القصة الكاملة لخفايا ترشيح جعجع «الخليجي» ١

jaja - ksa - lebanone

كشفت مصادر مطلعة لـ«البناء» خلفيات على صلة بترشح سمير جعجع لرئاسة الجمهورية. وأفادت ضمن إطار ما اعتبرته القصة الكاملة للوقائع التي مهّدت لهذا الترشح «أنّ الفكرة ولدت أساساً شتاء العام 2013، وقد أسرّ بها أحمد الحريري إلى أصدقاء مقرّبين، حيث أوضح أنه يشيّع في كواليس كلّ من معراب وبيت الوسط وبعض كواليس صناعة القرار في السعودية وتحديداً تلك التابعة للأمير بندر بن سلطان، سيناريو قابلاً لتنفيذه خلال انتخابات رئاسة جمهورية لبنان في العام 2014. وبموجب هذا السيناريو يفترض أن تبادر الرياض مستفيدة من تزامن انتخابات الرئاسة في كلّ من لبنان وسورية، إلى طرح معادلة على الولايات المتحدة في حال استمرّت بعدم جديتها في إسقاط الرئيس بشار الأسد، قوامها: بقاء الأسد رئيساً في سورية مقابل إيصال سمير جعجع إلى الرئاسة في لبنان».

ونقل عن الحريري قوله حينها، إنّ السعودية مصرّة على إسقاط الأسد ولو ضمن معادلة إبقاء نظامه ولكن من دونه. وفي حال ذهبت التطورات باتجاه استحالة إقصائه لأسباب موضوعية أو دولية فإنها ستطالب واشنطن بجائزة ترضية لها في لبنان، تتمثل بمقايضة غض طرفها عن ولاية جديدة للأسد بتسويق جعجع دولياً وإقليمياً رئيساً للبنان.

وبنظر المصادر عينها فإنّ هذه الفكرة تعرّضت لانتكاسات جوهرية خلال الأشهر الماضية أبرزها التحوّلات العسكرية الكبيرة التي حصلت في سورية لمصلحة النظام، بحيث صار الأسد خارج دائرة حلم مقايضة ضعفه. ومنها أيضاً خروج بندر بن سلطان من دائرة القرار في السعودية. على أنّ حلم الإتيان بجعجع رئيساً لا يزال ينبض في معراب، وهو يطالب سعد الحريري بأن يدعمه في ذلك، أقله بنفس الطريقة التي يدعم فيها حزب الله حظوظ الجنرال ميشال عون للوصول إلى بعبدا. فمن وجهة نظر جعجع فإنّ معادلة أن تطلب الرياض جائزة ترضية رئاسية لها في لبنان بمقابل سورية أو أي أمر آخر، لا تزال صالحة لتجريبها، بخاصة أنّ الدوليين حتى هذه اللحظة لم يقاربوا الملف الاستحقاقي بجدية.

تضيف هذه المصادر المواكبة لما يجري داخل بيئة الحريري المرافقة له في تنقلاته بين باريس والرياض، أن ترشيح جعجع باسم 14 آذار خلال الجلسة الانتخابية الأولى التي أجريت أول من أمس، إنما تضمر إعطاء معادلة «الإتيان بجعجع كجائزة ترضية أميركية للسعودية في لبنان»، مساراً لتجريب حظوظه، بخاصة أن البازار الدولي والإقليمي بخصوص الاستحقاق الرئاسي اللبناني لم يفتح بعد بشكل جدي.

وتكشف هذه المصادر عن وجود اتفاق بين الحريري وجعجع على أنه طالما أنّ الوضع الدولي لا يزال في مرحلة عدم حسم خياره تجاه انتقاء الرئيس العتيد، فإنّ سمير جعجع سيظلّ هو مرشح 14 آذار والسعودية، الأمر الذي يضمن له بقاؤه فوق الغربال الدولي. وفي حال ظهر بالملموس أن معادلة إيصاله ليس لها أي حظ خارجي، فإن معراب حينها ستتفهم خروج الحريري من الالتزام بترشيحه بحثاً عن رئيس آخر يناسب المطلوب إقليمياً ودولياً وداخلياً.

وتكشف هذه المصادر أن جلسة أول من أمس كما جرى إخراجها من قبل 14 آذار، كانت تعبيراً عن التزام الحريري بالاستمرار بدعم فرص جعجع للفوز ضمن معادلة إبقاء فرصه مفتوحة من جهة، والعمل من جهة أخرى، لدى الرياض لحضها على محاولة الاستثمار بترشح جعجع دولياً لدى محادثتها بالاستحقاق الرئاسي.

وتلفت المصادر عينها في هذا المجال إلى عدة أسئلة مطروحة بإلحاح في معراب في هذه المرحلة، ويتوقع أن تبقى كذلك حتى نهار الأربعاء المقبل موعد الجلسة الانتخابية الثانية:

السؤال الأول هو استمرار لإشكالية تم طرحها عشية جلسة أول من أمس لانتخاب الرئيس العتيد، وجرى صياغتها على شكل مطالب يريدها جعجع من حليفه الحريري الذي عليه تعريبها في الرياض. وتفيد بأن المطلوب من جلسة الأربعاء الماضي تظهير نتيجتين اثنتين الأولى التزام كامل من تيار المستقبل بالتصويت لجعجع ما يترك انطباعاً لدى الداخل والخارج بأن ترشيحه ليس مناورة وأن السعودية تدعمه. الثانية أن تمارس السعودية ضغطاً مباشراً على شخصيات 14 آذار المسيحية ومن لها مونة عليهم من أجل التصويت لجعجع، ما يوفر له الغطاء المسيحي الذي يفتقده قياساً بما يملكه عون صاحب أكبر كتلة نيابية مسيحية.

وبالفعل فإن السعودية أجرت خلال الأيام الأخيرة اتصالات بشخصيات مسيحية من 14 آذار ومن المستقلين لحسم ترددها أو امتناعها تجاه التصويت لجعجع. وثمة مرجع سياسي مسيحي أكد لجهة وازنة في 8 آذار بأنها تلقت اتصالاً من السعودية بهذا المعنى.

السؤال الثاني الذي استوطن معراب فور انتهاء الجلسة الانتخابية، يتعلق بالبحث القلق عن هوية من أسمـوه بـ«النائب الخائن». فوفقاً للبونتاج المؤكـد الذي توصلت إليه لجنة انتخاب جعجـع، فكان يفترض أن يصوت له على نحو مضمون خمسون نائباً جرى أخذ تأكيدات منهم على ذلك، لكن فرز أصوات صندوقة الاقتراع في جلسة الأربعاء أظهرت أن ما حصده جعجع هو 48 نائباً. وفيما عرف سبب تسرب أحد الصوتين وهو غياب خالد الضاهر عن الجلسة، على رغم أنه كان أكد حضورها، فإن الصوت الآخر ظل مجهولاً.

وبحسب المصادر عينها فإن الحكيم معني بإماطة اللثام عن هوية «النائب الخائن»، لأن كشف اسمه سيؤشر إلى الخلفيات السياسية الكامنة وراء تصرفه خلال الاقتراع على هذا النحو. وما يعزز حشرية جعجع تجاه هذا الموضوع، هو ما يدور في خلده عن إمكانية أن يكون صاحب هذا الصوت هو أحد المستقلين المسيحيين من 14 آذار، وأن هذا الأخير تقصد عدم إعطائه صوته لتطيير رسالة للخارج معاكسة لتلك التي أرادها جعجع حول أن الطيف المسيحي في 14 آذار موحد وراء ترشيحه.

السؤال الثالث المطروح في معراب هو ماذا بعد جلسة أول من أمس: بمعنى آخر هل يستمر تيار المستقبل بدعم ترشيحه ضمن نظرية الدفاع عن فرصته لنيل الرئاسة حتى يثبت بالكامل عقمها دولياً أو بكلام آخر حتى يثبت للسعودية أنها لا تستطيع مقايضته أميركياً بأي أمر آخر. واستدراكاً – وبمكان آخر – هل يستمر طيف 14 آذار المسيحي بمسايرة لعبته، أم أن شخصياته ستعتبر أنها إلى هذا الحد قامت بأكثر من واجباتها نحوه، وعليها منذ اللحظة التالية لانتهاء جلسة أول من أمس، الاهتمام بحظوظهـم في هذا الاستحقاق.

والواقع أن معراب قلقة بخاصة تجاه إمكانية تفاعل هذا الاحتمال الأخير خلال المقبل من الأيام، بخاصة أن الرئيس أمين الجميل أعطى إشارات مبكرة عنه، وذلك عندما قال عشية جلسة الأربعاء إنه «مرشح طبيعي» بمقابل أن «جعجع مرشح معلن»، وترافق هذا الوصف بوضع ورقة باسمه في صندوقة الاقتراع الرئاسي. وهي لغة مشفرة بين حزبي الكتائب والقوات – رغم تبرأ الأول منها علناً – فهمها الرئيس نبيه بري، ورفض طمس معناها وذلك عندما عارض طلب النائب القواتي زهرا اعتبارها ورقة لاغية مصراً على احتسابها صوتاً قائماً «للمرشح الطبيعي» الذي يوجد أتراب له، يحملون نفس الصفة، بين مسيحيي 14 آذار.

السؤال الرابع المطروح في معراب هو عما إذا كان هناك تواطؤ من قبل دوائر مسيحية في 14 آذار مع النائب وليد جنبلاط لجعل حصيلة أصوات جعجع 48 مع هنري الحلو 16 دون الـ 65 نائباً. ما يعني أن جعجع لن يكون له حظ بالفوز حتى لو أمنت له السعودية تأييد النواب الوسطيين الذين يقودهم النائب وليد جنبلاط.

وبحسب هذه المصادر فإن السعودية ليست شديدة الحماسة لدعم وصول جعجع لرئاسة الجمهورية، ولكن كل ما في الأمر أنها معنية بتسجيل اسمه في نادي المرشحين الموارنة للرئاسة. ويعود سبب ذلك لكونها تريد تبييض صورته لدى الرأي العام في الشارع العربي الذي لا يزال ينظر إليه من خلال ذاكرته عنه خلال الحرب الأهلية التي من بين فصولها ارتكابه جريمة اغتيال رئيس الحكومة السني اللبناني رشيد كرامي. وهنا قصة أخرى تراكمت وقائعها في قصتي نظرة الرياض لرئيس الجمهورية في لبنان بعد الطائف، ونظرة السعودية لموقع جعجع داخل المعادلة اللبنانية.

يوسف المصري ـ صحيفة البناء اللبنانية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*