النفط … في دولة الشفط

oil-sea

موقع إنباء الإخباري ـ
حسن ديب:
نعمة من الله ، أن تختزن الأرض في جوفها ثروات طبيعية وخيرات نفطية من شأنها النهوض بالإقتصاد القومي للبلاد، وإنعاش أحوال العباد .
ونعمة من الله أيضاً، أن تكون الدولة، بمصادر سلطاتها التشريعية والتنفيذية وعلى رأسها الرئاسة الأولى، متراصة، منسجمة، متفاعلة في ما بينها، قائمة على أساس وطني ينبع من حرصها على الوطن والمواطن، متخذة لنفسها شعاراً واحداً، وهو مصلحة الوطن فوق كل مصلحة.
ولكن في لبنان…
وفقط في لبنان، تنقلب النعمة الى نقمة…
فهي نقمة علينا، أن تختزن أرضنا، أو مياهنا الإقليمية، ثروات طبيعية، كالنفط والغاز أو غيرها من الثروات التي يمكن أن تشكل لنا بصيص أمل في رسم صورة مستقبلية جميلة لوطنٍ عانى ما عاناه ولا زال، من جراء ما أورثته دولته من دينٍ عام وبؤسٍ ومعاناة.
هي نقمة فعلاً. ليست كذلك لأن المواطن في بلادنا خمول لا يستحق الحياة، بل هي كذلك لأن ساستنا قد احترفوا فن الإبتعاد عن مصلحة الوطن، وامتهنوا إغراق المواطن في بحر من الهموم لا حول له بها ولا قوة.
هي نعمة تحولت الى نقمة، شأنها شأن سائر المقومات التي قد تجعل من حالنا حالاً أفضل لو تم تأطيرها بشكل بعيد عن السياسة ومطامع السياسيين الشخصية. هي نعمة تحولت إلى نقمة بعد أن اتخذت دولتنا شعاراً مفاده أن ما للدولة هو للدولة، وما للوطن والمواطن هو للدولة أيضاً…
من المتعارف عليه في جميع دول العالم، أنه وفي حال ظهور ثروات طبيعية، تقوم الدولة (وهنا نتحدث عن الدولة بمفهومها الحقيقي) بالعمل وفق ثلاث مراحل:
أولاً: التأكد من وجود المادة موضوع البحث ومكانها وطريقة استخراجها وحجم الإستفادة منها بالتناسب مع كلفة الاستخراج والكمية المستخرجة أو الموجودة.
ثانياً: استدراج العروض من الشركات المختصة بهكذا أعمال، واختيار الأنسب منها من حيث التكلفة والضمانة وسرعة التنفيذ.
ثالثاً: استخراج المادة موضوع البحث، واستثمارها في المصلحة الاقتصادية المرجوة.
نعود ونقول إن هذه المراحل هي المراحل التي تتبعها الدولة في أي مكان في العالم… إلا لبنان.
لماذا إلا لبنان، لأنه لطالما تميز لبنان (على اختلاف الحكومات التي توارثت السلطة منذ الاستقلال وحتى يومنا هذا) بحركة سياسية تعمل على شفط خيرات الوطن وضخها في جيوب السياسيين، لا لشيء، بل لأن دولتنا تخشى من أن يصل المال إلى يد المواطن فيصرفه بغير ترتيب أو تدبير (فالمواطن في نظر الدولة غبي لا يعرف مصلحته).
لذلك وجدنا الدولة في بلدنا قد انتهجت مراحل مختلفة من تلك المعتمدة عالمياً في استخراج الثروات، فكانت المراحل على الشكل التالي:
أولاً: التأكد من وجود المادة موضوع البحث، ومكان وجودها، وحجمها، وطريقة استخراجها.
ثانياً: استدراج العروض من الشركات التي هي على علاقة بالطقم السياسي الحاكم في جمهورية الشفط، بحيث يحصل الساسة على نسبة من الاستثمار المالي الذي ستحصل عليه هذه الشركات. (ولا يهم ان كانت هذه الشركات وهمية فقد اعتدنا ذلك).
ثالثاً: الإتفاق على المحاصصة في توزيع الارباح التي ستنتج عن استخراج المادة موضوع البحث بين الساسة أنفسهم (ولطالما اعتبروا أنهم هم الوطن، فكأن التوزيع كان للوطن).
وحيث أنه حتى يومنا هذا، لم يتم الإتفاق على نسبة المحاصصة بين ساسة الحكم، فإن مشروع استخراج النفط في بلادنا ما زال موضع دراسة وتشاور، علماً بأنهم قد اتفقوا على وجوده وإنما اختلفوا على استخراجه.
أي أنه يمكننا القول وبصراحة بأن دولتنا الكريمة الموقرة، قد اتفقت على النفط، ولكنها اختلفت على الشفط.
وإنما قصدت هنا بتعبير “الشفط” التعبيرين اللغويين للكلمة، فقد اختلفوا على شفط النفط من أماكن وجوده، لاختلافهم على شفط الارباح التي سيدرها هذا النفط الملعون.
إنه النفط في دولة الشفط…
إنه الذهب الاسود، الذي وبدل أن يحملنا نحو حياة أفضل، لا دين عام فيها ولا خاص، وبدل من أن يؤمن للمواطن حياة كريمة لا بؤس فيها ولا مذلة، هو على العكس، فقد زاد على سواد حياتنا سواد أخر.
لقد زاد فينا يقيناً بأننا نحيا في دولة لا عين لها ترى ولا أذن تسمع، وإنما لديها لسان ينطق بما في جعبتها من غباء سياسي مشبوه.
هو سواد اعتدنا عليه ونحن نحيا في دولة اعتاد رئيسها التجوال في أصقاع الأرض للوقوف على مصالح أمريكا حيناً وأوروبا أحياناً، متناسياً شعبه ومصالحه وضارباً بمصلحة الوطن عرض الحائط .
هو سواد اعتدنا عليه، بوجود حكومات هزيلة في كل شيء إلا في ما يختص بالشفط وما أدراك ما الشفط، ولتزيد سخرية القدر فقد ابتلانا الله سبحانه بحكومة مستقيلة لتصريف أعمال لم نراها قبل الاستقالة حتى نراها في زمن التصريف، حتى أصبحت الحكومة ممنوعة من الصرف في زمن لا صرف فيه.
وزاد سوادنا أيضاً، رئيس مكلف بتشكيل حكومة شفط جديدة تقوم على أساس الوحدة الوطنية. ومن جمال بلادنا أنه حتى السرقة تحتاج إلى وحدة وطنية، وحتى التوزيع الطائفي يحتاج إلى وحدة وطنية.
ملعونة هي هذه الوحدة الوطنية، عندما يصبح كل عار يحتاج إلى وفاق وطني، ويبقى الموت وحده لا يحتاج للوحدة الوطنية، ولا يحتاج لوطنٍ أو هوية.
هكذا هو حال جمهوريتنا، وحال دولتنا، وحال ساستنا، هكذا هو حالنا في وطن، المواطن فيه كما الصديق يوسف (ع) كان يدرك غدر اخوته ومع ذلك آمنهم على نفسه، والساسة فيه كإخوة يوسف (ع)، أدركوا نبوته وأيقنوا حبه لهم ومع ذلك اتفقوا على رميه في الجب بغية قتله.
هكذا هو حالنا، ندرك حقاً أن ساستنا هم مصدر تعاستنا وأصل مصيبتنا، فكلما أمعنوا في شفطهم إزددنا إيماناً بهم وبكفرهم، وكلما ازدننا إيماناً، اتخذونا نعاجاً، وبنوا قصورهم فوق قبورنا وأحلامنا.
هكذا هو حالنا، نحن الذين شربنا المر من أوعية حكامنا، ولم نملّ السقي والساقي، لا بل على العكس: فلطالما هتفنا: أزيدونا ، أزيدونا…
طويلة هي السنوات العجاف، وزادها خنوعنا وسكوتنا عن ما نحن عليه طولاً، وكأننا اعتدنا القحط والجوع والظلم، وكأننا اعتدنا حياة الجب وبشاعة إخوة يوسف…
هكذا هو الحال فينا… وهكذا سيبقى إلى أن نصحو من سباتنا ونهتف بأننا سئمنا من شفطكم وشبعنا من ظلمكم، وطالما أننا ما زلنا نشبع لشبعهم، ونتحدث بلسانهم…
سيبقى الحال على ما هو عليه..
وسيبقى النفط، غائباً، في دولة الشفط.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*