حزب الله في سوريا : التدخل الطائفي وتحالف الأقليات

huzbullah - syria

صحيح أن تركيبة حزب الله هي تركيبة مغلقة طائفياً، وهذا قد يكون نتيجة بنية لبنان الطائفية والتي سبقت ولادة حزب الله بعقود، أو نتيجة البنية الإيديولوجية الخاصة بالحزب. لكن رغم ذلك، لا يمكن رصد لغة الكراهية الطائفية في خطابه، ولا أي خطاب يتحدث عن حقوق الشيعة أو امتيازاتهم في لبنان كبقية الأحزاب اللبنانية. على العكس تماماً، هو يتحدث دائماً عن مفاهيم الإخاء والوحدة مع أبناء الطوائف الأخرى، ويعتمد كثيراً على الخطاب الوطني والقومي والإسلامي.

طبعاً هذا لا ينفي عنه صفة الطائفية المتعلقة بكونه واجهة سياسية لطائفة في نظام المحاصصة اللبناني، مثله في ذلك مثل تيار المستقبل والحزب «التقدمي الاشتراكي» وغيرها من الأحزاب اللبنانية. إنّ تقويم مواقف الحزب لابد أن يراعي تداخل تركيبته الطائفية وموقعه في نظام المحاصصة اللبناني مع المسألة الأهم بالنسبة إليه وهي كونه حركة مقاومة عربية. إن أولويات حزب الله يتداخل فيها الأمران، لكن المقدّم دائماً في عقله هو أنه حركة مقاومة، وهو ما يفسر كثيراً من سلوكياته ومواقفه، وما يعجز كثيرون من مستسهلي التفسير الطائفي للمواقف عن فهمه، ما يجعل تحليلهم غالباً بعيداً عن الدقة.

عندما نعود للحوادث التي رافقت نشأة الحزب وحتى الفترة ما قبل تحرير جنوب لبنان عام ٢٠٠٠، فلن نجد حوادث يمكن فحصها بشأن المسألة الطائفية سوى الحرب الأهلية. هذه الحرب التي بدأت قبل انطلاقة الحزب بسنوات، بقي حزب الله بعيداً عنها سوى من حوادث معدودة، كصدامات مع ضباط في الجيش السوري (1)، أو المعارك مع حركة أمل. وكانت هذه المعارك سببها الأساسي هو موقف الحركة من المخيمات الفلسطينية وصراعها مع الفلسطينيين، لذلك كانت خلفية حزب الله في هذه المعارك هي الدفاع عن أهل القضية التي يعتقدها مركزية.

لكن الحوادث بعد عام ٢٠٠٠ كالغزو الأميركي لأفغانستان والعراق كانت مفاصل مهمة، وإذا كان موقف الحزب ضد الغزو لأفغانستان مفهوماً لعدم دخول المسألة الطائفية فيه بشكل بارز، فإن موقف الحزب ضد غزو العراق ودعوته للمصالحة مع نظام صدام حسين كان لافتاً. إنّ حركات الاسلام السياسي الشيعي كانت أمام قضية حساسة بعد التهديد الأميركي بغزو العراق، بين الترحيب به للتخلص من نظام جائر يقمع «الغالبية الشيعية في العراق»، وبين الوقوف مع بلد عربي يتعرض لغزو خارجي. إنّ مجموعة من هذه الحركات أيدت بشكل سافر ذلك الغزو، وبعضها دخل في اجتماعات تحضيرية قبل الغزو وغالبيتها دخلت في العملية السياسية التي صاغها الاحتلال. إن موقف حزب الله كان واضحاً وبلا أي لبث في رفض الغزو واعتباره خطراً حقيقياً على الأمة، بل إن موقفه تعدى مجرد الرفض إلى الدعوة بشكل جدي للوصول إلى تسوية مع نظام صدام حسين لمنع وقوع الاحتلال.

في هذا السياق، وقبل ذكر موقف حزب الله هذا مفيد أن نعود للحاضر قليلاً، وبالتحديد عندما ازدادت وتيرة التهديد الأميركي بالقيام بضربة عسكرية ضد سوريا على خلفية أزمة السلاح الكيميائي. حينها، لم يختلف كثيراً موقف أطراف المعارضة السورية عن من أيد غزو العراق، في الترحيب بهذه الضربة والتحريض عليها. بل إن اطرافاً وشخصيات معارضة سورية قامت بالتحريض للتدخل الخارجي العسكري على طريقة ما حدث في ليبيا منذ الأشهر الأولى لعسكرة الأزمة السورية، وموقف الترحيب بالضربة الأميركية كان موقف كثير من النخب العربية أيضاً، من مختلف التيارات. والمثير للسخرية حالة الإحباط الذي عبّر عنها كثير منهم عندما عدلت أميركا عن توجيه ضربتها. لكن ماذا كان في المقابل موقف حزب الله قبل عقد من الزمن؟

في خطابٍ قبل غزو العراق بأشهر (٢) عام ٢٠٠٢، وحين كانت احتمالات الغزو الأميركي تلوح في الأفق، خصص الأمين العام للحزب جلّ خطابه للخطر المحدق حينها على العراق وقال في جزء من مقدمته: «المسألة… ليست مسألة مصير بلد لوحده، إنما مصير أمة بكاملها. هي ليست مسألة مصير العراق، ولا نظام العراق ولا المعارضة العراقية ولا شعب العراق لوحدهم، انما هي مصيرنا جميعاً، في زمن الفتنة نحن بحاجة للحكمة وللشجاعة».

استفاض السيد نصرالله حينها بالحديث عن تبعات الحروب على الأمة، وعلى القضية الفلسطينية بالتحديد. وتوجه بحديثه للعراقيين والكويتيين بالقول: «نحن أمة أمامها مستقبل، ولا يجب أن تكون بيننا عداوة مطلقة». وتوجه لهم مباشرة بالقول: «الحرب الأميركية على العراق ليس هدفها إنقاذ الشعب العراقي، الحرب الأميركية على العراق ليس هدفها حماية الشعب الكويتي، وحتى الذين لديهم موقف حاسم من نظام صدام حسين، [نقول لهم] الحرب الأميركية على العراق ليس هدفها فقط إزالة نظام صدام حسين».

وطرح دعوته الشخصية قائلاً «وفكرة الحل هي: – قيل الكثير عن تنحي صدام حسين، انا لا اتحدث بهذه اللغة – أمام خطر يتهدد العراق وشعب العراق والأمة بكاملها، هناك مستوى من المسؤولية مطلوب من النظام العراقي والمعارضة العراقية، وهو الدعوة الى مصالحة وطنية عراقية». وطرح تصوراً تفصيلياً لها، ثم قال «في ظل استعداد عراقي من الطرفين  للمصالحة الوطنية الحقيقية الصادقة إذا أصرت الولايات المتحدة على مهاجمة العراق، فحينئذ لا يكفي أنّ نقول لا يجوز أن يتعامل احد مع الأميركيين بل يومها يجب أن نقول يجب على كل مسلم وعربي بالغ رشيد قادر على حمل السلاح أن يقاتل الأميركيين دفاعاً عن العراق». إن هذه الدعوة تكررت في أكثر من خطاب في فترة ماقبل الغزو. وفي فترة ما بعد الغزو -ورغم دخول الحزب في دوامة أزمات ما بعد قرار ١٥٥٩ عام ٢٠٠٤- واصل الحزب موقفه الداعم بالقول والفعل للمقاومة العراقية (٣). إن موقف حزب الله السياسي الذي أطلقه في سوريا كان نظير موقف الحزب السابق في العراق باعتبار واحد هو أولوية مصلحة الأمة، وهو ما يؤكد نظرة حزب الله لوقائع المنطقة انطلاقاً من كونه حركة مقاومة عربية في الأساس. مع ملاحظة الفرق بين النظامين في رؤيته، إذ إنّ نظام صدام حسين كان ضد حزب الله وكانت المقاومة تعتبره استجلب الكوارث على الأمة بحروبه العبثية. في مقابل النظام السوري الذي كان فعله هو دعم المقاومة في لبنان وفلسطين. إن الحزب استعمل الدعوة نفسها إجمالاً في كلا الحالتين، وهي الحوار السياسي والمصالحة الوطنية مع النظام الحاكم.

حزب الله والموقف من الثورة السورية

إن حزب الله ومع اندلاع الحركات الشعبية المفاجئة في بلدان عربية عدة، رأى فيها فرصة كبيرة لخدمة القضية المركزية بسقوط أنظمة خاضعة لسيطرة الغرب وبالخصوص الإدارة الأميركية. لذلك رحب فيها مباشرة، وبالخصوص ثورتي تونس ومصر. لكن اندلاع شرارة الاحتجاجات في سوريا بالتأكيد جعل حزب الله مربكاً، بسبب علاقته مع النظام وحاجات لبنان الاساسية التي تفرضها الجغرافيا من سوريا. بعد ٧٠ يوماً من الحوادث في سوريا علّق حزب الله للمرة الأولى عليها. في ذلك التعليق شرح السيد نصرالله معيار الحزب في موقفه من الثورات، وهو موقف النظام من القضية المركزية وقابليته للإصلاح. ثم شرح مطولاً أهمية سوريا وموقعها بالنسبة للمقاومة والصراع العربي ـ الإسرائيلي. ودعا الشعب السوري إلى الحفاظ على بلده وترك المجال للحوار للوصول للإصلاحات المطلوبة، وقال «يجب أن نتعاون لتخرج سوريا قوية منيعة لأن في هذا مصلحة سورية ومصلحة لبنانية ومصلحة عربية ومصلحة للأمة» (٤).

يمكن إجراء تحليل مفصل لموقف حزب الله السياسي وتطوره إزاء الحوادث المتسارعة على المشهد السوري – وهذا مهم- لكن النقطة الأهم أن تطور موقفه الى التدخل العسكري لم يكن لمنع عملية تحول ديمقراطي كانت تحدث في سوريا، أي إن الحزب لم يتدخل لقمع ثورة تغيير على نظام مستبد فاسد، وإنما تدخل بعد تحول المشهد السوري إلى حرب إقليمية ودولية على الساحة السورية في إطار الصراع على خيارات سوريا الاستراتيجية لا على شكل نظام الحكم فيها وقضايا الديمقراطية والاستبداد. الحزب لم يتدخل عسكرياً ليحارب جماعات ثورية صاحبة مشروع تحول ديمقراطي وينصر النظام عليها، بل جماعات متشددة تريد فرض مشروعها ونظامها اللاديمقراطي للحكم وجماعات مسلحة أخرى هي أداة مباشرة لأميركا. وهي أيضاً جماعات متهمة بانتهاكات لحقوق المدنيين والقتل على الهوية.

إن الوقوف ضد تدخل الحزب في سوريا بحجة لا أخلاقيته -لا كموقف سياسي- أمر غير مفهوم لمن يؤيد الجماعات المسلحة في الطرف المواجه له في ظل ثبوت الانتهاكات التي ارتكبتها ضد المدنيين. عكس حزب الله، والذي رغم كل الدعايات التي تتحدث عن جرائم يرتكبها بحق المدنيين لم يثبت عليه دليل واحد، وهو ما يتسق مع تاريخ الحزب في مراعاة موضوع المدنيين -وحتى العملاء- في الحروب. بل إن حزب الله كان له دور بارز في احتضان اللاجئين السوريين في لبنان ومساعدة المدنيين داخل سوريا (٥).

ومع تسارع الحوادث أيضاً، تبين حجم التبعية الكبيرة لجماعات المعارضة السورية لدول إقلمية أو دول كبرى لا علاقة لها بالتحول الديمقراطي. قال السيد نصرالله في أحد خطاباته الأخيرة تعليقاً على هذه الاتهامات: «الآن ما هو الموجود في سوريا؟ ما هو تقييمكم للواقع الآن… أقصى شيء يمكن أن يصل له الشخص في تقييمه (لموقفنا في بداية الأحداث) أننا كنا مخطئين… لا بأس كنا مخطئين، لكن الآن؟ أنت المخطئ» (٦). وفي خطابه الأخير في حفل افتتاح منتدى جبل عامل الثقافي قال: «وصلنا لمرحلة صار واضحاً فيها ما هي المعركة في سوريا نتيجة حجم التدخل الدولي والاقليمي… لم يعد الموضوع مقام السيدة زينب أو اللبنانيين المقيمين في سوريا، منذ ذاك الوقت صار الموضوع موضوع المقاومة ومستقبل المقاومة والهوية السياسية للمنطقة» (٧).
ومن هذه المواقف يظهر دافع حزب الله من التدخل في سوريا وهو الدفاع عن مشروع المقاومة الذي يتبناه والهوية السياسية للمنطقة. قد يعتبر بعض مواقفَ حزب الله منذ بداية الحوادث بربط الأوضاع في سوريا بالخطر على القضية الفلسطينية أو على مستقبل المنطقة السياسية، محض شعارات فارغة، لكن تبدو الآن الصورة أوضح حول حقيقة المعركة الاقليمية في سوريا.

النظام البديل في سوريا

كثير من الكتاب والشخصيات أيضاً دعا حزب الله الى انتظار النظام البديل، واغلب هذه الدعوات مستندة إلى حجة أن الشعب السوري هو شعب بطبيعته ذو حس قومي ولن يتوقف عن دعم المقاومة. إنّ هذه الحجة تبدو شعاراً أكثر منها ضمانة حقيقية. فحزب الله يعتقد، وهذا حسب التجربة في المشهد العربي، أنه مهما كان الشعب حيوياً وداعماً لخيارات قومية، فإن هذا الشعب لن يغير في توجه النظام الحاكم. بل إن معظم الحركات السياسية -وضمنها الإسلامية- لا تحمل أي مشروع مواجهة الآن، وتفضل تثبيت اقدامها في الحكم. وفي حالة مصر خير شاهد، إذ كان حصار غزة ووتيرة هدم الأنفاق في تصاعد في عهد الرئيس الإخواني محمد مرسي. علق السيد نصرالله مبكراً على هذه المسألة، وقال «بعض الاصدقاء المشتركين قالوا لنا لماذا انتم قلقين من اسقاط النظام؟ نحن نتعهد لكم أنّ النظام الجديد يدعم المقاومة ويوصل لكم السلاح والذخيرة… بعض القيادات الاسلامية اليوم -وهم اصدقائي- الآن ونظراً إلى الظروف السياسية في بلدانهم لا يأخذون مواقف واضحة في القضية القومية والموضوع الاسرائيلي، بل أحياناً تصدر عنهم مواقف ملتبسة، وعندما نراجعهم ونناقشهم يقال لنا هناك ظروف ولابد أن نتفهمها، وبعض هذه الانظمة بعيدة وليست دولة طوق (حدود فلسطين)، فكيف وسوريا دولة طوق وهناك مطلب اميركي ـ إسرائيلي، وهو رأس المقاومة في لبنان وفلسطين ورأس القضية الفلسطينية» (٨).

حزب الله يعترف بوجود حالة شعبية حقيقية خرجت في بداية الحوادث في كل الدول العربية التي شهدت انتفاضات، وله رؤية حول ذلك طرحها أمينه العام في لقائه الأخير مع صحيفة «السفير» (٩). لكنه لم يرَ أُفقاً لمشروع ثوري أو إصلاحي تحمله القوى المعارضة السياسية السورية، بل رأى أفقاً لمشروع يستهدف ما يعتقده مشروع المقاومة. منذ الضخ الإعلامي الذي استهدفه حتى قبل تعليقه الأول، الى تصريحات قيادات معارضة سورية حول اسرائيل وقطع العلاقة مع حركات المقاومة، كلها مؤشرات أثارت ريبته (10). تحولت مجموعات من المعارضة إلى مجرد أدوات تديرها مجموعة من الدول الإقليمية وتشرف على تنظيم صفوفها واشنطن، وارتفعت النبرة الطائفية عند جزء من القيادات السياسية المعارضة، أو القيادات العسكرية سواء في الجيش الحر أو الجماعات الجهادية (11). عندها، زاد يقين حزب الله أن البديل المعد سيكون وفق ما تريده الدول الراعية لهذه الجماعات. بل إنه رأى أن تقوم به المعارضة عملاً جدياً لحصاره في مناطقه على الحدود، وفي بعض الأحيان أعمالاً تجسسية ضد معسكراته وطرق امداده (12).

إن الدخول العسكري بحسب توصيف حزب الله لم يكن ضد ثورة، فالثورة انتهت وصار هناك واقع جديد فيه جماعات مرتبطة بمشاريع أميركية واقليمية تستهدف المقاومة بحسب تصور الحزب (13). يمكن الاختلاف مع موقف حزب الله السياسي في بداية الحوادث من الحراك الشعبي في سوريا ومسألة أولوياته في تلك المرحلة، ونقد هذا الموقف بوصفه متناقضاً مع التطلع الديمقراطي. لكن، لا يمكن الحديث بهذا الشكل حول تدخله العسكري الذي جاء بعد التحول الكبير في الساحة السورية لتصبح ملعباً لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، مع تغييب القوى السورية الديمقراطية لمصلحة جماعات معارضة بلا قرار وطني أو قومي وجماعات مسلحة غير ديمقراطية تُستخدم.

إنّ السيد نصرالله رغم ذلك لم يتوقف عن تأكيد ـ في جميع خطاباته ـ رفضه للحسم العسكري وعدم وجود أفق له، لا للنظام ولا للمعارضة السورية. ورغم أن قتاله يُصَوَّر بأنه يساعد النظام في البقاء، لكنه دائماً يؤكد أنه لا يهدف لحسم عسكري يهزم المعارضة في كامل سوريا. بل أكد في أحد خطاباته: «لا ندعو النظام للحسم العسكري حتى ولو كان يملك القدرة عليه» (14). وما يقال داخل الغرف المغلقة هو بالتأكيد أكثر مما يقال في العلن، فقد نقل المعارض السوري هيثم مناع من مراسلاته مع السيد نصرالله «أنه يرفض انتصار النظام والمعارضة لأن ذلك سيكون كارثياً» وأنه مع الحل السياسي (15). وهذا الأمر يؤكد أيضاً اختلاف أولويات النظام السوري والمقاومة، إذ تسعى المقاومة للحفاظ على إسناد المقاومة وعلى الموقف الاستراتيجي لسوريا في القضية المركزية، لا الحفاظ على النظام بصيغته الاستبدادية الحالية (16).

التدخل العسكري والدافع الطائفي

إنّ أهداف التدخل لحزب الله وتدرجه في هذا التدخل السوري له مبرراته، ولكن هنا يهمنا تبيان أنّ المسألة الطائفية هي ليست أبداً عاملاً من عوامل تدخله. إنّ الادعاء الذي تقدمه شريحة كبيرة من الكتاب، بمختلف اتجاهاتهم، يسقط عند التفكير قليلاً في حقيقة القيمة المذهبية الذي يستفيد منها حزب الله في سوريا.

إنّ صعود الشيعية السياسية في المنطقة يمكن التأريخ له من لحظة غزو العراق. فمن ناحية اعلامية، لم تكن بين القنوات الفضائية العربية أي قناة شيعية قبل الغزو، سوى قناة «سحر» الإيرانية (التي تحولت لاحقاً للكوثر) وقناة «المنار» على خلفية تبعيتها لحزب الله -رغم أنها لم تكن دينية شيعية-. إنّ سقوط النظام العراقي بعد الغزو أعطى الشيعة بتياريها، التقليدي والسياسي، دفعة وساحة عمل كبيرة وهي العراق. فالشيعة التقليديون أعادوا للشعائر الدينية (زيارة المراقد وغيرها) موقعاً مهماً في الوسط الشيعي. أما السياسي الإسلامي الشيعي فقد تمكن من الوصول للسلطة في بلد عربي مهم له وزنه وثقله.
إنّ سوريا ورغم علاقتها الوثيقة بالنظام الإيراني، لم تكن تشكل اي بعد وجداني ولا سياسي حقيقي للشيعة. بل كان جزء كبير من التيارات الشيعية على كراهية مع النظام السوري -ومنها التيارات الحاكمة في العراق الآن- (وإن اختلف موقفها بعد الأزمة فدعمت النظام). لذلك، فإن موقف حزب الله الرافض للغزو والداعم للمقاومة العراقية (والذي ما زال يبجّل المقاومة العراقية بنسب شرف دحر الاحتلال الاميركي لها)، هو عين الحماقة السياسية لو كان حزب الله يفكر بنفس تفكير أي تنظيم سياسي شيعي صرف. إنّ موقف حزب الله هذا جعله – إلى يومنا هذا – تحت سهام نقد تيارات شيعية مختلفة باتهامه بالتخاذل في الحد الادنى، والتواطؤ والمسؤولية المباشرة بالحد الاقصى في دعم الحركات الجهادية السنية المسلحة في العراق، أكان بالتدريب المباشر (1٧)، أم بعدم الضغط على النظام السوري لإقفال حدوده مع العراق حيث يعبر منها الجهاديون الى العراق.

إن استقرار العراق، هو أمر مهم لأي تيار شيعي لأنه يشكل خزاناً بشرياً حقيقياً له. رغم ذلك، لم نشاهد حزب الله يرسل جنوده لمساعدة الحكومة العراقية لمحاربة الارهاب التكفيري هناك. وهو أيضاً لم يتدخل لحماية مكتسبات الشيعة في الحكومة المركزية في بغداد ضد الجهاديين. وأيضاً لم يتدخل لحماية الشيعة من تفجيرات السيارات المفخخة.

قضية أخرى أكثر دلالةً، هي مدى واقعية الادعاء المتكرر بأن حزب الله في سوريا ذهب لحماية المراقد الشيعية. والملاحظ أنّ كثيراً ممن شنعوا على حزب الله وجوده للمساعدة في حماية المقام، لم يعلقوا على تهديد تركيا -وهي في المناسبة من ضمن من استنكر على الحزب وجوده لحماية المقام- بالتدخل العسكري لحماية مقام جد مؤسس الدولة العثمانية. أولاً يجب لفت الانتباه، إلى أن الأمين العام لحزب الله لم يستخدم موضوع المراقد كهدف تدخله، وإن موضوع المراقد ذكر مرتين فقط وبعد معركة القصير بأشهر من مجمل لا يقل عن ٥ خطابات تطرق فيها الأمين العام لحزب الله إلى تدخله في سوريا، وهاتان المرتان كانتا لتوضيح سبب وجود الحزب هناك للرد على الحملات الإعلامية التي ركزت على هذه القضية.

إن أقدس المراقد الشيعية الموجودة في سوريا (مقام السيدة زينب)، لا يوازي مقاماً واحداً من المقامات الشيعية في العراق لناحية القداسة والحضور في الوجدان الشيعي. في العراق يوجد مقامات لستة من اصل ١٤ معصوم يعتقد بهم الشيعة، في مقابل مقام السيدة زينب في سوريا إذ إنها لا تعتبر معصومة. إن حزب الله كان أولى به -لو سلمنا بالمنطلق العقائدي- أن يهب للدفاع عن مقام الامام الحسين الذي يمثل ركيزة اساسية في وجدان حزب الله بالتحديد عندما بدأ يتعرض محيطه للعمليات الانتحارية بعد غزو العراق (1٨). بل إن حزب الله كان لا بد أن تستثار عواطفه عندما تم نسف قبتي مرقدي الإمامين العسكريين في مطلع عام ٢٠٠٦. الحقيقة التي لا يمكن تجاوزها هي أن حزب الله لم ينظم حتى تظاهرة احتجاج على إثر ذلك، كما فعل عندما حاصرت القوات الاميركية النجف الأشرف عام ٢٠٠٤. بل حمّل في بيان له الاحتلال مسؤولية الجريمة، ودعا المسلمين للوحدة واليقظة من الأفخاخ التي ينصبها الحلف الأميركي – الصهيوني «وهذا يتطلب منهم اختزان هذا الغضب وتحويله نحو اعداء الأمة الحقيقيين» (1٩)، في حين اندفعت تيارات شيعية طائفية في العراق لخوض حرب أهلية إثر تفجير المرقدين.

حتى بالنسبة إلى تدخله العسكري الآن في سوريا، فقد سبقه عملية خطف استهدفت لبنانيين شيعة واستمرت أكثر من سنة، وكان الخاطفون يقومون بعملية ابتزاز واضحة لحزب الله، لم يتدخل حزب الله لتحريرهم ولا لتنفيذ عمليات انتقام ضد خاطفيهم أو مؤيديهم. أيضاً، لم يُحرِّك حزب الله من أجل عمليات القتل على الهوية، وحصار القرى الشيعية في حمص وغيرها أياً من مقاتليه. بل كان مجال معاركه الرئيسية في القصير أو القلمون أو الغوطة له علاقة مباشرة بعمق المقاومة الاستراتيجي، أو إمكانات المقاومة اللوجستية في سوريا، وأيضاً حماية البيئة الداخلية في لبنان وخصوصاً بعد موجة التفجيرات الانتحارية التي اجتاحته من السيارات المفخخة الآتية من سوريا (20).

لذلك، هذه الشواهد الواضحة تجعل اتهام حزب الله بالتدخل الطائفي في سوريا بحاجة إلى أدلة عدة أكثر رصانة من هذه المغالطات، وبعيداً عن حالة النقد الهستيري للحزب بترديد ادعاءات لم تثبت صحتها ومحاولة جعلها حقائق لا تقبل النقاش والجدل. إنّ هذه الشواهد بالتأكيد لا تريد الوصول لخلاصة أنّ حزب الله هو حزب علماني ويحمل صفة الاسلامية على الورق فقط. بالتأكيد حزب الله بفعل تركيبته الشيعية يراعي الشارع الشيعي أكان داخل لبنان أم خارجه، فمثلاً، حزب الله لا يوجه سهام نقده بشكل علني للمشايخ الشيعة الذين كان لهم موقف سيء من غزو العراق. وهو يستخدم الوجدان الشيعي في بنيته العقائدية لمجاهديه. لكن هذه الشواهد من تركيبة الحزب وعقيدته، لا تنفي الركيزة الأساس في رؤية الحزب لنفسه كحركة مقاومة عربية وبناء حساباته في المنطقة على هذا الأساس.

صحيفة الاخبار اللبنانية –
رضا البوري

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*