تسونامي النزوح

 

صحيفة الديار اللبنانية ـ
نبيه البرجي:

«السياسي ليس حائطاً وله قدمان»!!
كنت مفتوناً بمقالات اندريه فونتين في «اللموند». ازددت افتتاناً حين قرأت كتابه الرائع «الحرب الباردة».
عقب خروجه من ادارة تحرير الصحيفة التقيته في باريس. قبل أن أطرح عليه أي سؤال انقضّ علي بسلسلة من الأسئلة تتعلق بتفاصيل تاريخية وسوسيولوجية في الشرق الأوسط، وهو رجل الثقافة المتعددة الأبعاد.

نوعية الأسئلة أعطتني الكثير. دماغ فذ، وديناميكية مثيرة في الربط والتحليل والاستنتاج. بدا وكأنه معني مباشرة بأزمة الشرق الأوسط. فاجأني قبل انتهاء اللقاء بهذه النصيحة «لا تصدق هنري كيسنجر في كل ما يقوله لأنه يعتبر ان كل الذين حوله أغبياء». فاجأني أكثر حين اردف «لا أدري لماذا اختصتكم السماء بكل ذلك الشقاء».

استخلصت من الحديث مع اندريه فونتين أن السبب في كون أزمة المنطقة باقية الى يوم القيامة هو انتفاء التوازن بين العقل الاسرائيلي الذي تفاعل مع كل الحضارات ومع كل الآلام، والعقل العربي الذي حرصت الأنظمة على وضعه في… الأقبية.

لاحظ كيف أن الفيتناميين الذين قاتلوا الأميركيين ببطون فارغة مالبثوا أن تحولوا انداداً لهم بعدما كان الجنرال غياب يقول مفاخراً «كنا نسقط القاذفات (قاذفات بي ـ 52 العملاقة)… بالمناجل».

بعد حين كنت تجد اعلانات الكوكاكولا والماكدونالد تملأ شوارع هانوي، لتنتشر رقصة الروك اند رول. الأهم من كل ذلك الاقبال المذهل على الجامعات الأميركية، حتى ان نسبة الفيتناميين الذين يعملون في وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) ناهز في احد الأوقات 38 في المئة.

كان علي أن استنتج أن الثراء العربي قتل الزمن العربي بدل أن يدفعه الى الابداع وانتاج مجتمعات خلاقة، مع ان التاريخ العربي شهد تلك الحقب التي ضجت بالفلسفة (افتتان فونتين بابن رشد لا يوصف) وبشتى الابداعات العلمية.

لم انس قوله لي، وكان قد خرج من «اللموند» (توفي عام 2013 عن 91 عاماً) «السياسي ليس حائطاً وله قدمان»، أي ان عليه الفعل في الظروف والتفاعل معها.

هذه مقدمة طويلة (ربما مملة) لاضاءة بعض جوانب الوضع اللبناني كما الوضع العربي. ألا يظهر عدد من الساسة اللبنانيين (والعرب) وهم يتعاملون مع الأزمة السورية كما لو انها في خريف 2011 لا في خريف هذا العام؟

ديبلوماسيون ومراسلون كانوا يتساءلون عن السبب الذي حال دون تداعيات الزلزال السوري وتفجير الساحة اللبنانية، بكل تعقيداتها، وارتباطاتها، السياسية والمذهبية.

التصدع الداخلي بقي تحت السيطرة بالرغم من ان البلاد مرت في لحظات راعبة بدت معها كما لو انها على قاب قوسين من الانفجار. لكل فريق تفسيره لتلك القوة السحرية التي أبقت الدوامة السورية، بكل أثقالها الدموية، على مسافة من الخشبة اللبنانية.

هذا لا يعني ان الاقتصاد لم يلامس كل الخطوط الحمراء، لاسيما حين اقفلت الحدود السورية مع كل من الاردن والعراق، على أمل أن يعاد فتحها قريباً لتنشط القطاعات الانتاجية على اختلافها.

مشكلة النازحين حملت مسؤولاً اوروبياً على القول لأحد المراجع انها باتت «اشكالية تتصل بوجود لبنان نفسه».

في رأي المسؤول ان اندماج أكثر من مليون نازح في البنية العضوية للدولة اللبنانية، وهو ما يحدث تدريجاً، بمثابة التسونامي الذي يزعزع الاسس التاريخية، والفلسفية، لهذه الدولة.

والحال هذه، يفترض احلال البراغماتية محل الدوغماتية في التعاطي مع دمشق التي بات بيدها الكثير من أوراق القوة. المسألة من الحساسية بحيث ينبغي تجاوز كل ويلات الماضي، دون أن يكون باستطاعة خصوم العاصمة السورية رفع شعار «النأي بالنفس» لأنهم، ومنذ اللحظة الاولى لاندلاع الأزمة لعبوا على الأرض (عرسال مثالاً) وعلى الشاشات والمنابر، وفي الصحف، ضد النظام السوري.

حتى الآن لا تزال شخصيات وزارية، ونيابية، وسياسية، تطلق التوصيفات الأكثر فظاظة، والأكثر فظاعة، في اتجاه النظام تماهياً
مع مواقف العرابين الخارجيين لتلك الشخصيات.

لا مناص من البراغماتية (انه الاقتصاد على الأقل يا غبي). كلام ترامب كشف عن ان لبنان مهدد في العمق. اذاً، ساعة النزول عن ظهر النعامة أو عن ظهر الببغاء، والتعامل ولو بالحد الأدنى من العقلانية مع مستجدات المشهد السوري.

غداً، مستجدات المشهد الاقليمي والدولي…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.