة كبيرة داخل معادلة الحكم.

يوسف المصري ـ صحيفة البناء اللبنانية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*