بالعربي … حوار مع إبليس (الجزء الثاني)

sadsatan-arabicleader
إبليس … في حضرة حاكم عربي

موقع إنباء الإخباري ـ
حسن ديب:
غريب حال إبليس هذا ، فبعد أن رأى ما رأى من أهل النفط حكام العروبة، من أفعال تجاوزت أفعاله، ومكرٍ تجاوز مكره، وظلم تجاوز طاقته، وبعد أن أعلن توبته طمعاً في رحمة الله وغفرانه، إتخذ عهداً على نفسه بأن يصبح داعية بين حكام العروبة، علّه يستطيع أن يزرع الرحمة في قلوبهم التي قد أصبح بينها وبين الحق بعد وجفاء.
لهذا، وتنفيذاً لغايته المنشودة، حزم إبليس أمتعته، وقصد بلاد العُرب، طالباً لقاء حكامها، وهدفه الوقوف على ما في قلوبهم من خير للبلاد، ورأفة في العباد .
لم تكن رحلته نحو بلاد العُرب، وتجواله فيها وسعيه لملاقاة حكامها، بالسهولة التي اعتقدها، فبين بلد وآخ، تعذر عليه مقابلة الحكام لأسباب مختلفة: فحاكم لم يستطع مقابلته لوجوده خارج البلاد في مؤتمرٍ دوليٍ يتآمر فيه على شقيقه العربي، وآخر في زيارة روتينية لدولة شقيقة (بالنسبة له) تسعى لاحتلال دولة شقيقة (بالنسبة لنا)، وآخر في اجتماع طارئ لدراسة أحوال اليهود (الضيوف) المساكين، وما يعانونه من ظلم على يد الشعب الفلسطيني (الشقيق)، وآخر، وآخر وآخر…
كاد اليأس أن يسكن قلب إبليس، وهو يتنقل بين عروبة نائمة، وعروبة تائهة وأخرى متعاملة. حقاً كاد اليأس أن يتملكه لولا أن تمكن أخيراً من الوصول الى إحدى الدول العربية والتي تشبه بشكلها باقي الدول، كما حاكمها يشبه باقي الحكام.
ظنّها إبليس مقبرة جماعية للوهلة الأولى، فالموت كان يخيم على وجه البشر، والحزن كان يسيطر على الناس بمختلف ألوانهم ومشاربهم. سأل عن الحياة فلم يجدها، سأل عن الأموال فأجابته الأمعاء الخاوية، سأل عن الأحوال، فأجابته الدموع بأن حال العُرب قد توفاه القدر، فسأل عن حاكمهم، فأجابته هتافاتهم بأنه في قصره محتفلاً، فاليوم قد نطق ابنه البكر كلمته الأولى ولقد كان نطقه الأول، كلمة الحكم. سألهم عن قصره فأشاروا بأيديهم إلى مكان بعيد لا يستطيعون الوصول اليه، فمضى إبليس نحو ذلك المكان، بينما أدرك الجمع أنه ليس إلا غريب يسأل عن غريب.
لم تكن الطريق بين إبليس وقصر الحاكم بعيدة ذات البعد بين الحاكم وشعبه، وذلك حيث أن لإبليس طرقاً خاصة يسلكها، لذلك فإنه لم يجد الصعوبة في الوصول إلى باب القصر.
وهناك عند مدخل القصر رأى للحياة شكلاً آخر، فهنا تقام الإحتفالات وتنحر الخراف تحت أقدام الغانيات، وهنا تكنز الأموال ويقدم النفط في سواقٍ من ذهب ليشرب منه الغرباء، وهنا تفتح الأبواب للمفسدين وتقفل في وجه المحتاجين.
ليسَ … لم يطل انتظار إبليس عند باب الحاكم، فقد سمح له بالدخول بعد أن تم التأكد من أنه غريب عن البلاد، ولا صلة له بالعباد.
وما هي إلا لحظات عدة، حتى وجد إبليس نفسه بين يدي الحاكم، ألقى عليه التحية فقابله الحاكم بتحية أفضل منها.
تحية أفضل منها، تبعها كأس من خمر أمر بها الحاكم لتقدم لإبليس، الذي رفض بدوره أن يشربها وقال للحاكم: استميحك العذر سيدي فلن أستطيع قبول خمركم، فنحن الآن في موسم الحج، ولي من الحجاج رجم بدون خمركم هذا، فكيف لي بها معه؟
قهقهة كبيرة امتلأ بها المكان بعد هذه المقولة، ونظرة سخرية هي التي نظر بها الحاكم نحو ابليس وقال له: أي حج هذا يا ابن عمي، وأي دين هذا الذي تخشاه، ألا تدرك أنك في قصري، وفي قصري أنا من يحج الناس الي ، وأنا من يُشرع ويَأمر وينهى، ولكن حسناً، إذا رفضتَ احتساء خمرنا، فحتماً إنك لن ترفض مجالسة جوارينا.
ارتجف إبليس واحمرت وجنتاه خجلاً، قال: مولاي، لا لن استطيع، وكيف لي هذا وفلسطين ما زالت سبيّة، كيف لي أن أفرح وفلسطين في عروبتكم باتت ضحية.
هنا وقف الحاكم وقد بدا على وجهه شيء من غضب، وقف مخاطباً إبليس بشيء من الحدة قائلاً: أتعتقد يا هذا بأننا نخشى اليهود، أتعتقد بأننا لا حول لنا في مواجهتهم،  أم أننا قد تخاذلنا عن الحق وبعنا ضمائرننا وديننا، أتعتقد بأننا رضخنا لأوامر الغرب وتعاليم تلمود يهوه، أتعتقد بأننا بعنا فلسطين بثمنٍ بخس وشهدنا اغتصابها ونحن نصفق بإسم العُرب وسيف العُرب وتاريخ العُرب؟ مخطئ أنت يا هذا ، فإن سكوتنا هو سكوت القوي على الضعيف، وما اليهود الا ضيوف ضعفاء استقروا في فلسطين مؤقتاً فطاب لهم المقام، أتريد منا أن نطردهم ونحن أهل المروءة والشهامة؟
لا، لا.. قالها إبليس وهو يريد أن ينجو من بطش الحاكم وجبروته.
فهدأ روع الحاكم وقال له: إذاً أنت هنا من أجل الحصول على شيء من المال لحاجة لك تقضيها. فقال له إبليس: لا يا سيدي، لعل بلادكم وشعوبكم هي التي تحتاج لأموالكم، أما أنا فلست بحاجة اليها، فشزره الحاكم بنظرة جديدة لا تنمّ إلا عن من ضاق صدره بالآخر، وقال له: بلادنا، شعوبنا، أي تفاهة جئتنا بها يا هذا، أي بلاد هي التي تتحدث عنها، ألم تدرِ أننا بعنا العراق مقابل عروشنا، ألم تدرِ أننا نحاول كل يوم قتل سوريا مقابل ملكنا، ألم تدرِ بأننا نتاجر بالله والدين وكل ما تقع عليه أيدينا، فقط من أجل البقاء على رأس الحكم؟ وأي شعب هذا الذي جئت تتحدث عنه، فهل في الأرض بشر غيرنا، وهل في الأرض قصور غير قصورنا، وملوك تحكم الارض غيرنا؟ ثم أخبرني، ما الذي جئت تطلبه منا وقد رفضت المال والخمر والنساء، ما هي الحاجة التي دفعتك إلينا وأنت غريب لا تعرف عنا ولا نعلم عنك، من أنت وماذا تريد؟
هنا نظر إبليس في وجه الحاكم قائلاً: أعذرني سيدي، أنا إبليس، شيطان الأرض والسماء، لقد كسرتني كل تلك الروايات التي سمعتها عنكم، لقد جعلت مني حملاً وديعاً بعد أن كنت شراً لا بد منه، لقد جعلتني أخباركم أعود إلى رشدي، وأنا الذي وجدت نفسي لم ارتكب جرماً في حياتي يوازي أصغر صغائركم. لقد عدت فعلاً إلى رشدي، وأتيت اليكم علِّي أستطيع أن أبدل من حالكم شيئاً، ولكن للأسف لن يصلح العطار ما أفسد الدهر، ولن تستطيع شياطين الدنيا أجمع بأن تصل إلى ما وصلتم إليه من فنون شيطانية غريبة. أعترف لك، قالها إبليس وهو يهم بالرحيل، أعترف لك بأنكم استطعتم هزيمتي، وبأنكم حطمتم تاريخي ومجدي وقوتي، أعترف بأني سألتزم الصمت حتى النهاية، فمعكم لا مكان للكلمات، ولا جدوى من انتظار المعجزات. كلمة واحدة أودعكم بها حكام العرب.. أن تتقوا الله في ما تفعلون …
وأن تخافوا الله في البلاد والعباد …..
قال كلمته ومشى … وهو يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، لا حول ولا قوة إلا بالله …

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*