’المسألة الكردية’.. من (كردستان البرزنجي)، إلى (كردستان البارزاني) وعودة كركوك

Iraqi Kurdish President Masoud Barzani casts his vote during Kurds independence referendum in Erbil, Iraq September 25, 2017. REUTERS/Azad Lashkari

 

موقع العهد الإخباري ـ
لؤي توفيق حسن(*)

ذكرني هذا الصخب الكردي المطالب بانفصال كردستان عن الوطن العراقي، بقول للروائي والشاعر جورج سانتايانا: “الذين لا يتذكرون الماضي محكوم عليهم بإعادته”.

فقد يعتقد البعض أنها غير مسبوقة فكرة إقامة دولة كردية، والحقيقة غير هذا، ومن يعرف سيسأل: ترى لو أمكن قيام (كردستان البارزاني) اليوم ما الذي يضمن ان لا تلقى مصير (كردستان البرزنجي) نظيرتها التي اسسها جده محمود البرزنجي عام 1922 تحت اسم “مملكة كردستان” وأُنهِيَت عام 1924. وقبلها اربع محاولات لاقت نفس المصير؛ “جمهورية كردستان” في القوقاز. “جمهورية أرارات” في تركيا. “جمهورية مهاباد” في ايران، ثم أخر المحاولات ما سُميت بـ “جمهورية لاجين الكردية” ؛ ولعل سقوط المحاولات الأنف ذكرها يعود في الجوهر إلى أنها جاءت في حالات ظرفية تسبح عكس التيار في بحر متلاطم الأمواج؛ فالمملكة الكردستانية اسسها محمود البرزنجي في الفترة بين انسحاب العثمانين عام 1918 وبين دخول بريطانيا، وقضى عليها الأخيرين مع تثبيت احتلالهم للعراق. كردستان الحمراء تاسست في اقليم ناغورني كارباخ بين ارمينيا واذربيجان بايعاز من لينين، في مواجهة تمرد اذربيجان وارمينيا ومع عودتهما لطاعة موسكو انهى السوفيات أنفسهم الدولة المذكورة . جمهورية أرارات قامت في مقاطعة كاراكوس شرق تركيا 1927، رداً على خيبة أمال الكرد في معاهدة لوزان الثانية التي رسمت “الحدود القومية لتركيا”، وهذه الأخرى قضى عليها الجيش التركي عام 1930 . جمهورية مهاباد التي قامت شمال غرب ايران وبحماية القوات السوفياتية التي كانت اخذة في التوسع شمال ايران، لم تعمر هذه أكثر من 10 أشهر وانتهى أمرها على يد الجيش الأيراني بعد انسحاب السوفيات منها بفعل اتفاقهم مع الامريكي.. أما أخر المحاولات فكانت جمهورية لوجين عام 1991 وهي مقاطعة في اذربيجان احتلها الجيش الأرميني خلال القتال الذي دار بين البلدين، وارسل لها الشباب الأكراد المقيمين في ارمينيا ثم لم تلبث أشهراً حتى قُضي عليها بدعم تركيا لأذربيجان.

وسيجد المدقق ان ” كردستان العراق” حالياً تتقدم في ذات السياق، على حبل مشدود من حروب جوارها، شاغلةً  دور الجسر للمزيد من الأزمات والخضات في المنطقة بعد أن شارفت الجولة الأولى من “الفوضى البناءة” على التداعي بأدواتها التكفيرية، مسقطةً من يد امريكا الكثير من الأوراق لتبدأ جولة أخرى ستحاول فيها امريكا التعويض عن خسارتها ولكي لا تخرج خالية الوفاض من “الهلال الخصيب”. مرةً أخرى تتحول القضية الكردية إلى أداة .

حلم الدولة

اغمض الكرد اعينهم عن تجاربهم السابقة، وظل هاجسهم حلم الدولة بصرف النظر عن إمكانيات نجاحها ناهيك عن استمرارها. عندما اعلن الملا مصطفى البرزاني عن تمسكه بحق الأكرد في نفط كركوك قافزاً فوق اتفاق آذار/مارس 1970 والذي أبرمه هو وبعد مفاوضات عسيرة مع حكومة بغداد، مع أن الأتفاقية المذكورة لم تقطع بمسألة كركوك مؤجلةً إياها لإحصاء ابناء القوميات المتعددة فيها. تفأل الكثير يوم أبرمت هذه الأتفاقية باعتبارها بداية طيبة متصالحة مع الواقع ومنصفة ،ووجد فيها العديد من الأكراد تجسيداً لأحلامهم القومية، مع ضمانات في مشاركتهم الحكومات العراقية  أن الأتفاقية تلك جسدت حلم الكثير من اكراد العراق بأعطائهم كافة حقوقهم القومية واستعمال اللغة الكردية في المؤسسات التعليمية. مع تقديم ضمانات بمشاركتهم في الحكومة العراقية. إنما كانت ومازالت مشكلة معظم القيادات الكردية عدم النضج الكافي، وبما جعلهم يعيرون أذاناً صاغية للخارج! . وهذا أوجد حالةً مستعصية من عدم الثقة المتبادلة مع بغداد، وعليه أًسقط اتفاق 1970 على جزئية مفتعلة؛ وبصمات ايران الشاه غير خافية خلفها!؛ ونحن هنا لانبرر بالتأكيد لصدام مسلسل سفك الدماء والمأسي فيما بعد التي ارتكبها بحق الأكراد وأفظعها ما عرف بـ (حملة الأنفال). لكن حتى لا تكون هذه الحالة من عدم الثقة بين الطرفين معلقة على مشجب صدام حسين وحده، لا بد من الإشارة إلى ان مصطفى البرزاني قد أدخل أنصاره في صدامات مع معظم الحكومات العراقية وفي جميع العهود حتى مع نظام الرئيس عبد الرحمن عارف، وهو الأكثر هدوءً وتفهما في التعامل مع التحديات الداخلية، وبالأخص المسألة الكردية، وقد تعامل معها بكثير من الأنفتاح، عبر عنه باصداره للقرار 29 لعام 1966، معترفاً بالحقوق السياسية والقومية والثقافية، وهو ما حظي يومها بتأيد جميع العراقين والأكراد منهم بالأخص، وتأيد الرئيس عبد الناصر وقد عرج عليه في إحدى خطبه بقوله: ” كنا ننادي دوماً بحل سلمي بين ابناء العراق الواحد وقد استطاعت حكومة العراق ان تصل الى اتفاق ينهي الثورة وهذا عمل تشكر عليه”؛ لاحظوا عبارة “الثورة” من زعيم العروبة أئنذاك ،والتي  تعكس رؤية عروبية اخلاقية للمسألة الكردية. تجدر الإشارة هنا إلى أن الشاه أغرى البارزاني بعدم السير في مبادرة عارف ما حدا به لرفضها، وهذا بدوره تسبب في انقسام الحزب الديمقراطي الكردستاني وكان أبرز المنشقين جلال الطالباني وأحمد إبراهيم اللذين اتفقا بعد ذلك مع الرئيس عبد الرحمن عارف على المشاركة مع الجيش العراقي في قتال قوات مصطفى البارزاني. مما أجبر الأخير على الهرب إلى طهران والإقامة فيها.

ماذا بقي من اوراق !

لقد اسس البارزاني الأب لسياسة المراهنة على الخارج ما جعل المسألة الكردية اسيرة لعبة الأمم ، فقد اغراه الشاه لنقض اتفاق 1970 ليعود ويتخلى عنه باتفاق الجزائر عام 1975. وشجعه من قبل على عدم السير بمبادرة عبد الرحمن عارف حليف عبد الناصر على خلفية الأشتباك مع الأخير في إطار “الحلف الأسلامي” الذي ضم تركيا والسعودية وأيران والأردن . وإذا كنا لانعفي الجانب العربي من جانب من المسؤلية في مراحل محددة ، فإن طرح المظلومية القومية من الجانب الكردي تبريراً للأنفصال ينبغي ان يكون بحكم الساقط لو صدقت النوايا. وبهذا نستشهد بسامان كريم احد الأقلام الكردية الحرة حيث قال في أخر مقالاته: “بعد سقوط النظام البعثي في العراق لم يبق شيء من الظلم والأضطهاد القومي”. ليضيف ليس هناك احد في اقليم كردستان يشكو من الظلم القومي، بل هناك من يتحدث في كركوك واطراف الموصل من الناطقين باللغات الأخرى عن اضطهاد قوات البشمركه”!.

يقول مسعود البارزاني في مقابلته مع الواشنطن بوست : إن إعلان توقيت وطريقة استقلالنا بعد الأستفتاء سيكون بعد تفاوضات ومشاورات مع بغداد والدول الجارة والمجتمع الدولي..  وسنكون عمليين مع بغداد” . وهنا يبرز السؤال ما قيمة الأستفتاء بهذه الحالة، إذ كان الأمر مرهونا بكل هؤلاء، ومعظمهم كما يعلم البارزاني سلفاً بانهم سيرفضون قيام دولة كردية على حدوده . لكن الأن على المذكور ان يطرح على نفسه السؤال:

ماذا بقي من اوراق بيده يفاوض بها بعد سقوط كركوك خزان النفط الذي تعتاش منه “كردستان” !.

كما وأن طريقة سقوطها بتسهيلات بيشمركة أخرى تمثل شريحة كردية وازنه يدل على ان خطوة الرئيس البارزاني لاتحظى باجماع كردي كما حاول ان يبرزه في الأستفتاء !. وأن نتائج الأستفتاء مزورة حتماً. ولا جديد فيه فالصراعات الكردية ـ الكردية قائمة منذ زمن بعيد؛ من هنا يطمح البرزاني في حركته السياسية إلى حسم الصراعات الداخلية لصالحه وبدعم امريكي ـ اسرائيلي ، مقابل وظيفة جيوسترتيجية للأقليم تشكل فكاً يطبق على “الهلال الخصيب” يلاقي الفك الأسرائلي جنوباً. هذا هو الممكن امريكيا، بل هذا هو المتبقي لها !، بعد ان خسرت مواقعها في الشرق الأوسط، تركيا تبتعد عنها على تناقض جذري، مصر تميل نحو سوريا وتقترب من موسكو، أما دول الخليج فهي مستنزفة بحروبها الخارجية وصراعاتها الداخلية .. لم يبقى لأمريكا على الأقل حتى الأن سوى “اسرائيل”، والأمل الموعود في “كردستان” وقد تصبح بعد سقوط ابار كركوك عالة عليها!!!
(*) كاتب لبناني

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*