النظام العالمي الجديد: منطق “المعادلات الصفرية” يسود العلاقات الدولية

china_us_russia

موقع إنباء الإخباري ـ
محمد حسين سبيتي:
يشهد القرن الجديد عدداً من التحولات التي شهدها العالم في السابق. وليس بالجديد أن يعود التاريخ إلى الوراء ليذكّرنا بمعادلات كانت في حقبة زمنية أرست نظاماً دولياً اتفقت عليه الدول القوية.
ولعل ما يتنظره العالم في القرن الواحد والعشرين وما يليه نسخاً مختلفة عن معادلات الماضي، واتفاقات متشعبة بين دول كانت أسطورة وعادت لتبدو أسطورة تتربع على عرش النظام الدولي متبنية أطروحات ومفاهيم استبعدتها معاهدة وستفاليا (1648) وغيرها من المعاهدات التي اتفقت عليها الدول آنذاك.
الحديث هنا لا يبدو مألوفاً اذا استغرقنا في العموميات، وعليه فان القضية التي يتمحور الحديث عنها هو الإشكالية التي تبحث التوازن الدولي الجديد ـ وهو قيد التشكيل ـ في ظل صعود دول وهبوط دول أخرى. ويرقى البحث في سلم الحديث عن شكل التحالفات الحديثة، ليخرج بنتيجة عن صيغ افتراضية لشكل النظام الدولي الذي ـ وفي أغلب الظن ـ هو في طور التشكيل.
وبشكل انسيابي يقودنا البحث للوقوف عند بعض التطورات التي يشهدها النظام الدولي حالياً، والتي تعكس بصورة جلية ـ وعلى مدى فترة زمنية قصيرة ـ تحولات المجتمع الدولي وتغير مساراته.
أولى هذه الصور الظاهرية، والتي تتضمن أشكالاً خفية في الباطن، هي تراجع صندوق النقد الدولي في السنوات العشر الاخيرة بدرجة لا يستهان بها مع تقلص دوره في إقراض الأموال. وفي الواقع، فقد ضخّت صنايق الثروة السيادية رؤوس أموال في الأسواق الناشئة في السنوات الاخيرة تفوق ما ضخّه صندوق النقد الدولي والبنك الدولي مجتمعين.
وفيما تتوسع قوة الصين المالية، ستتزايد قدرتها على منح القروض والمساعدات بدرجة هائلة، كما شهدنا في حالة أفريقيا، حيث تزيد القروض الصينية بالفعل على قروض البنك الدولي. وبمرور الوقت، فقد تؤدي مساعدات وقروض الصين إلى تقزيم تلك التي يمنحها البنك الدولي على مستوى العالم أيضاً.
وفي تلك الاثناء، فقد بدأت منظمة التجارة العالمية تفقد بعضاً من أهميتها مع نمو شعبية الاتفاقات التجارية الثنائية التي تعقدها الصين والهند منذ عام 2000. وعلى سبيل المثال ايضاً، تخطت عملية تحرير التجارة في شرق آسيا، بكثير منظمة التجارة العالمية، فيما مضت تلعب دوراً مهماً من خلال عقد الاتفاقيات الثنائية.
أيضاً، تعتبر مجموعة الثمانية (G8) مجازاً للاسلوب التي تتراجع به أهمية النظام الدولي، اذ أن الصين، مثلا وحتى عام 2011، لم تكن قد أصبحت عضواً فيها، ومن ثم فالمجموعة لا تمثل الاقتصاد الكوكبي، أي أنها لا تتصف بالشرعية، مما حدا بالنظام الدولي حينما واجه احتمال حدوث أسوأ ركود منذ عام 1945 إلى دعوة مجموعة العشرين (G20) للاجتماع، وهي كيان كان قد ظل مغموراً، ويضم الى جانب الدول الغنية، الصين والهند والبرازيل وجنوب افريقيا وأندونيسيا وغيرها من الدول النامية. كان هذه بمثابة اعتراف جاء متأخراً بأن عالم الاثرياء لم يعد يملك قدرة كافية للتصرف وحده، وأنه ثمة حاجة لوجود البلدان النامية الكبيرة من أجل أن تصبح الإجراءات المقترحة فاعلة.
وقد قدم المحلل الاقتصادي الشهير، جيديون رخمان، في كتابه الصادر حديثا “عالم المعادلة الصفرية” رؤية مفادها أن النظام العالمي قد دخل بعد الأزمة المالية مرحلة تتسم بالتغير الجوهري وعدم الاستقرار الخطير. فبعد أن اعتمدت الدول الكبري لمدة ثلاثين عاماً “العولمة”، بوصفها نظاماً اقتصادياً نجح في رفع مستويات المعيشة لأعداد كبيرة من البشر في مختلف أنحاء العالم، وخلق مناخاً من التعاون والمصالح المشتركة بينها، مما دعم استقرار النظام العالمي، جاءت الأزمة العالمية لتضع حداً لكل ذلك. فلم يعد من المسلم به أن عملية العولمة تصب في مصالح القوى الكبرى، ولم تعد الولايات المتحدة تقود النظام العالمي بلا منافس (1). لقد حلّ التنافس والنزاع محل التعاون، وأصبح منطق “المعادلات الصفرية” هو الذي يسود العلاقات الدولية. كما أصبح الصعود الآسيوي مرتبطاً بفقدان أعداد كبيرة من الأمريكيين العاديين لوظائفهم، وأصبحت المشاكل الاقتصادية التي تواجه دولاً أوروبية عديدة تهدد الوحدة الأوروبية والعملة الأوروبية. وبذلك، فإن التقدم الذي أحرزته آسيا كان على حساب الولايات المتحدة وأوروبا، وأصبح صعود الصين الاقتصادي يضغط بشكل واضح على علاقاتها إقليمياً ودولياً مع الولايات المتحدة.
وبحسب منطق نظرية تحول القوة (Power Transition) فإن القوى الإقليمية الصاعدة، والقوى العالمية التي في طريقها للإنحسار، قد تندلع بينهما مواجهات في المناطق الجغرافية الاستراتيجية التي تتقابل وتتقاطع فيها مصالحها. ولذلك، فإن آسيا، خاصة منطقة شرق آسيا، مرشحة بقوة لتكون مسرحاً لمواجهة محتملة بين الولايات المتحدة والصين (2). وهي مواجهة ليست في مصلحة أي من الطرفين، ولا ترغب فيها أو تسعى إليها الصين. ولأن عبء التعامل مع مراحل التحول التاريخي يقع بشكل أكبر على القوة المهيمنة، وهي في هذه الحالة الولايات المتحدة، فإن حدوث مثل هذه المواجهة يشكل هاجساً بالنسبة للعديد من خبراء السياسة الخارجية الأمريكية، الذين لا يرون أن الصراع بين الولايات المتحدة والصين يصب في مصلحة الأولى. وقد أشارت سوزان شيرك في كتابها “الصين قوة عالمية هشة” (3) إلى هذه القضية وإلى  وكيفية تفادي الولايات المتحدة لمثل هذا الصدام. حذرت شيرك من أن هناك وجهين للسياسة الخارجية الصينية: الوجه المتعقل المسؤول الذي يسعى لتفادي الصدام، ووجه آخر أكثر انفلاتاً وعصبية، و”عاطفية”، يظهر عندما تندلع أزمة تتعلق بقضايا حساسة مثل اليابان أو تايوان، حيث يشعر القادة الصينيون بأن عليهم إظهار قوتهم والدفاع عن كرامتهم الوطنية وكرامة شعوبهم. في مثل هذه الحالات، قد يتخلى القادة الصينيون عن حذرهم، ويتصرفون بطريقة غير محسوبة تزيد الأزمات اشتعالاً، ولذلك يجب على المسؤولين الأمريكيين ـ برأي شيرك ـ  تفادي إثارة مثل هذه المشاعر.

 

يبدو المسرح في شرق آسيا معداً في ظل هذه الظروف لمواجهة مباشرة أو غير مباشرة بين الولايات المتحدة أو أحد “حلفائها” الإقليميين وبين الصين

وفي الواقع، يبدو المسرح في شرق آسيا معداً في ظل هذه الظروف لمواجهة مباشرة أو غير مباشرة بين الولايات المتحدة أو أحد “حلفائها” الإقليميين وبين الصين. الصين من جانبها تعمل جاهدة على احتواء خلافاتها الإقليمية، وتدعيم علاقاتها الاقتصادية مع جيرانها، تحقيقاً لسياسة “الصعود السلمي”. ولكن مسار الأمور لا تحكمه السياسات الصينية وحدها، بل أيضاً تصرفات منافسيها من الدول الآسيوية، والمحاولات الأمريكية لحشد الدعم الإقليمي ضد الصين والضغط عليها لتحقيق أهداف أمريكية إقتصادية واستراتيجية.
وفي هذا الصدد، تجدر الإشارة إلى مقال حديث كتبه المؤرخ المشهور بول كيندي (4)، يشير فيه إلى ضرورة إعادة النظر في المعاني السلبية التي تستدعيها سياسة “الاسترضاء”، (Appeasement)، والتي اكتسبت شهرتها من ملابسات محاولة القوى الأوروبية تفادي الدخول في حرب مع ألمانيا بقيادة هتلر في القرن الماضي، عن طريق تقديم تنازلات أو إرضاءات له. وذكر كيندي أن هذه الفكرة لم تكن دائماً تحمل دلالات سلبية، فقد قدمت الإمبراطورية البريطانية في القرن التاسع عشر “استرضاءات” أو تنازلات للولايات المتحدة نفسها، مثل تنازلها عن حقوقها في ملكية 50% من قناة بنما، وتنازلات بشأن ترسيم  الحدود بين ألاسكا وكندا، وذلك رغم أنها كانت لا تزال القوة البحرية الأولى عالمياً. ومهّدت هذه التنازلات فيما بعد لتحول سلمي للقوة من بريطانيا إلى الولايات المتحدة، كما وضع أساس علاقة قوية سمحت للولايات المتحدة بمناصرة بريطانيا في حربين عالميتين في القرن العشرين.
على المستوى الاقتصادي، صرح رئيس البنك المركزي الأمريكي بن برنانكي، في محاضرة مهمة في تشرين الثاني/ نوفمبر 2010، بأن مجمل إنتاج الاقتصادات الصاعدة، في الربع الثاني من عام 2010، قد زاد بنسبة 41% عما كان في بداية عام 2005، وقد بلغت الزيادة نسبة 70% في الصين، ونحو 55% في الهند. أما في الاقتصادات المتقدمة، فقد كانت الزيادة لا تتجاوز 5%، وأضاف أن “الاقتصادات الصاعدة تجاوزت الأزمة الاقتصادية بسهولة، ولكن آثارها كانت كارثية على الدول المتقدمة “. (5)
كما اضطرت الدول الغربية، تحت ضغط مشكلة الديون، إلى تقليص حجم قواتها العسكرية وإنفاقها على التسلح، بينما اتجهت الدول الصاعدة، خاصة في آسيا والشرق الأوسط، إلى استخدام قوتها الاقتصادية في تدعيم قدراتها العسكرية، عن طريق صفقات تسلح ضخمة. ويشير تقرير المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية لعام 2011 إلى أنه أصبح من الواضح أن الولايات المتحدة والقوى الغربية الأخرى في طريقها لأن تفقد احتكارها لأنواع مهمة من تكنولوجيا الدفاع لصالح هذه الدول الصاعدة. كما أن الصين  بصفة خاصة  تتجه باطراد إلى عبور الفجوة في مجال التكنولوجيا العسكرية مع الغرب. (6)

لقد أصبح التكامل الاقتصادي، الذي هو قلب المشروع الأوروبي وسبب قوته، في خطر نتيجة للواقع السياسي والاقتصادي الجديد في القارة

وفي الاطار ذاته، يواجه مشروع الاتحاد الأوروبي حالياً أزمة اقتصادية  سياسية متداخلة وحادة، قد تكون لها تداعيات بعيدة المدى على مستقبل القارة ودورها العالمي. وقد قدّم وزير الخارجية البريطاني السابق (2007-2010) ديفيد ميليباند، تحليلاً يقارن فيه بين المشاكل الهيكلية التي يواجهها المشروع الأوروبي، ومشاكل النظام العالمي (7) ، حيث اعتبر أن هناك عدم توازن داخل أوروبا بين دول “القلب” القوية ودول “الأطراف” التي تعاني أزمات مالية حادة، يتوازى مع عدم التوازن الدولي الذي تمثله الفوائض الصينية الكبيرة والعجز الأمريكي غير المسبوق. وكما أن هناك غياباً للقيادة السياسية على المستوى الدولي”G Zero” فهناك غياب للقيادة الاقتصادية على مستوى النظام الأوروبي”E Zero”. لقد أصبح التكامل الاقتصادي، الذي هو قلب المشروع الأوروبي وسبب قوته، في خطر نتيجة للواقع السياسي والاقتصادي الجديد في القارة.
تشكل هذه التحولات في القوة الاقتصادية والعسكرية، وما يصاحبها من نفوذ سياسي على الساحة الدولية، ما وصفه الرئيس الأميركي باراك أوباما بـ “الواقع العالمي الجديد”، الذي أصبح يهدد قواعد وأسس النظام الدولي الذي تشكل بعد نهاية الحرب الباردة. وقد وصف أستاذ التاريخ، نيل فيرجسون، هذا الواقع الجديد، في محاضرة ألقاها مؤخراً، بأنه نهاية لعصر من السيطرة والصعود الغربي، في مقابل أكبر وأسرع ثورة صناعية شهدها العالم تجري على أرض الصين، والتي من المقرر أن تتجاوز الولايات المتحدة كأكبر اقتصاد في العالم في المستقبل القريب. لقد كان من المتوقع أن تصل الصين إلى المركز الأول بحلول عام 2040، ثم تمت إعادة النظر في هذا التقدير، نظراً لسرعة الصعود الصيني، وأصبح التاريخ المقدر هو 2027 (وفقا لتنبؤات جولدمان ساكس) والآن، تشير بعض الدراسات إلى أن ذلك قد يحدث خلال السنوات العشر القادمة. (8)

 

العالم على أعتاب نظام عالمي جديد تماماً، بما يعنيه ذلك من طرق جديدة للتفاعل بين الدول على المستويين الاقتصادي والسياسي. ويكمن الخطر في أن نطاق التغيير ممتد بشكل شديد الاتساع، مما يجعل من إدارته مهمة عسيرة

دفعت هذه التغيرات الضخمة والسريعة العديد من المحللين لمناقشة تداعياتها المنتظرة على تماسك النظام الدولي. وقد وضع تقرير مجموعة أوراسيا عن أهم المخاطر التي ستواجه العالم في 2011، التغير في النظام العالمي نفسه على رأس القائمة. يشير التقرير إلى أن العالم على أعتاب نظام عالمي جديد تماماً، بما يعنيه ذلك من طرق جديدة للتفاعل بين الدول على المستويين الاقتصادي والسياسي. ويكمن الخطر في أن نطاق التغيير ممتد بشكل شديد الاتساع، مما يجعل من إدارته مهمة عسيرة. (9)
وللاستفاضة في هذا الموضوع، وللنظر في مستقبل النظام الدولي، نذكر أهم سيناريوهات المستقبل، وهما سيناريوهان، وعلى ما يبدو أن الاقتصاد العالمي مستقبلاً سيمر بأحدهما. السيناريو الأول، يجري البحث به تحت عنوان “الحرب الباردة الاقتصادية القادمة”، وفيه تتجه الولايات المتحدة لرفض التكيف مع المشهد العالمي الجديد، والقبول بانحسار دورها في الاقتصاد العالمي، وتلجأ لسياسات لن تكون مقبولة لدى الدول النامية. ونتيجة لذلك، تنشأ العديد من التوترات بين كتلة العالم المتقدم بقيادة الولايات المتحدة من ناحية، وكتلة الدول النامية بقيادة الصين من ناحية أخرى، ما يؤدي لأشكال مختلفة من السياسات الحمائية، والموانع الحدودية، الأمر الذي يعيق فكرة التدفق غير المقيد للأشخاص والسلع ورأس المال. ومع وصول التوترات إلى نقطة حرجة واندلاع حرب باردة اقتصادية، سيكون المستهلك هو الخاسر الأكبر، مع ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة وغيرها من السلع الحيوية. (10)
أما السيناريو الاخر، والذي ترتبط به أحداث العولمة ومتعلقاتها، فيقع تحت عنوان “الميلاد الجديد للعولمة”، وعلى أساس ذلك، تصل دول العالم المختلفة عبره لتفاهم فيما بينها، وتتجه نحو التعاون، بحيث تصبح مجموعة العشرين الحاكم للاقتصاد العالمي، وتقبل الولايات المتحدة وأوروبا بانحسار دورهما، ويصبح للدول النامية الرئيسة دوراً حقيقياً كفاعلين على الساحة العالمية. وعند هذه النقطة، يُطرح السؤال التالي حول مدى قدرة الدول النامية على لعب دور في قيادة العالم، وهل ستقبل أن تكون مصالحها الوطنية تابعة للصالح العام العالمي؟.

 

عصر الأحادية القطبية قد ولّى إلى غير رجعة، كما يستبعد أن يعود العالم إلى حالة من الثنائية القطبية

في مقاله “الحركة نحو عالم ما بعد الغرب”، يلقي سيمون سيرفاتي، أستاذ العلاقات الدولية، نظرة شاملة على اللاعبين الرئيسيين في عالم ما بعد الغرب والعلاقة بينهم (11) . يقرر الكاتب في البداية أن عصر الأحادية القطبية قد ولّى إلى غير رجعة، كما يستبعد أن يعود العالم إلى حالة من الثنائية القطبية. ويشير الى أنه رغم تراجع القوة الأمريكية، فإنه ليست هناك أي قوة دولية أخرى قادرة على فرض الهيمنة عليها، أو حتى الوصول إلى موقع الندية معها.
الواقع العالمي الجديد إذن يتسم “باللاقطبية”، حيث تتعدد فيه القوى الصاعدة بشكل غير مسبوق، بالإضافة إلى العديد من الدول التي، وإن كانت أقل حجماً، فإنها تكتسب، لأسباب مختلفة، نفوذاً متصاعداً على الساحة الدولية. لذلك هناك حاجة ملحّة لصياغة هيكل جديد للنظام العالمي، حتى يمكن استيعاب هذا العدد الكبير من الفاعلين المنتشرين بشكل غير مسبوق في جميع أنحاء العالم. فلقد كانت التجارب التاريخية الغربية السابقة في إعادة تشكيل النظام الدولي تتم عادة من خلال إعادة تدوير الصياغات القديمة المتعلقة بتوازن القوى ومصلحة الدولة، بدلاً من إنشاء صياغات جديدة، ولكن مثل هذه المقاربة لن تصلح في عالم القرن الحادي والعشرين.
إن غياب أي شكل من أشكال القيادة في عالم متعدد القوى يوجد مناخاً من الفوضى، وربما يكون محفوفاً بالمخاطر. فهناك مصالح متشابكة قد تدعم التعاون فيما بين الأقطاب المتعددة، لكن اختلاف الرؤى والمناهج فيما بين هذه الأقطاب يجعل الخريطة الجيوسياسية حافلة بالتناقضات وعدم الوضوح. وسوف تصبح عملية اختيار الحلفاء والأصدقاء، وردع الخصوم، وتفادي النزاعات، في ظل هذا الوضع العالمي الجديد، شديدة الصعوبة.
ما ذكرناه أعلاه، يدفع بنا إلى الاستشهاد بما كتبه أستاذ الدراسات الأوروبية بجامعة أوكسفورد، تيموثي جارتون آش، في مقاله “فوضى عالمية جديدة”، الذي يطرح فيه رؤية لتداعيات الأزمة المالية العالمية على النظام الدولي (12). وفي رأيه، أنه بالرغم من أن هذه الأزمة لم تؤدّ إلى الانهيار التام للرأسمالية الليبرالية الديمقراطية، فإنها في المقابل لم تدفع إلى عملية إصلاح شاملة، كما كان الأمل معقوداً. وبينما تواصل الرأسمالية الغربية مسيرتها، مثقلة بالجراح والديون والقلاقل الاجتماعية، فقد ظهرت على الساحة أنماط مختلفة من الرأسمالية: صينية، وهندية، وروسية، وبرازيلية، تحقق نجاحاً ملحوظاً، وتحوّل ديناميكيتها الاقتصادية بشكل سريع إلى قوة ونفوذ على الصعيد السياسي.
نحن إذن لم نعد أمام عالم متوافق حول نموذج اقتصادي واحد، وهو الرأسمالية الليبرالية الديمقراطية. بل نحن في عالم “بلا أقطاب”، تتعدد فيه الأشكال والنماذج الاقتصادية، التي كثيراً ما تكون غير ليبرالية. من هنا، لا يبدو مستبعداً القول أننا لسنا بصدد نظام عالمي جديد، بل فوضي عالمية، وعالم منقسم، ساخن، من المنتظر أن تندلع فيه نزاعات متعددة في المستقبل القريب.

 

لقد أوجدت الشعوب خارج الغرب نماذج جديدة تمزج ما بين ديناميكية اقتصاد السوق وحكم الحزب الواحد أو العائلة الواحدة

لقد أوجدت الشعوب خارج الغرب نماذج جديدة تمزج ما بين ديناميكية اقتصاد السوق وحكم الحزب الواحد أو العائلة الواحدة. وقد تكون ملكية الشركات الكبرى في هذه النماذج للدولة وحدها، أو مشتركة بين الدولة وأطراف أخرى. كما أنه من الشائع أن ينتشر الفساد بشكل واسع في هذه النظم، وأن تتم الاستهانة بتطبيق حكم القانون.
إن أحد الملامح الرئيسة للواقع العالمي الجديد هو انتشار قيم ومعايير متعددة ومتباينة على الصعيد العالمي في الوقت نفسه. وربما يكون الزعماء السياسيون الحاليون أكثر سعادة في عالم يدير فيه كل من الأمريكيين والصينيين والأوروبيين شؤونهم، وفق معاييرهم وقيمهم الخاصة داخل حدودهم. وربما يسعون – وهنا تكون المشكلة – إلى نشر هذه القيم والمعايير في المناطق المجاورة التي يعدّونها مناطق نفوذ. لكن في مقابل ذلك، يرى المحلل الصيني للعلاقات الدولية، يان زيوتونج، بأن القوى الصاعدة عادة ما تأتي بالقيم السائدة فيها إلى “المائدة الدولية”، حيث تسعى لنشرها، كيفما استطاعت. ولتحديد تصاعد نفوذ هذه النماذج الجديدة، علينا أن نتساءل عما إذا كانت الصين أو روسيا، أو الهند أو البرازيل، أكثر أم أقل استعداداً اليوم لتقبّل مفاهيم غربية عما كانت عليه منذ عشر سنوات، والجواب غير مضمر فهي بالتأكيد أقل استعداداً. كما أن دول الجنوب بلا شك أكثر اهتماماً بالأفكار والمفاهيم الصينية عمّا كانت عليه منذ عشر سنوات.

 

سوف يكون هناك احترام شديد لمبادئ السيادة وعدم التدخل. وسوف يكون على العالم أن يحدّد بشكل دقيق القضايا التي يجب أن تأخذ الأولوية للاتفاق عليها

وفي مثل هذا العالم، فإن الاتفاق الدولي على قواعد التعامل لن يتعدّى الحد الأدنى من القوانين اللازمة لتنظيم الحركة الدولية، مثل تلك المتعلقة بالتجارة أو الطيران. وسوف يكون هناك احترام شديد لمبادئ السيادة وعدم التدخل. وسوف يكون على العالم أن يحدّد بشكل دقيق القضايا التي يجب أن تأخذ الأولوية للاتفاق عليها.
يصف تقرير مجموعة أوراسيا هذا الواقع الجديد بـ”G-Zero”، وفيه تنحي القوى الدولية الرئيسة جانباً طموحاتها في قيادة العالم، سواء منفردة أو مجتمعة، وتنشغل بشكل أساسي بقضاياها الداخلية، وهو وضع غريب وجديد على المستوى الدولي (13)، وقد انعكس هذا “الواقع الجديد” في تدهور فعالية المنتديات والمؤسسات الدولية. وبعد أن كانت الآمال معقودة على أن تتولى مجموعة العشرين قيادة الاقتصاد العالمي، ثبت أن تعاونها كان قصير المدى. ففي أواخر عام 2010، اندلعت الخلافات بين الدول أعضاء المجموعة، منذرة باشتعال حرب عملات، وبعودة الإجراءات الاقتصادية الحمائية التي سادت في الثلاثينيات من القرن الماضي.
فالحقيقة تدل على أن التعارض بين استراتيجيات الاقتصادات العالمية الكبري أصبح واضحاً للعيان. ويتوقع التقرير أن يتواصل انهيار المؤسسات الدولية خلال الاعوام المقبلة، نظراً لاتساع الفجوة بين مصالح الدول المتقدمة، والدول النامية من ناحية، واستمرار انشغال وانقسام الدول الغربية واليابان فيما بينها حول أفضل السبل لمعالجة تداعيات الأزمة الاقتصادية من ناحية أخرى.
لذلك، من المنتظر أن يأخذ الاقتصاد الأولوية عن السياسة في المرحلة القادمة. وفي عالم بلا قيادة، فمن المنتظر أيضاً أن تندلع النزاعات بين الدول بشكل واسع.

هوامش:
(1) Gideon Rachman, Zero-Sum World, Politics, Power and Prosperity after the Crash, London, Atlantic Books, 2010, pp. 2.
(2)  Parag Khanna, A second tour through the second world, World Politics Review, Octosber, 2010.
(3)  Susan L. Shirk, China Fragile Superpower, Oxford, Oxford University Press, 2007, p. 257.
(4) Paul Kennedy, A Time to Appease, January 28, 2010.
Available At:  http://nationalinterest.org/article/a-time-to-appease-3539?page=show.
(5) Martin Wolf, In the grip of a great convergence, Financial Times, January , 4,2011.
(6)  The Military Balance 2011،Executive Summary،The International Institute for Strategic Studies
Available at www.iiss.org/Publications/military-balance/the military balance-2011.
(7)  David Miliband،”Europe between America and China”،Transcript of speech delivered at the 4th Polish-British Roundtable،held in Krakow،Poland،May 12،2011.
Available at www.Chathamhouse.org.uk.
(8)   Niall Ferguson, “The West and the Rest: The Changing Global Balance of Power in Historical Perspective”, Transcript of lecture given at Chatham House, May 9- 2011.
 Available at www.chathamhouse.org.uk.
(9)  Ian Bremmer and David Gordon, “Top Risks 2011”, The Eurasia group.
 Available at http://eurasiagroup.net/pages/toprisks.
(10)  Joseph P. Quinlan, The Last Economic Superpower: The Retreat of Globalization, The End Of American Dominance, And What We Can Do About It, New York: McGraw-Hill،2011.
(11)  Simon Serfaty،  “Moving into a Post Western World”،The Washington Quarterly،spring 2011.
Available at www.twq.com/11spring/index.cfm?id=427.
(12)  Henry A. Kissinger،”Power Shifts”،Survival،vol.52 no6،December 2010-January 2011. Modified version of Kissinger, s Keynote Address at the 8th IISS Global Strategic. Review Geneva،September 10th،2010.
Available at http://dx.doi.org/10.1080/00396338.2010.540792.
(13)  Ian Bremmer and David Gordon،”Top Risks 2011″،The Eurasia group. Available at http://eurasiagroup.net/pages/toprisks.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*