كازاخِستان السيّادة والإنسانية

 

 

موقع إنباء الإخباري ـ
الأكاديمي مروان سوداح*:

 اللافت للملاحظة، أن الاحتفال الوطني بالذكرى الـ27 لاستقلال جمهورية كازاخستان تزامن فعلاً  وواقعاً مع تحرير مجموعة من المواطنات والمواطنين والأطفال الكازاخيين، من بين مخالب الارهاب الدولي في سورية الصّمود والتصدّي والتحدي، بالتعاون مع بقية القوى الجادة التي تناضل في الميدان والجو والبحر، لتصفية هذه الآفة وكنسها عن  تراب الدولة السورية الشقيقة والمنطقة العربية.

 مؤخراً، أعلن رئيس جمهورية كازاخستان، فخامة السيد نور سلطان نزارباييف، أنه “تم إخراج 47 مواطناً كازاخستانياً، من بينهم 30 طفلاً، من سورية”، مُشيراً إلى أنه إنطلت عليهم الخديعة حين توجّهوا إلى سورية التي مزّقتها الحرب، حيث احتجزهم هناك الإرهابيون رهائن، وأكد الرئيس “مواصلة العمل على إعادة الأطفال (الذين تم أخذهم عنوةً) إلى منطقة  قتال رغماً عنهم”.

 هذا التزامن في إنقاذ الأسرى الكازاخيين من مخالب الارهاب الدولي، يأتي في إطار  استمرار كازاخستان بإنجاز انتصارات متتالية على صعيد حماية الدولة، والتعزيز المضطّرد لسيادتها، كذلك ضمان آمان الشعب الكازاخستاني المتعدّد القوميات، والحِرص على النساء والأطفال بالدرجة الاولى، ليس في دور الرعاية والطفولة فحسب، بل وفي مناطق النزاعات والصراعات، حيث تسارع الدولة بالتعاون مع جارتها روسيا، إلى تنظيم المؤتمرات واللقاءات بين الأطراف المتواجهة، من أجل الوصول الى حل سلمي وناجز للازمات الطاحنة، ولا عجب في هذا إذ تخلّت الدولة الكازاخستانية عن سلاحها النووي الموروث، ورفعت  شعار السلام الشامل، وراية العمل من أجل تجنيب البشرية حرباً نووية وإبادات لم يسبق لها مثيل.

  في كلمته الاحتفائية بالذكرى 27 لإستقلال الدولة الكازاخستانية، أكد سفير جمهورية كازاخستان السيد عظامات برديباي: “يمكنني اليوم القول بثقة وفخر، أن كازاخستان وعلى مدار 27 عاماً من التطوير المستقل، تتمتع بمواطنة كاملة ومسؤولة ومحترمة في المجتمع العالمي.. واليوم جمهورية كازاخستان المستقلة، هي دولة ناجحة ومزدهرة، ونحن معرفون في جميع أنحاء العالم”.

 كازاخستان التي تعرّفت عليها في زيارتي إليها بدعوة رسمية قبل عدة سنوات، وقرأنا هناك أنا وزوجتي محاضرات كثيرة في جامعتها الآوراسية – “ليف غوميليوف” العريقة والطليعية، أرتقت بقفزات واسعة إلى طبقات جديدة في الأعالي. فعلى مدار فترة إستقلالها، جذبت الجمهورية الاستثمارات الأجنبية المباشرة بقيمة أكثر من 300 مليار دولار “فقط”!، وفي عام 2018م، احتلت كازاخستان المرتبة 28 في تصنيف “Doing business”  بحسب تقرير البنك الدولي ومؤسسة التمويل الدولية، في الترتيب العالمي للقدرة التنافسية لعام 2018، احتلت كازاخستان المركز38.

 

 ولعل نقل العاصمة الجديدة إلى “آستـنه”، بكل مؤسساتها الحكومية والاقتصادية والاجتماعية الرئيسية، وتحويلها إلى مركز مالي وتجاري وثقافي مُبتكر للمنطقة الأوراسية، يُعدُ أحد الانجازات على مستوى القارة الآسيوية والعالم. إضافة الى ذلك، فأن الدولة الكازاخستانية بمشروعها التنموي الشاسع بحلول عام 2050، ستخترق فضاءات لم تحلم بها الكثير من دول الكون الكبيرة حتى، إذ أن إنضِمام كازاخستان إلى أكبر ثلاثين إقتصاداً تنافسياً في العالم، مع تلبيةِ المعايير العالميةِ الأكثر تقدُّماً من حيث الأداء الاقتصادي والشفافية، سيأخذ بها الى مركز حضاري أكثر تألقاً وعلوّاً.

 وعلى خلفية توتر الاوضاع الدولية حالياً، والمواجهات المباشرة بين الدول الكبرى والصُغرى على حد سواء، وسعي الغرب السياسي  الى الهيمنة  على منطقة “الشرق الاوسط”، ومساعيه لتكريس إحتلال طرق المواصلات الدولية البرية والبحرية والجوية لضرب طريق الحرير الصيني الجديد “الحزام والطريق”‘ إلى جانب أهداف جيوسياسية عديدة، منها محاصرة الصين وروسيا، ونهب خيرات “الهارد لاند” الآسيوية، تبرز الدول الصغيرة والمتوسطة مساحة وسكاناً في المربع الأول، لتلعب أدوار أكثر نشاطاً وأخرى مقررة في السياسة العالمية من خلال وحدتها وبُعد بصيرتها السياسية، وعلى قاعدة تفهّمها لضرورات التكاتف الجماعي لتشكيل جدار عالمي تحتمي به من عسف التغوّل الدولي على سيادتها ومقدّراتها.

 وأُلاحظ هنا، أن كازاخستان تعمل في إتجاه جَمع الدول الصديقة لها، على صخرة ترتيبات دولية تحمي استقلالها ومستقبلها بفعالية واضحة، من خلال مبادرات وميكانيزمات مُقرِّرِة على الأرض، من شأنها حمايتها وآمان استقلالها ولصيانة قلب آسيا التاريخي والحضاري والاقتصادي، الـ “هارد لاند”، من حروب جديدة ونزاعات وصدامات قد لا تحتملها شعوب المنطقة في حالة الوصول الى فلتان إرهابي دولي، يَسعى بدعم من توجهات استعمارية خارجية، الى إعادة هذا الجزء من العالم، آسيا، إلى عصور ظلامية على شاكلة الإرهاب الدولي المتغوّل على سورية، وهو ما يعرض الى تفهّم لحتمية توحيد جهود الدول والشعوب المناهضة للارهاب والموت، من أجل الحياة وتنمية الموارد وبناء الاقتصادات الضخمة المتحالفة، على قدم المساواة بين مختلف الأطراف، وضمن مقولة “الربح للجميع”، ولبناء مجتمع الازدهار السلمي العام للبشرية برمتها والمصير البشري الواحد للبشر.

 ومن الإنجازات الرئيسية التي حَققتها السياسةُ الداخلية والخارجيةُ الكازاخستانية خلال تلكم السنوات، العُضويّة غير الدائمة في مجلس الأمن. وقد التزمت كازاخستان بإشراك البلدان الأعضاء في استجابة عالمية موحَّدة للأمن الغذائي والأمن المائي وأمن الطاقة والأمن النووي – وهي مسائل ذات أولوية في أجندة السياسة الخارجية طويلة الأجل للدولة الكازاخستانية.

  يَحق لكازاخستان أن تفخر بإنجازاتها في مجال السلام. فعلى سبيل المِثال لا الحصر، شهد نوفمبر 2018 انعقاد الدورة ال73 للجنة الأولى للجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة، حيث أكد المجتمع الدولي فيها من جديد، وبشكل ساحق، أهمية “الإعلان العالمي” الذي أطلقته كازاخستان بشأن بناء عالمٍ خالٍ من الأسلحة النووية، وقد تم مساندة وتأييد القرار ذي الصلة بأصوات135 دولة عضو في الأمم المتحدة. بالإضافة الى ذلك، تولّت جمهورية كازاخستان في يناير 2018، الرئاسة في مجلس الأمن الدولي، وقد شارك رئيس الجمهورية نزاربايف في اجتماعها من خلال كلمته بعنوان “منع انتشار أسلحة الدمار الشامل: تدابير بناء الثقة”، وغدا هذا  الحدث نقلة محورية – دولية، أحرزتها كازاخستان التي تولّت رئاسة المجلس، ليكرّس خصيصاً لأحد الموضوعات الأكثر إلحاحاً وخطورة في صيرورة العالم للانتقال من الازمات النووية المُقلِقة، الى السلام الدائم والشامل وتصفية الأسلحة ذات التدمير الجماعي، ووصولاً الى أجندة دولية حديثة للوئام العالمي العام.

 

 تُدرك كازاخستان اليوم جيداً، أنها وبقائدها نور سلطان نزاربايف، وشعبها الصديق الواعي، مدعوّة الى المشاركة بتعبيد حياة جديدة للبشرية وصولاً إلى  العام 2050م، بالتعاون مع الدول المجاورة لها، ومنها جمهورية الصين الشعبية، التي ترفع شعاراً مشابهاً، وتلكم الدول تحادِدُ كازاخستان ضمن عوامل “دكتاتورية الجيوبوليتيكا الموضعية”، وتفترض بالتالي تعاونها العميق لتعبيد السُّبل إلى نهاية ألف ميل جديدة من التقدم المتميز والأرفع لصالح الناس.. كل الناس. وهنا بالذات، نستذكر الكلمات الذهبية للرئيس الكازاخي نزاربايف الذي قال “أن تدابير بناء الثقة الرامية إلى تحقيق أهداف السلام والأمن، تلعب دوراً رئيسياً في منع الصراعات وحل المشاكل العالمية الملحة”، فهذه التدابير، برأيي، من شأنها الخروج من الازمات المفروضة خارجياً، بغية الولوج الى حالة السلام باقتصادات وتجارة السلام القاري العالمي.

 وفي العلاقات الاردنية الكازاخستانية، شهد التاسع من فبراير من العام المنصرم 2018، الاحتفال الرسمي للبلدين بمرور 25 سنة على إقامة العلاقات الدبلوماسية الكازاخستانية – الاردنية، وقد سبق ذلك أن تأسـست منذ سنوات اللجنة الحكومية المشتركة الاردنية الكازاخستانية حول التعاون التجاري ـ الاقتصادي والثقافي ـ الإنساني، كما إفتتح في وقت سابق شارع الحسين بن طلال في العاصمة الكازخية “أستنه” (2017)، وأزيحت الستارة عن لوحة في العاصمة الاردنية لشارع إطلق عليه إسم الرئيس نور سلطان نزارباييف (2010)، ومؤخراً في العاصمة الاردنية عمّان، أُعلن رسمياً عن شارع جديد تمت تسميته بإسم العاصمة الكازاخية “آستانا” (آواخر2018)، ما يُشير إلى أن هذه النقلات في علاقات البلدين، تعكس عُمق الصِّلات بينهما، وها هي التفاهمات تتزايد وتتعزّز لتحقّق المزيد من النتائج، ولتنعكس مباشرة على مسيرة صداقة مواطني الدولتين وخير الانسان.

#مروان_سوداح: كاتب وصحفي ورئيس هيئات دولية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.