جورج جرداق: وداعاً يا قارئ “صوت العدالة الإنسانية”

george-gordak

 

 

غيّب الموت الكاتب والشاعر جورج جرداق عن عمر 83 عاماً. تقام مراسم الجنازة، الأولى بعد ظهر اليوم الجمعة في كاتدرائية مار نقولا للروم الارثوذكس في الأشرفية، على ان ينقل جثمانه إلى مسقط رأسه في جديدة مرجعيون حيث يوارى الثرى في مدفن العائلة.

فيما يلي ملف يتضمن بعض ما كتبته الصحافة اللبنانية عنه خلال اليومين الماضيين:

على طريقة جورج جرداق

صحيفة النهار اللبنانية:

قد لا يحبه كثيرون، ولا يستسيغون طريقته، وخصوصاً من كان ينتمي الى أجيال لاحقة، وذائقات صحافية وأدبية وثقافية، راهنة وحديثة، لا تشبه ذائقته.

لكن جورج جرداق كان حقاً صاحب طريقة في الصحافة المكتوبة، وفي الصحافة المسموعة، عرفت به، وعرف بها.
فهذا الرجل لم يكن شخصا عابرا في هاتين الصحافتين، بل كان استاذاً راسخ الحضور فيهما، لصفات جمة اتصفت بها كتاباته، في مقدمها انه كان شخصا عارفاً، بالمعنى المتوارث والتقليدي للمعرفة، التي تقتضي، في جملة ما تقتضيه، ابحاراً في خضم الكلاسيكيات. وهذه كانت الميزة الاولى في مدارس لبنان خلال النصف الاول من القرن العشرين، وبعض ستيناته والسبعينات.
من هذه المعرفة التي تدرج فيها بين العائلة والمدرسة البطريركية، نهل جورج جرداق مداركه الثقافية، آخذاً من الشعر العربي ماءه الزلال، ومن النثر نهجه البليغ. فلم يكن كثيراً عليه أن يتصف بهذه السمعة، هو الذي تتلمذ على رئيف خوري وفؤاد افرام البستاني وسواهما، فكانت كتاباته تسترشد بهذا المعين الغزير الذي جعله صاحب جملة كلاسيكية، محكمة، متينة، جزلة، قوية، موقعة، تأخذ من اللغة العربية أصولها وموسيقاها، على بلاغة تقليدية واثقة من نفسها، وتأخذ من الموضوع المطروق لبّه الدسم. حتى اذا أدرك القارىء والسامع خواتيم كلامه، تحقق له المبتغى المرجو، قراءة أو سماعاً.
ولكم كان قادراً على تضمين كتاباته الصحافية، المحبرة والمقروءة، مديحاً، لا يؤخذ عليه، للناس الذين يحبهم، وسخرية كتلك التي تصيب مقتلاً، لكن من دون ان تشتم أو تهين. وهي اصعب انواع السخرية، وأشدها ايلاماً، لكونها تنجز ما لا تؤديه السيوف والمسدسات والمتاريس.
كتب الشعر. فمن، في الشعر، لا يذكر قصيدته الشهيرة “هذه ليلتي”، التي غنتها أم كلثوم ولحنها محمد عبد الوهاب؟ّ! الى “هي والعود”، “انت حبيبي”، “سمراء كليل السهران”، و”وجهي يسأل فجر الكون”.
وكتب النثر. فمن، في النثر، لا يعرف أنه تأثر بالامام علي ايما تأثر، فكان الخليفة الراشدي الرابع شخصيته الاكثر اثارة للالهام عنده، فوضع فيه موسوعة كاملة “الإمام عليّ صوت العدالة الانسانية”، في خمسة أجزاء، أتبعها بملحق كبير سمّاه “روائع نهج البلاغة”؟!
أفسحت له صحف ومجلات لبنانية وعربية راسخة صدور صفحاتها. مثلها فعلت بعض الاذاعات اللبنانية، حيث بقي يكتب ويذيع الى أن انطفأ الانطفاء الجليل.
لقد قلت انه صاحب طريقة، للأسباب المعروفة أعلاه. لكن هل يجوز أن أنسى أن سرّ الأسرار في تلك الطريقة، كونه، منذ الطفولة، قارىء “ديوان المتنبي” و”مجمع البحرين” للشيخ ناصيف اليازجي و… “نهج البلاغة” للإمام علي؟ّ

ولد الكاتب والشاعر اللبناني جورج سجعان جرداق عام 1931، من والد يعمل مهندس بناء، “في بقعة سكانها عرب حقيقيون، يتحدرون من أسر عربية عريقة، أما البيئة البيتية فكانت من جماعة الفكر والعلم والأدب والشعر، وتأثري الشديد كان بـ”أخوي فؤاد”. قدم جرداق برنامج “على طريقتي” عبر أثير إذاعة “صوت لبنان”.
كان جورج الصغير يهرب من المدرسة، بحثاً عن عين ماء من عيون السهل الشرقي تلك التي سمي المرج باسمها “مرج عيون”، فينتقي صخرة تحت شجرة تظلله، ليحفظ شعر المتنبي، وفقه اللغة العربية في مجمع البحرين للشيخ ناصيف اليازجي. وعندما اشتكت المدرسة من فراره الدائم، حاول ذووه معاقبته، فتدخل شقيقه فؤاد معللاً: “إن ما يفعله جورج يفيده أكثر من المدرسة”. وتشجيعاً له أهداه “نهج البلاغة” للامام علي بن أبي طالب، قائلاً: “إقرأه واحفظه”.
بعد انتهاء دراسته التكميلية في مدارس جديدة مرجعيون، انتقل جورج جرداق الى بيروت، ليلتحق بـ”الكلية البطريركية” عام 1949. منذ ذلك الحين، سكن بيروت وسكنته، من دون أن ينفي ذلك حنينه الى الجذور وتواصله مع الأهل والأصحاب في “الجديدة”.
يرد خصوبة فكره وذاكرته الى اختياره الكلية البطريركية الذاعة الصيت بتخريج أقدر الطلاب في اللغة العربية وآدابها. “كانت مهمة جداً بحاضرها وقديمها، فالشيخ ابرهيم اليازحي، أكبر علماء العربية على الإطلاق، كان أحد أساتذتها في القرن التاسع عشر، ومن تلامذته خليل مطران شاعر القطرين. درست على يد الأديب المعروف رئيف خوري، وعلامة عصره فؤاد افرام البستاني مؤسس الجامعة اللبنانية، وكان أستاذ اللغة والأدب الفرنسي الشاعر ميشال فريد غريب الذي كتب شعره بالفرنسية”.
في هذه الأجواء، كان من البديهي أن يؤلف جرداق كتاباً في سن مبكرة. في الثامنة عشرة من عمره، كتب باكورته “فاغنر والمرأة” عن الموسيقي والفيسلوف الالماني عام 1950. نظراً الى أهمية الكتاب، قرر الدكتور طه حسين عميد الأدب العربي إدراجه ضمن لائحة الكتب التي يجب على طلاب الدكتوراه في الأدب قراءتها بإمعان، كذلك أصر أحد المستشرقين الألمان على مقابلة جرداق وأخذ إذنه في ترجمة كتابه الى اللغة الألمانية.
في عام 1953 بعد تخرجه من الكلية البطريركية، انتقل جورج جرداق الى التأليف والكتابة في الصحف اللبنانية والعربية من جهة، والى تدريس الأدب العربي والفلسفة العربية في عدد من كليات بيروت من جهة أخرى. استهل عمله الصحافي في مجلة “الحرية”، ويقول عنها: “كنت أكتبها من الغلاف الى الغلاف، وكنت أحرر مقالات وأوقعها بأسماء صارت لاحقاً معروفة لدى أصحاب الصحف، حتى إن أحدهم طلب مني أن أعمل عنده، فرفضت”.
عمل أيضاً في مجلة “الجمهور الجديد” وانتقل الى “دار الصياد” عام 1965، وعمل في مجلة “الشبكة” وفي صحيفة “الأنوار”، ولا يزال أحد أركان الكتابة في منشورات “الصياد”.

جورج جرداق: الفتى المشاغب يهرب مجدداً
صحيفة الأخبار اللبنانية ـ
علي العزير:

أخيراً، أغمض جورج جرداق (1931 ــ 2014) أمس عينه إلى الأبد. لم يكن لشيء أن يقضّ مضاجع أهل الشهرة كما فعلت تلك العين الثاقبة. عين خارقة للمألوف أمكنها أن تلتقط أدق التفاصيل وتكشف كل مكامن التورية والغموض، حتى بدا أن من الصعوبة المحاذية للمستحيل أن تنطلي خدعة ما على صاحب القلم الساخر، الساحر، مهما برع المتحاذقون. رحيل الناس قدر، لكن غياب أمثال جورج جرداق يؤشّر إلى اندثار مرحلة. منذ اصطدامه الأول بقوانين الحياة، بدا الفتى الجنوبي القادم من مرجعيون (محافظة النبطية) عصياً على الانضواء. ومنذ البدايات الأولى، كانت قضيته كيف يهرب من المدرسة نحو أحد مروج بلدته متأبطاً «مجمع البحرين» لليازجي، وديوان المتنبي. لاحقاً عندما ضبطه أهله متلبساً بجرم الفرار من سجن الطفولة، انتصر له شقيقه الأكبر فؤاد، وكان علّامة لغوية متميّزة، متيحاً له منفذاً استثنائياً: دعوه يفعل، إنه بذلك يتعلّم أكثر مما يفعل في المدرسة. أهداه حينها نسخة من كتاب «نهج البلاغة» لعلي بن أبي طالب. لم يدر أنه بذلك يمنحه الفرصة التي كان يحتاج إليها ليؤلّف موسوعة حول شخصية تاريخية مثيرة للاهتمام وللجدل أيضاً. هكذا بدأت حكاية سلسلة تضمّنت خمسة مجلّدات، ختمها بملحق سادس وهي «علي وحقوق الإنسان»، و»علي والثورة الفرنسية»، و»علي وسقراط»، و»علي وعصره»، و»علي والقومية العربية».

أما الملحق، فجاء تحت عنوان «روائع النهج». صدرت من الموسوعة أربع طبعات عن ثلاث دور مختلفة خلال سنة واحدة. أما عدد نسخها فتخطى خمسة ملايين. في تعليق له، قال جرداق: «لم أجن قرشاً واحداً من هذه المطبوعات التي ترجمت إلى الفارسية والأوردية، لغة مسلمي القارة الهندية، والإسبانية والفرنسية. وعندما أحتاج إلى مجموعة عربية أو أجنبية أشتريها على حسابي، فيما لم تكلّف دار واحدة نفسها أن ترسل لي نسخة هديّة من باب رفع العتب». في الثامنة عشرة من عمره، وضع كتابه الأول «فاغنر والمرأة» الذي حاز قبول مرجعيات كبيرة من طرازالشيخ عبد الله العلايلي وعميد الأدب العربي طه حسين، الذي قرّر إدراجه على لائحة المقررات الجامعية. كان حينها يشغل منصب وزير المعارف في مصر. كذلك، حقّقت روايته التاريخية «صلاح الدين وريكاردوس قلب الأسد» رواجاً استثنائياً. كان بوسع الكاتب الموضوعي الذي شهدت أعماله قبولاًً منقطع النظير، أن يتحصّن ببرجه العاجي، لكن حسّه الساخر كان طاغياً وهذا ما دفعه إلى الاستجابة لنزعة التهكّم التي طبعت شخصيته الإبداعية، فأصدر مؤلّفات أقلّ تأدباً، وإن لم تكن دون سابقتها أدباً: «صبايا ومرايا» و»وجوه من كرتون» و»حديث الحمار»، إضافة إلى مسرحيات عدة ومسلسل تلفزيوني.
أيضاً لم يكن جورج جرداق بعيداً عن الشعر. كتب العديد من القصائد، وكان لبراعته الشعرية أن دفعت قمتي الغناء واللحن في حينه: أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب أن يصرّا على أغنية من إبداعه، هكذا أبصرت أغنية «هذه ليلتي» النور ذات أمسية صيفية بالغة الروعة في فندق «أمباسادور» المطلّ على وادي «لامارتين» في جبل لبنان. حصل ذلك عام 1967، وبعد عام من تلك الأمسية غنّت كوكب الشرق «هذه ليلتي» بعدما وضع ألحانها الموسيقار محمد الوهاب.
الصحافة أيضاً كان لها نصيب من عبقرية الفتى الجنوبي. انتشرت مقالته المترعة بالسخرية على مساحات واسعة من الصحف اللبنانية والعربية. لم يكن متطلباً على الصعيد المادي. أما شرطه الذي لم يكن مستعدّاً للنقاش بشأنه، فهو أن تنشر مقالته من دون أي تعديل.
يروي في إحدى مقابلاته الصحافية أنه ذيّل بعض مقالاته بأسماء بعض المتطفلين على المهنة، بين هؤلاء من صار له شأن في عالم الكلمة المكتوبة، ومنهم من ابتسمت له الدنيا بأكثر مما كان يتوقع، أو يستحق. حتى إن غير واحد ممن بنى حضوره المهني الزائف على كتابات جورج جرداق وسواه، جاءه يوماً يعرض عليه العمل في مؤسسات صارت ملكه. كان جرداق يروي تلك الوقائع وعلى شفتيه تلك الابتسامة المختزلة لمعانٍ شتى.
على امتداد ستة أشهر، تبادل جرداق مقالات الهجاء مع الأخوين منصور وعاصي الرحباني على صفحات مجلة «الشبكة». بدأت الحادثة بمصادفة، لكنها كانت بالغة الروعة، وقد تابعها القراء بشغف غير مألوف. وعندما اتخذ الطرفان قراراً بوقف السجال الساخر، اعترض صاحب «دار الصياد» سعيد فريحة، مشيراً إلى أن القرار يمثل كارثة له، فقد كان يطبع الآلاف من الأعداد الإضافية اعتماداً على تلك الأهاجي الممتعة. بعد أكثر من ثمانية عقود على ولادته، ها هو الفتى المشاغب يهرب مجدداً من مدرسة الحياة وقد ضاقت به جدرانها الموصدة. يذهب بعيداً نحو مرج العيون المحدقة عميقاً، بعدما أحدث الكثير من الكوى في تلك الجدران الصلبة، وبعدما رسم على ملامحها الشاحبة الكثير من معالم روحه المتوثبة.

كلمات في وداعك
صحيفة السفير اللبنانية ـ
إلياس لحود:

جورج جرداق «عمارة» من وجدان وتراجيديا سوداء ساخرة ومصائر… أودعك جورج جرداق القريب والجار الأقرب بيتاً وأهلاً وذكريات عشت الأقرب بالمسافة البشرية، روحية وثقافية، كما الأقرب إلى جديدة مرجعيون الأم العذراء وامتداداتها لبنانياً وعربياً وإنسانياً. ورحلت ليبقى الكثير من الكلمات كلامك.
أودّعك في عصر الآلام العربية وأوجاعها المستعادة للقضايا والكتابات المهمومة التي شغلتك حتى الثالثة والتسعين. فعاشت بك ومعك ولا تزال همك الشاغل في جدية الوضع البشري وفكاهته النازفة.
أودعك بتوديع مرحلة اختلفت عبرنا كثيراً في أعماق الأخطار الكتابية ومصائرها، ولكنها كانت أكثر من ضرورية، في لبنان التنوع وعبره، بين الكتابة العربية الواصلة بهواجسها في عصر سموه «عصر النهضة» وفي إبداع الآخر الضرورة والحاجة ترجمة وترجماناً للأشواق….
وبيتي وبيتك في جديدة مرجعيون كانا سفراً إلى شواطئ النغم الأعظم. بيتان لأهلي وأهلك كادا يكونان «معماراً» صخرياً أزلياً واحداً. إنسانياً مبنياً بالكلام والمغامرة.
بيت أهلي وبيت أهلك شبه متلاصقين كانا، في عمار «متقارب» متصل تتواصل لأهلين في أهل واحد، متشاركين متشابكين في الأفراح والأحزان على نغم جنوبي أعظم.
كنا شباناً صغاراً نراقب أوراقك ومكتبتك الغنية ببودلير وفرلين ومالارميه… المفلوشة في كل مكان حر وأكبر فرحة للجميع كانت أنت المتعلم المتأدب المتعدد الكتابة، العصامي راية مشتعلة لهموم الجديد يومها.. وحتى الآن!
كنا شباناً صغاراً (أنا وعصام محفوظ ووسام جرداق)… ننمو كما نَموت في ركب شعراء هزوا جذور الكلمات واخترقوا بعض المركزيات، خصوصاً الاجتماعية والدينية. (فؤاد جرداق وعبد المسيح محفوظ ونقولا قربان)…
نمونا في جديدة مرجعيون على مقربة منك حين بدأ يكبر اسمك وينفرد بدءاً من كتابك الأول «فاغنر والمرأة» وحتى «هذه ليلتي» ومشتقاتها. بكل علاقاتها الروحية والثقافية مع أم كلثوم وعبد الوهاب وسعيد عقل والأخوين رحباني وميشال طراد… مروراً بمؤلفك الضخم «الإمام علي والعدالة الإنسانية» بعماراته الخمس الشاهقة من سقراط إلى العصر الحديث مروراً بالثورة الفرنسية وعدد كبير من أعمالك الكتابية الإبداعية عبر تحرجات بعنايتك المرهفة عن دار الروائع بدءاً من ميشال زيفاغو وجسر التنهدات وأعمال البابوات ورسلهم.. هكذا تودعك الأوطان كما تودعك الجديدة الأم العذراء دائماً كما وصفتها وكتبتها ونشرتها ونزفتها وضحكتها مقهقهاً حتى الثمالة.
أودعك.. نودعك في هذه العجالة من أعالي هذا الوطن الخالد وأسافله المزروعة في الصخر، من أودية الليطاني العاشق واستداراته المروضة إلى أعالي جبلك الشيخ وفضاءاته.
وداعاً.

جورج جرداق… الممتلئ معرفة، الزاخر شعراً
صحيفة الأخبار اللبنانية ـ
جميلة حسين:

عندما قال لي الصديق فرحان صالح صاحب «دار الحداثة»: هل تريدين أن يكتب جورج جرداق تقديماً لديوانكِ الأوّل «اغتيال أنثى»؟ أجبته: «لا شكّ في أنّك تمازحني». عقّب الصديق فرحان: «طيّب نتصل به ونأخذ موعداً ونرى». وهكذا كان. أعطانا جورج جرداق موعداً عند الرابعة من مساء نهار ما عام 2006، في مبنى «صوت لبنان» التي كان جرداق يقدّم فيها برنامجاً صباحيّاً، ويستقبل زواره في صالونها.

جلستُ بخجل أمام جورج جرداق، الشاعر الذي تربينا على شعره. الذي غنّت له سيدة الطرب العربي أم كلثوم «هذه ليلتي» ولحّنها الموسيقار محمد عبد الوهاب الذي قال فيه: «إنّ في شعر جورج جرداق من الموسيقى ما لا يستطيع اللحن أن يجاريه، أو يدانيه». الشاعر الذي صادق الأخوين رحباني وعملوا معاً، صديق السيدة فيروز، الشاعر والناقد والساخر وكاتب سيرة الإمام علي بن أبي طالب في مجلّدات، الشاعر الذي طارت شهرته من لبنان الى الوطن العربي كلّه، وهذا الشاعر تجلس أمامه امرأة تهوى كتابة الشعر، وكتبت ما كتبته من نصوص، سمّاها بدوره شعراً.
كان يعتبر أن كل كاتب يعزل نفسه عن الناس هو منافق

عندما احمرّ وجهي خجلاً وأنا أطلب منه تقديم ديواني، أردف: «ولمَ الخجل، هل من يكتب الشعر يكون خجولاً؟ هذا عكسُ الشعر الّذي يتطلّب جرأة ومكاشفة». وتابع: «طبعاً سأقدّم لك ديوانك». أذكر أنه عقّب على إهدائي الدّيوان لأمي التي لم تفهمني يوماً، هكذا كتبت، فسألني عن سبب كتابة ذلك؟ أجبته: «وهي كذلك، أمي تراني منديلاً وثوباً طويلاً يستر الجسد، ولا ترى كلّ ما أنجزته». ضحك طويلاً على إجابتي وجرأتي في الكلام عن أمي، التي كنت أعتبرها أغلى إنسان على قلبي، وأتفهّم كلّ ما تعتقده وتراه. كان فرحي كبيراً ليلتها، عندما طلب جورج جرداق أن أمهله أياماً كي يكتب التقديم. وبعد مرور يومين، أتفاجأ باتصاله قائلاً: «يللا تعالي غداً الى مبنى «صوت لبنان» لتأخذي مقدّمة الديوان». تلعثمتُ في الإجابة، وشكرته، وكنت متشوقة لقراءة ما كتب عنّي. التقينا في صالون «صوت لبنان» في اليوم التالي، وكعادته ممازحاً وضاحكاً، ناولني أوراقاً، وطلب مني القراءة بصوت عالٍ. نفّذت ما طلبه، وكنت أقرأ، ثمّ أتوقّف لأسأله: «كلّ هذا لي وعن كتابي». يجيب مبتسماً: «يا صديقتي: من لا يؤمن بنفسه ويصدّقها لا يصدّقه أحد. وسأقول لك أمراً: اكتبي من دون أن تلتفتي إلى الوراء. اكتبي واتركي النقد لغيرك». كنتُ استمع بشغف لكلام شاعري الكبير، وأقول في نفسي، ما الذي يجعل شاعراً كبيراً كجورج جرداق يحتضنني كتابيّاً، وما أكثر الشعراء الذين تعجّ بهم الساحة الثقافية! كان يؤمن بالكتابة، وبالشعر ويشجع على كتابته، ويخصّ الشاعرات بالتشجيع، فالمرأة بنظره سكتت كثيراً، وحان الوقت كي تبوح. عندما كنت أسأله عمن يفضّلهم في سهرات كنت أنظمها في منزلي، نقرأ فيها الشعر، ونسمع الموسيقى، كان يجيب ضاحكاً: «ليس لديّ فيتو على أحد، وأفضّل الناس العاديين كي أسمع قصصهم، فهم خزّان الكتابة». كان يعتبر أن كلّ شاعر أو كاتب يعزل نفسه عن الناس وهمومهم هو شاعر منافق، وهذا التعبير له.
رحم الله جورج جرداق، الشاعر الذي أحبّ الاشتراكية وكان يردّد أمامنا: «تأثّرت بأستاذي رئيف خوري كثيراً». كان صديق المرأة ومشجعها، وكانت الصحافة الأقرب الى قلبه.
جورج جرداق الشاعر الممتلئ معرفة، الزاخر شعراً، المتواضع كسنابل القمح الملأى، ستفتقده الصحافة، والبرامج الإذاعية التي كنّا ننتظرها بشغف وفرح صبيحة كل يوم، سيفتقده القلم. فلترقد روحك بسلام، يا من كنت أمثولة في تواضعك، لامعاً في شعرك وكتاباتك، وستبقى الأجيال تقرؤك وتبحث في كنوز الثقافة التي صنعت أجملها في بلادنا.
*شاعرة لبنانية

أشهر أوصافه لم تكن أشهر مواهبه
صحيفة السفير اللبنانية ـ
عبد الغني طليس:

يكاد لا يعرفه أحد. ولولا انه كان من وقت إلى آخر، يحضر في بعض المناسبات الثقافية أو الفنية لمرّ جورج جرداق في الحياة الصحافية والأدبية اللبنانية من دون أن «يتعذب» بمعرفة أحد أو «يعذّب» أحداً بمعرفته!
كان في متن الحياة الفنية ناقداً، وفي متن الحياة الثقافية والأدبية شاعراً وباحثاً ومفكراً، وفي متن الأغنية اللبنانية مؤلفاً، وفي متن المهرجانات المسرحية أيام عزّ البلد وفنانيه الكبار كاتباً أحياناً، وإذا أردت الآن أن يتذكّره بعض الذين كانوا مثله حاضرين وناشطين، وفي مستوى عمره وتجربته، لَحَكَم الجميع بأنه كان… ولم يكن. كان موجوداً وفاعلاً ولم يكن موجوداً ولا فاعلاً! كانت كلمته تهز الأرض ولم تكن كلمته تهز شعرة من مكانها. كانت له سطوة ولسان سليط ونكتة جاهزة في الوقت المناسب، لكنه كان كما يدخل ندوة أو مسرحية أو مناسبة معينة يخرج منها بأقل قدر من إثارة الأنظار. كان ضد أن تكون عليه الأنظار، وإذا حصل و«كَمَشْتَهُ» للسلام عليه، فقط للسلام عليه، كان يختفي فوراً وراء صوته المتهدِّج المجلجل، ووراء عينيه اللتين لا تخبران شيئاً عما في داخله، لا لأنه باطنيّ أو لا يُظهر ما يُضمر، بل لأنه يكون مشغولاً بشيء ما في رأسه، ويكون السلام عليك أعجز من أن ينتشله من حيث هو.
كان شاعراً، ولم يحدث أن انتبهنا إلى ان له أمسية شعرية في مكان. وكان ناقداً ولا نتذكر أنه «صعد» إلى شاشة تلفزيونية ليدلي بدلوه في أي موضوع فني. وكان مفكراً في «الإمام علي» و«الثورة الفرنسية» على الأقل، وأصدرهما في كتب عميقة شيّقة في أفكارها المختلفة التي لا تستوحي من أحد بل تطلع هي بالجديد، ولم نعرف يوماً أنه تصدّر ندوة أو ترأس مهرجاناً أو تبوّأ موقعه على منصة، وكان جرداق بحّاثة في شؤون البلدان وشجونها على طريقة ابن بطوطة، وأحياناً على طريقة ابن المقفّع (عندما يضجر من الإنسان!) وله جائزة مَن يضبطه بلقطة تذكارية جدية إلا ما كان من حيث لا يدري الرجل. وهكذا. كان جورج جرداق متعدداً متنوعاً، واحداً في اهتماماته وطاقاته وفنونه رغم التعدد والتنوّع.
يخجل بعض المتعددين المتنوعين (إذا وجدوا!) من أن يُحسبوا في صفوف الفنانين إذا كانوا، مثلاً، شعراء، أو أن يكونوا مفكرين في صفوف مؤلفي الأغاني، أو أن يكونوا نقاداً في صفوف الصحافيين، أي صحافيين، لكن جورج جرداق لم يخجل من أي مهنة أو موهبة أو تجربة خاضها بكل ما يملك. ولعل أفضل ما يميزه هو أنه كان يعطي أفضل ما يملك في كل موقع كان فيه، ولم يكن يهتم بالمواقع بقدر اهتمامه بالمادة التي يعطيها. كان «مسؤولاً» عن المادة الصحافية حتى آخر لحظة، وما كان يبدو لنا أحياناً أنه تكرار أو إعادة أو مراجعة لماضٍ وكلمات وأفكار في كتاباته، كان «زيادة» في التبليغ، و«زيادة» في جعل المعرفة عامة، و«زيادة» في إمتاع القارئ، وكان أجمل ما في هذه «الزيادات» أنها عن كبار في الحاضر وكبار في التاريخ العالمي، ويرى جرداق أنه مسؤول عن إيصال بعض ما وقعت عليه عينه من أفكارهم ومواقفهم إلى الأجيال.
ومن يظن أن قصيدته «هذه ليلتي» التي غنتها أم كلثوم قد غرّته أو جعلته ينسى أنه ناقد، مخطئ. فبعد «هذه ليلتي» بشهور عدة أنشدت أم كلثوم قصيدة «أغداً ألقاك؟» فَمَسَحَ جرداق بها الأرض ـ كما نقول بالمحكية ـ معتبراً كلامها (للهادي آدم) ولحنها (لمحمد عبد الوهاب) من أهبط ما غنت السيدة في حياتها. هذا هو جورج جرداق، لا قوة تستطيع إسكاته عن قول ما يراه حقاً، ولا صحبة تمنعه من العدل.
وكان جورج جرداق ساخراً: أشهر أوصافه لم تكن أشهر مواهبه.

مرثاة لرجل لا يموت
صحيفة السفير اللبنانية ـ
د. شفيق البقاعي:

جورج جرداق كان صانع جمال في هندسة الكلمة التي تنشئ حياة. وقد تعددت في أدبه الإبداعي حداثة فريدة في صوغ الرؤيا. كان قلمه هو عقله، وعقله هو ذوقه وحسه المرهف لأنه مبتكر الفن الجميل الراقي.
جورج جرداق في كتابته لأدبه فرادة لأنه كان صاحب طريقة في إخراج الأسلوب من حيث الإيقاع والتفكير في فن التعبير بين جمال المعنى وصياغة المبنى. إذ قلما يجد قارئ أدبه إلا سحر حواره في ما سبكه حبر قلمه من ظرف إلا ويجد عكسه من مرارة المقصد لأن جورج كان صاحب طريقة في التفكير والتعبير وهذا ما ورثه عن أخيه الشاعر فؤاد جرداق الثائر والناقد اللاذع الذي ملأ دنيانا في مرجعيون من ظرفه وأدبه ونقده ومواقفه الجريئة. لم يقلده جورج بل سار على خطاه بطريقته الخاصة حيث خلق أدبه من وحي الواقع الظالم وسوء الأنظمة وممارساتها السيئة. وجورج في أحاديثه الصباحية، في إحدى الإذاعات كان مدرسة، وفي كتاباته الصحافية كان نموذجاً للناقد الموضوعي الملتزم بقضايا الناس وهمومهم اليومية لأنه كان يكتشف حسرات قلوبهم حين يروي لفنه بنكهة ساخرة وبطريقة سلسلة لأنه كان يستوحيها من أوجاعهم وطرائق عيشهم. يلبسها قميصها وهو راو بارع بأسلوب فكاهي قريب من البساطة بألوانها من حيث مطابقتها واقع الحال بما فيها من مكنوزها الجمالي وبما يحمله من مضامينها يغالب ساخر فيه حرارة الضحك وبكاء الاحتراق، كلامه فيه زخات من البرد لأنه نابع عن شكوى وألم أصحابها، كلامه تأويل لأنه قناع إبداعي كان يسكبه بقالب لغوي فيه المجاز لمن يفهمه من الكتابة والاستعارة الفنية والثورية التي تترك في القارئ بهجة السرور ومرارة الألم بين ضحكة ساخرة وبكاء على زمان وإنسان ومصير… هكذا كان جورج جرداق المرجعيوني الجنوبي العروبي يسكن مشاعره وكأنه كأس خمرة لذيذة المذاق لكن شاربها كأنه يتجرع السم، جار جورج ومحدثه يبقى حذراً من أن يقع بهفوة ويا ويله من النقد اللاذع إذا ما أساء التصرف معه. نقده صور ورسوم ساخرة يقولبها جورج على طريقته التهكمية ذات النكهة «الجرداقية» الممهورة بخطه وذوقه الحاد.
جورج جرداق الشاعر والأديب والناقد أعطى للغة مقامها اللائق وهو إمام في مسارها حيث أغناها بمؤلفه الرائع عن ثورة علي بن أبي طالب في نهج البلاغة. وجورج مكتشف مواهب، وصانع شعراء. انه صاحب قدرة خارقة على ابتكار موضوعاته بكل ما فيها من ظرف والتزام. وكان مسكوناً بخفة الظل وهو ثائر مسالم حيث كانت ثورته على الظلم والظالمين وقد أعطاها صفة الكشف عن عيوب فحاول تصحيح مسارها بأخلاقية البنّاء من أجل إعادة خلق جديد لمجتمع العادلة والحرية والإنصاف. وقد حمل في أدبه هموم المساكين والفقراء وأعطى لأدبه نكهة المعذبين والضعفاء مقصوصي الجناح الذين تقهرهم أنظمة فاسدة وحكومات تخون العهود… جورج جرداق له فكر وطني وتقدمي سخّر قلمه طوال حياته لخدمته، نادم الحقيقة ونادى بها، حارب الوصولية والانتفاعيين منها كما فضح الجشع والإقطاعيين وأصحاب النزعة اللاإنسانية فكان كل هؤلاء أعداءه، لقد كشف طرائقهم وغنى ثرواتهم… جورج جرداق أديب وشاعر إبداعي حداثي، على طريقته الساخرة أعطى لقلمه ما يرتاح إليه أسلوبه فكان الجمال صنو ما وجده في نقيض القبح.. كان جورج جرداق بسيطاً في مظهره كما كان بسيطاً في معشره وفي طريقة حياته، وقد أعطى هذه البساطة في أدبه صورة عن جمال تفكيره وعدالة رؤياه لأنه التزم إلى جانب الحق والرأفة والرحمة التي نادى بها فجعلها سيفاً في أدبه لبديل منها هو الحق والخير والجمال… جورج جرداق كان أسير فكره الإبداعي الحداثي في كل ما كتب، فغلب نقده الساخر على شعره ونثره، عايش زمننا بسخط على فاقدي الوجدان… دون أن يكسر مزراب العين.

زمان جورج جرداق
صحيفة السفير اللبنانية ـ
فرحان صالح:

جورج جرداق – حينما كنا نلتقيه كان ذلك منذ ما يزيد عن الأربعة عقود – كان مسكوناً بمرحلة تاريخية معينة من حياته، مسكوناً بأشخاص عرفهم وعرفوه، مسكوناً بأمكنة وبذكرياته فيها وبمن عرفهم والتقاهم وأصبحوا صنواً لحياته، ولا يبارحون ذاكرته وذكرياته. كان سعيد فريحة ومؤسسة الصياد مرجعية له، خاصة وهو يستعيد ما كان ينشره فيها ويكتبه عن الرحابنة عاصي ومنصور، هذان اللذان كان متفقاً معهما على كل التفاصيل التي تنشر لهما. كان محمد عبد الوهاب وأم كلثوم، التي غنت لجرداق «هذه ليلتي»، كذلك نجاة الصغيرة التي غنت أيضاً له أجمل أغانيها، كان هذا الجيل، جيله ومعه كبرت أحلام جورج جرداق.
كان زمن هؤلاء زمانه، وحينما غادروا ـ أطال الله بعمر نجاة الصغيرة ـ أصبحوا ذاكرته، مرآة حياته، ولا تخلو جلسة معه دون الحديث عن هؤلاء الأصدقاء، عن هذه العائلة ـ عائلة جورج جرداق. زمان هؤلاء توقف، وتوقف زمان جرداق بعد توقف زمن هذا الجيل، دونهم لا زمن لجرداق.
[ [ [
جورج جرداق، ابن مرجعيون، هذه المنطقة التي أنجبت وليد غلمية، وسلام الراسي وأملي نصرالله، كان قد كتب فيها وعنها فرحه وحزنه. كان فرح لبنان فرحه، وهو الذي كان ينتقد ما أوصلتنا إليه هذه الطبقة من ذل وتخلف اجتماعي ثقافي، ويقول بأن حكم الانتداب الفرنسي كان أرحم من حكم هذه الطبقة. وكان يقارن بين هذه الطبقة وعصر الانتداب، فيرى أن المقارنة كانت دائماً لمصلحة الفرنسيين.
[ [ [
مبكراً كتب جرداق موسوعة «علي صوت العدالة الإنسانية»، كانت هذه الموسوعة الشهادة الأساسية من مسيحي، حول مرحلة تاريخية معينة، وحول شخصية رأى فيها جرداق البراءة والصدق، كما رأى فيها الصورة الأكثر نضجاً والأكثر إنسانية في تاريخ إسلامي لم يبق منه في الذاكرة اليوم سوى هذه الرواسب التي تدعي الإسلام والإيمان وهي الأقرب إلى جاهلية لا إلى إسلام ينطقون باسمه ويدّعون بأنهم يمثلون رسالته.
[ [ [
منذ حوالي الستة أشهر، دعيت في القاهرة إلى ندوة، كان ذلك في بيت ومقر السفارة العراقية، كانت الدعوة من قبل السفير قيس العزاوي ممثل الجمهورية العراقية في جامعة الدول العربية. في هذا اللقاء تناول المشاركون السيرة البحثية للسفير اللبناني خالد زيادة، وحين الانتهاء من الندوة، تقدمت إلى السفير باقتراح، مضمونه تكريم جورج جرداق باعتباره من النخب الثقافية التي شكلت حلقة حوار بين لبنان والمجموعة العربية، خاصة مع العراق ومصر، وتحدثت عن الصلة بين جرداق وعبد الوهاب وأم كلثوم وفريد الأطرش وعبد الحليم ونجاة الصغيرة وفايزة أحمد ووردة الجزائرية ونجاح سلام وصباح وفيروز والرحابنة وغيرهم. وعلى الفور أثنى على الفكرة خالد زيادة ووافق عليها قيس العزاوي. وفي اليوم التالي تسلمت دعوة لتكريم جورج جرداق في القاهرة مع وفد مرافق له يضم المكرم وفرحان صالح والفنانة سهام الصافي والإعلامية زينا منصور وكاتيا يمين والموسيقار جهاد وهبي. تجدر الإشارة إلى ان مسؤولة دار الأوبرا المصرية د. ايناس عبد الدايم وافقت بعد اتصالي بها على يوم تكريمي آخر له في دار الاوبرا، على أن يتم ذلك بالتعاون بين دار الاوبرا وأكاديمية الفنون في مصر التي يرأسها سامح مهران.
تسلم جورج جرداق الدعوة، كان ذلك في إذاعة صوت لبنان، وبرفقتي الوفد المرافق لجرداق الى القاهرة. كذلك مطانيوس الحلبي وزاهي ناضر والعميد مارون خريش، ولكن فوجئنا قبل سفرنا بأسبوع باعتذار جرداق قائلاً ان وضعه الصحي سيئ، ولن يستطيع الذهاب، فاتفقنا مباشرة وفي اتصال هاتفي مع أصحاب الدعوة في مصر بأن يكون التكريم في بيروت على أن يحدد لاحقاً…
واليوم، ونحن ننعى هذا العملاق باسم حلقة الحوار الثقافي – وجرداق هو المؤسسين لهذه الجمعية، وأذكر حضوره الدائم لاجتماعاتها في التسعينيات سواء في مبنى الكونسرفاتوار الوطني، أو في منزل سلام الراسي أو في منزل إلهام كلاب أو في منزلي – لذا نتمنى على وزارة الثقافة والجامعة اللبنانية تكريم هذا العملاق بإطلاق اسمه على احدى قاعات كلية الفنون، كما نتمنى على بلدية مرجعيون إطلاق اسمه على إحدى الساحات هناك، أيضاً نطلب من وزير الاتصالات المبادرة بإصدار طابع بريدي يعيد الى الذاكرة تراث أمثال هذا الإنسان، الذي كبر لبنان به وبأمثاله.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*