تقسيم المنطقة بدأ منذ اغتصاب فلسطين

موقع إنباء الإخباري ـ
علا فحص:

لا يمكن فصل قرار رئيس الوزراء السابق للكيان مناحيم بيغن تصفية جميع قيادات العصابات الصهيونية ودمجها تحت لواء الهاغانا، الذي شكّل نواة الجيش الإسرائيلي، عن قرار الأنظمة العربية بعدم إيجاد الإرادة النظامية العربية لتدمير الكيان وقت إنشائه والاكتفاء بالتلطي خلف الدعاء للفلسطينيين وللقدس وتحميل أكثر من دولة عبء تيار الفدائيين الفلسطينيين وفصائلهم، والذي كان لبنان المسرح الأول بأرضه لأعمالهم الفدائية حيث دفع لبنان بسبب انقسامه حولها بين يمين ويسار الثمن الأكبر وخسر أكثر من ١٥٠ ألف مواطن بسبب حرب يقول عنها أمراؤها إنها حرب انتحارية مجنونة دمرت بنيته التحتية واقتصاده وحوّلته إلى بلد منكوب بكل المعايير.
لم يكن كافياً أن يقوم رئيس عربي واحد بالمناداة بحق الفلسطينيين بالعودة الى أرضهم و لم يكن مقنعاً التفاف الدول العربية الواهن حول منظمة التحرير الفلسطينية بعد أن سمحوا بقيام الكيان كدولة يعترف بها المجتمع الدولي.
لم يكن مسموحاً بحجة تخاذل الأنظمة العربية عن دورها العروبي أن يدفع لبنان الثمن.
فلولا ذلك التخاذل لما شعر الفلسطيني بخيانة عربية و لما بنيت مخيمات الشتات له كاعتراف واضح ورسمي بأنه لاجئ ومشتت.
والأهم إعتراف سافر بأن أرضه صودرت منه وبالقوة بحكم القتل من عصابات صهيونية وبحكم عدم الإكتراث العربي.
لم يكن كافياً أن يأتي الرئيس جمال عبد الناصر لنصرة القضية الفلسطينية وعقد الاتفاقات مثل اتفاقية القاهرة التي حملت تناقضاً بين مفهوم الدولة والسيادة وبين مفهوم الثورة.
لم يكن واجباً على أي فدائي دخل أرضاً عربية غير أرضه أن يرضى بوجوده فيها.
لم يكن مسموحاً، وبجرّة قرار مرير، وبسبب كل ما سبق ذكره، أن يتخلى الفلسطيني عن سلاحه ويعقد سلاماً مشبوهاً قاعدته دماء فلسطين الداخل والشتات.
فالقضية هي قضية شعب بأكمله تشتّت بين دول عربية نادت بحقه في العودة مواربةً دون أن تلتفت إلى وجوب الحسم في حينه عندما كان ذلك الكيان هشاً.
قضية مُرّة مربوطة تبعاتها بكل ما نسمعه عن مشاريع تقسيمية للشرق الأوسط اليوم.
قضية، اعتقد أسياد هذة المنطقة أن مفاعيلها ستنتهي عند إقرار السلام.
سلام وهم وسلطات عربية لا أساس لوجودها إلا في مخيلتها. سلطات تتابع التآمر منذ نشأتها هي وأنظمتها لتحول فلسطين عبر الزمن إلى قضية تفتقر إلى كل مقومات القضية الحقيقية وتصبح مجرد خطاب هنا وأموال تُمنح هناك. سلطات تفتقر إلى أممية التفكير بمعزل عن مصالحها التي لن تحققها لأنه ليس مسموح لها بذلك. فالمصالح التي تتوهم أنها تحفظها لا تبني أوطاناً ولا تعكس مفهوماً حقيقياً لمعنى الانتماء.
لولا ذلك لما رأينا تسليماً لسلاح وإقراراً بضرورة حقن الدماء التي لم تحقن أصلاً، وما كنا وصلنا إلى مشاريع تقسيمية أدواتها تحريك ألوية طائفية ومذهبية وصلت إلى حد ما شهدته المنطقة من إرهاب وذبح وقتل.
مشاريع تقسيمية لاحت في حرب سوريا ابتداءً لتستكمل في العراق لاحقاً ليكون إقليم كردستان أول من يدعو لاستفتاء الانفصال عن العراق بعد مواجهة المنطقة لفلول الإرهاب.
إن هذا الثمن معطوف على نفس ذلك القرار الذي بدأ منذ ما قبل عام 1948 و بالتحديد منذ أن لاحت أطماع اليهود الغربيين في الأراضي الفلسطينية في عام 1530، عندما حاول اليهودي الإيطالي يوسف ناسي، الذي كان يعتبر أغنى رجل في العالم حينها، بناء مستعمرة لليهود الغربيين يفرّون فيها من الاضطهاد الذي يتعرضون له في الغرب، ومنذ المؤتمر الصهيوني الأول الذي عُقد بزعامة تيودور هرتزل في مدينة بازل بسويسرا يوم 29 آب/ أغسطس عام 1897. ولا يتوهمن أحد أن الربط غير موجود أو خيالي.
فمنذ اللحظة التي دخل فيها العرب في وعود كاذبة من قبل بريطانيا وفرنسا اللتين وعدتا باستقلال الدول العربية بتحالفها معهما ضد العثماني، ومنذ وعد بلفور، واتفاقية سايكس بيكو وما سبقها من محادثات عرفت برسائل حسين-مكماهون، ومنذ أن دخل العراق في حرب الخديعة مع الكويت وقبلت الدول العربية أن يتم اجتياح العراق عام ٢٠٠٣ وإعدام أول رئيس عربي على يد الولايات المتحدة والسماح بانهيار الجمهورية العربية الليبية، ومنذ أن تم الاتفاق على معاهدات سلام مشينة كاتفاقية كامب دايفد وأوسلو وغيرها، منذ ذلك الوقت بات حال المنطقة اليوم نتيجة حتمية مبنية على تلك القرارات التاريخية والتي اتخذت منحىً تدريجياً بالتخلي الكلي عن القضية والهوية.
بتنا بالفعل جميعنا مشاريع تقسيمية وإلغائية، ننادي لانفصال إقليم هنا وهناك، نتعايش بالإجبار لعدم شعورنا بأدنى مستويات الانتماء الوطني، فما بالك بمستويات الانتماء العربي؟
يتشدق البعض بمشاريع البنيان و العمران في بلده، ويتحمس أنه استطاع بسياسته المواربة أن يقي بلده الحرب وأن يجنّبها أي عمل فدائي ينطلق من أرضها.
فات على فهم هذا البعض أنه اليوم يخوض معارك أرادها ذلك الكيان داخل المنطقة العربية.
تحوّل هذا البعض إلى أداة تؤدي فعل الحرب بالنيابة عن الكيان الذي ـ ومن خلال السياسة والحنكة وتغطية المجتمع الدولي له ـ ينعم باستقرار وازدهار، و إن كان هذا الإستقرار مهدداً بشكل دائم من عمليات الفدائيين في الداخل الفلسطيني.
لقد أحكم هذا الكيان خطته لجعل دول المنطقة أدوات تطبق خططه التقسيمية دون أن يبرز دوره المباشر فيها، وإن كان معلوماً، وما الحروب بين الدول العربية اليوم سوى أكبر دليل على حماقة الأنظمة التي دفعت بجيوشها لتتقاتل فيما بينها وتغرق في بحور من الدماء والحقد قاعدتها الطائفية وسياسة الكيل بمكيالين.
فهل يمكننا القول والحالة هذة أن مستقبل المنطقة خاضع برمّته لمشاريع التقسيم والتفتيت التي لم تكن فلسطين سوى بدايتها وبالتأكيد لن يكون استفتاء انفصال إقليم كردستان في العراق آخر خطواته؟
وهل يسعنا أن لا نقول أن شعب فلسطين الداخل في ظل غياب الإرادة العربية بإحداث التغيير الحقيقي سيكون مصيره الشهادة هو وبقية الحركات المقاومة سواء في لبنان وبعض الدول العربية؟
إن واقع الحال يقول ذلك، و بناءً عليه فإن مستقبل المنطقة ولبنان غامض المعالم. مستقبل معطل مرتبط بسياسات جميع الدول الشقيقة وتلك الإقليمية ومرتهن في الوقت نفسه لخطط الكيان التفتيتية.
مستقبل غير آمن تحيطه المخاطر وتجعل منه عرضة لألف تأويل وتأويل.
إبتسم أنت عربي.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*