زيارة #ظريف لـ #تركيا، قراءة في المعاني والدلالات

13950522000339_Test_PhotoI

في أول زيارة لمسؤول إيراني إلى تركيا بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة، حط وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، اول أمس الجمعة 12 أغسطس/آب، الرحال في العاصمة التركية أنقرة، في خطوة حملت الكثير من المعاني والدلالات.

الحفاوة التي استُقبل بها وزير الخارجية الإيراني وجدول أعماله المكتظ الذي شمل لقاءات مع أعلى المسؤولين الأتراك وعلى رأسهم الرئيس رجب طيب أردوغان، واللقاء المغلق الذي جمع ظريف وأردوغان في المجمع الرئاسي لأكثر من ثلاث ساعات، يُنبئ بأن العلاقة بين البلدين والتنسيق المشترك في القضايا الاقليمية، مقبل على مزيد من التقارب، لا سيما بعد موقف إيران من الانقلاب الفاشل، ومسارعتها إلى إدانة الانقلاب منذ ساعاته الأولى وإعلان تضامنها مع الحكومة التركية المنتخبة، في الوقت الذي غابت فيه العديد من الدول التي كانت تعتبر حليفة للنظام التركي عن مساندة الدولة التركية في أحلك ظروفها.

وتأتي هذه الزيارة بعد يومين من لقاء القمة الناجح بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره التركي أردوغان، والذي انعقد في مدينة سان بطرسبورغ الروسية في 9 أغسطس/آب الجاري، حيث يندرج هذين اللقائين في إطار ما يصفه مراقبون مراجعة شاملة تقوم بها تركيا لتحالفاتها السابقة، وإعادة صياغة تحالفاتها الدولية من جديد، وذلك في ظل المواقف التي اتخذتها الدول من الانقلاب الفاشل وصدمة تركيا من مواقف دول كانت تُعتبر حليفة على رأسها أمريكا والسعودية.

وفيما يلي نقف على بعض من أهم دلالات هذه الزيارة الهامة، وتأثيراتها على الصعد المحلية والاقليمية:

أولاً: الملف السوري

وهو الملف الأبرز في الزيارة، حيث أكدت مصادر دبلوماسية ايرانية أن وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف طرح على المسؤولين الأتراك فكرة عقد لقاء ثلاثي تركي- روسي– إيراني، من اجل مناقشة سبل تسوية الأزمة السورية، بما يحقق مصالح دول المنطقة. وهو ما يعني محاولة جذب تركيا إلى حلف جديد، يُعنى بحل الأزمة السورية، بعيداً عن الاصطفاف التركي السابق إلى جانب أمريكا والدول الخليجية التي لم تثبت حسن نواياها خلال الأحداث الأخيرة في تركيا، إلا أن مدى استجابة تركيا لهذا العرض ما تزال غير واضحة خاصة مع التعقيدات التي تحكم علاقتها مع أمريكا والغرب وحلف الناتو، لكن الشيء الثابت هو أن علاقة تركيا مع حلفائها السابقين لن تبقى كما كانت.

كما أن هناك قاسم مشترك في الملف السوري يجعل من فكرة التحالف الثلاثي أقرب إلى التحقيق، وهو قضية وحدة الأراضي السورية، ورفض التقسيم، حيث تعتبر كل من إيران وروسيا وتركيا هذا الأمر خطاً أحمراً، وهو ما بدا جلياً بالتصريحات التي أطلقها وزيري الخارجية الإيراني والتركي في المؤتمر الصحفي الذي جمعهما في أنقرة. فبالنسبة إلى تركيا فإن خيار التقسيم يعني أنها ستكون أمام دولة كردية على حدودها الجنوبية، مما يشجع المطالب الانفصالية لأكراد تركيا، وتجعل تركيا أمام نارين: إما التقسيم أو الحرب الأهلية. أما إيران فلديها موقف مبدأي من وحدة الأراضي السورية، ودعم دور سوريا في محور المقاومة.

من ناحية أخرى تشكل مسألة محاربة الجماعات الارهابية في سوريا قاسماً مشتركاً آخر بين إيران وتركيا، خاصة مع التهديد الذي بدأ يشكله تنظيم داعش الارهابي على الأمن التركي، والعمليات الارهابية التي استهدفت المدن والمطارات التركية، كما أن أي تغيير في مواقف تركيا من توفير الممر والاسناد للجماعات التي تدعمها قطر والسعودية قد ينعكس أعمالاً ارهابية داخل تركيا، وهو ما يتطلب تعاون كبير مع إيران وروسيا لمواجهتها.

ثانياً: تأكيد على الصداقة الإيرانية التركية

حيث تأتي هذه الزيارة تتويجاً للموقف الإيراني من الانقلاب التركي الفاشل، والذي شكل ميدان اختبار لمعرفة أصدقاء تركيا الحقيقيين، وقد علّق مستشار المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، علي ولايتي، على زيارة ظريف إلى تركيا، بأنها خطوة قيمة لتأكيد الصداقة بين البلدين، وقال ولايتي بأن الحوادث الأخيرة أثبتت أن إيران صديقة حقيقية لتركيا، وأوضح بأنه بالرغم من خلافات إيران مع تركيا إلا أنها وقفت إلى جانب تركيا حكومة وشعباً خلال محاولة الانقلاب العسكري وقدمت دعمها لها.

وبالرغم من أن العلاقات التركية الإيرانية بقيت محافظة على وتيرة جيدة خلال السنوات الماضية، إلا أنها لم تبلغ مستوى أن يكون كلا البلدين عمقاً استراتيجياً للآخر، لكن المستجدات الأخيرة من شأنها أن تجعل من هذه المسألة أمراً واقعاً. حيث يعمل البلدان على رفع مستوى التبادل التجاري ليصل إلى 30 مليار دولار سنوياً، وزيادة حجم استيراد الغاز الإيراني، ونقل الغاز الإيراني إلى أوروبا عبر تركيا، وغيرها من المشاريع الاقتصادية الحيوية للبلدين.

ثالثاً: الأمن القومي الإيراني-التركي

حيث أكد وزير الخارجية التركي على أهمية التعاون الأمني بين البلدين، وقال بأن أمن واستقرار إيران، من أمن واستقرار تركيا، فإيران التي أعلنت خلال الشهور الماضية عن تفكيك العديد من الخلايا الارهابية التي كانت تخطط لتفجيرات ارهابية في كبرى المدن الإيرانية، لديها هواجس أمنية من تنظيم داعش الارهابي الذي هدد أكثر من مرة بتنفيذ عمليات ارهابية في الداخل الإيراني، ومن ناحية أخرى تشكل منظمة “مجاهدي خلق” الارهابية هاجساً أمنياً آخر لدى إيران، خاصة مع الدعم الذي تحظى به هذه الجماعة من السعودية، والتصريحات العلنية لرئيس المخابرات السعودي السابق تركي الفيصل الداعمة لها، ومن هنا يأتي تصريح وزير الخارجية التركي بمثابة تعهد بأن تركيا لن تكون ممراً للدعم السعودي لأي خلايا للجماعات الارهابية في إيران.

إن فرضية الاستدارة الكاملة لتركيا في تحالفاتها الدولية قد لا تكون بالامر السهل، خاصة مع التقعيدات التي تحكم علاقة تركيا بالغرب وحلف الناتو، إلا أن تركيا اليوم تقف أمام فرصة تاريخية، للانعتاق من اليد الأمريكية، وترتيب تحالفات متينة مع جيرانها تسهم في استقرار المنطقة ككل، خاصة بعد ثبوت النفاق الأمريكي فيما يخص المصالح التركية، الذي تجلى في الموقف المشبوه من الانقلاب العسكري الفاشل. ما تحتاجه تركيا هو الشجاعة الكافية لقول “لا” كبيرة لأمريكا، وإعادة رسم مصير المنطقة بالشراكة مع جيرانها، بعيداً عن أطماع الخارجيين.

المصدر: وكالة أنباء فارس

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.