كتاب مفتوح للرئيس بوتين.. “روسيا اليوم”.. أضد روسيا اليوم ؟!

موقع إنباء الإخباري ـ
الأكاديمي مروان سوداح*:
قرأت مؤخراً نصاً جديداً مفبركاً فظيعاً على موقع فضائية “روسيا اليوم” الناطقة بالعربية من موسكو، ليس أدق وصف له أقلّ من إمبريالية إعلامية، وشكل لعملية سياسية هدّامة وترويجية لسياسات غير روسية، وتنكّر سافر لقواعد الإعلام المُلتزم، وتشويه للموضوعية، واستهداف أصدقاء روسيا والنيل منهم رغبةً بتلويث سُمعتهم، والاصطفاف بصف أعداء روسيا وحلف الناتو، ويتماهي النص وينسجم مع الاهداف التوسعية للقوى الغربية، وتخال للوهلة الاولى بأنه بوق لندني أو باريسي وواشنطوني، لكنه ليس بالقطع روسياً.
ومن الضروري أن أنوّه في البداية، ورداً على فبركات النص، إلى أنني أزور جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية وعاصمتها الجميلة بيونغيانغ منذ عشرات السنين، وأحرص في كل مرة للصلاة في كنائسها الكثيرة والجميلة ومنها الكاثوليكية والأورثوذكسية والبروتستانتية والمحلية، والتقي خلال الزيارات رؤساء تلك الكنائس ومنظماتها الاجتماعية، واتحدث مع جموع المؤمنين خلال لقاءات وقداديس تجري في كنائسها التي ترحب بي في عظات رجال الدين فيها.
وأذكر هنا زيارتنا، زوجتي وأنا، إلى الكنيسة الارثوذكسية الروسية في بيونغيانغ، حيث صلّينا فيها، ووضعنا الشموع على أرواح أقاربنا المتوفين رحمة الله عليهم، وتحدثنا هناك مع كاهن الكنيسة وهو كوري يتحدث بالروسية، وقد قال لنا إن الرئيس الكوري الراحل، الصديق كيم جونغ إيل، أمر شخصياً ببناء هذه الكنيسة وتلبية كل متطلباتها والتنسيق مع روسيا بِشأنها. وقد نشرت زوجتي تحقيقاً عن هذا اللقاء خلال رئاستها لِ “ملحق الاستعراض الروسي” الذي كانت تنشره سابقاً ضمن صحيفة “ذا ستار الاردنية”، مرفقاً بصور.
ومن الجدير التنويه هنا، إلى أن زياراتنا الى كوريا الديمقراطية، تتم بترتيب رسمي من خلال قيادة الدولة الكورية والحزب الحاكم الباني فيها، ويجري تنقلنا في أرجاء كوريا بسيارة رئاسية خاصة وبمراسم رسمية حافلة وراقية جداً، وباحترام وحرص شديدين، وتُلبى طلباتنا للتوجه إلى كل مكان نرغب بالتوجه إليه ورؤيته والإحاطة به، سواء كان هذا المكان في الشمال أو الجنوب، على البحر أو على قمم الجبال الشماء والأجمل في العالم، في العاصمة أو في القصر الرئاسي أو بيت الضيافة الرئاسي، ويكون التجوال ضمن حراسة مشكورة، وتسهيلات بالغة ولا مثيل لها تقدّمها الدولة الحليفة لنا.
وعلى العكس مِمَا جاء في “خبر” “روسيا اليوم” المُشَوّه، فإن الشعب في كوريا الديمقراطية يحتفل برأس السنة وبقية الاحتفالات العالمية، بصورة حاشدة، وعلى نطاقات القيادة والشعب وكل فئاته، وتعمل المطاعم وقاعات الاحتفالات بزخم كبير، وتضاء الشوارع والحدائق، ويرقص الكوريون ويُحضّرون الأطعمة للاحتفال كما في أي بلد راقٍ في هذا العالم الفسيح، فلا يوجد أي تقنين على الشعب واحتفالاته في كوريا، عِلماً بأن بلداننا العربية والكثير من بلدان العالم، لم تصل إلى ذلك الحد الإحتفالي الضخم الذي تحتفل به كوريا برأس السنة والأعياد الأخرى، ولا تنفق عليها كما تنفق كوريا من نقود وجهود، وهو ما أشهد عليه.
إلا أن انعدام الإعلام الصادق والموضوعي عن كوريا الديمقراطية، هو الذي يُشوّه واقعها، وينقل للقراء عكس الحقيقة، والهدف واحد أحد لا غيره: نيل رضا الأعداء التاريخيين للبشرية – الاستعمار العالمي الذي لم ترضخ له بيونغيانغ للآن، ولن ترضخ أبداً، ولكونها تكاد تكون الدولة الوحيدة في العالم التي لم تُقم أي شكل من أشكال العلاقات مع الكيان الصهيوني، وتبقى مواقفها من القضية الفلسطينية أُمثولة في هذا العصر الزاخر بالعدوان على حقوق شعب فلسطين والامة العربية.
وفي كل مرة أزور فيها هذه الدولة الكورية الرائعة، يَحرص الكوريون على تلبية رغباتي الدينية، بل أنني زرت في وقت سابق المسجد الوحيد هناك، وهو الذي يقوم في باحة سفارة الجمهورية الاسلامية الايرانية، حيث يُصلي فيه الدبلوماسيون المسلمون والعرب، فلا يوجد في كوريا الشمالية أي مسلم، لذا إرتأت السفارة تشييده في باحتها، لجَمع المسلمين سوياً في مكان خاص بهم كل يوم جمعة، وفي مختلف الاعياد والمناسبات الدينية.
..لقد كنت أود عنونة مقالتي السريعة هذه على نحو غير العنوان الذي تحمله، ومن ذلك مثلاً: “روسيا اليوم”.. قَيءٌ غربي على طبق روسي!؛ “روسيا اليوم” أتطعن روسيا اليوم!؛ أو “روسيا اليوم” وخنجر باسماتشي في الظهر!..؛ لكني آثرت العنوان أعلاه، لكونه، كما أعتقد، أكثر تعبيراً عن واقع مُعاش لبُقعٍ إعلامية سوداء في هذه المحطة.
لقد باتت “روسيا اليوم” وفي العديد من برامجها السياسية وتطلعاتها الإعلامية رديفاً مُتابَعاً بصورة حثيثة من جانب أعداء روسيا والإرهابيين من مختلف الأصناف وشتى الأشكال. فإدارة هذه المحطة إما أنها غافلة عَما يجري في أروقتها الإعلامية، أو أنها تغض الطرف عن جرائم الإعلام، أو أن كادرها وهي لم ينضجا بَعد لدرجة الإحترافية الإعلامية والحذاقة الصحفية، ناهيك عن الابتعاد عن النباهة السياسية والمصالح الروسية ونهج قيادة روسيا، عدا عن احتمال أن بعضهم في المحطة يَود مُداهنة الإرهابيين أو مُشغِّليهم مِن رهطِ الأعراب المتأمركين وسادة الأجانب على حد سواء، وقد يكون هؤلاء من أهل الضاد المتأمركين ومن المعارضة السورية، عفواً: أقصد الإرهابيين الدوليين المُعَارِضين الاجانب للدولة السورية، هذا إذا لم يكن هذا “البعض” مِن طينة الإرهاب نفسه مختبئاً وراء لافتة روسية يطعن بها الشرفاء والدول السيّدة، ويُشوّه مواقفها..
“روسيا اليوم” لم تتوقف عن فتح أبوابها على مَصاريعها ومنذ بدايات القضية السورية – التي هي قضية النضال غير المُهَادِن للإرهاب بأشكاله الحربية والإعلامية والفكرية ـ لتصريحات وفبركات وتشويهات حثالات الإرهاب الدولي، مِمن يُطلقون على ذواتهم ألقاباً برّاقة وخادعة للرأي العالم العالمي بهدف حرف بوصلته السياسية. فهؤلاء برزوا في غفلة من التاريخ وبدعم فضائيات غربية وأعرابية وصاروا بقدرة قادر محللين سياسيين وصحفيين وبحّاثة وخُبراء وقادة لمعارضات “سورية” وغير سورية.
وفي استضافتهم على الأثير، تفرض علينا الفضائية “الروسية” الاستماع “لإفرازات” هؤلاء الخبراء والمتخصصين وقادة “المعارَضة” المُطلّين بياقاتهم البيضاء من فنادق الخمس نجوم، وتلزمنا بمتابعة إخراج فضلاتهم القبيحة تلك ، وبذلك “تفسح المجال” بـ “ديمقراطيتها” على النمط الغربي نحو الرأي الآخر، أن يَغرف الرأي العام العربي من هذه القذارات، ليشكك بالتالي في سياسات الاستقلالية والسيادة الدولتية الروسية والسورية، وهي من دون أدنى شك فبركات تُجيّش بها هؤلاء الخبراء والمتخصصين أجهزة إستخبارات عربانية وإرهابية وغربية، ولا يبقى لدى المواطن الروسي سوى مراقبة هذا الواقع المرير للمحطة، ودفع نفقات البرامج التي تعرض قادة عصابات القتلة والمجرمين بالروبل، برغم أن سياح الفنادق هؤلاء يُلقون بزوائدهم السُمّية على الروس وروسيا وقيادتها البوتينية وشعبها، ويدوسون واقعها ومستقبلها بأوساخهم ونتاناتهم ويقتلون جنود روسيا البواسل في سورية الذين يدافعون عن الاستقلالية العربية وتحرير العرب من الاستعمار الدهري الغربي الواقع عليهم.
لكن “الخبر” الذي طالعته في الموقع الشبكي للمحطة، لم يكن عن سورية والارهاب الدولي، بل كان هذه المرة إرهاباً بحق دولة أخرى صديقة لروسيا والحقوق العربية، فهو “خبر” تقليدي لكنه يتسربل بألوان جديدة في مناسبات مختلفة، واليوم تسابق “روسيا اليوم” الغرب كله في تحديها الغريب لكوريا الديمقراطية ورئيسها الصديق والحليف كيم جونغ أون، ولكأنها تقول لهذا الغرب بثقة : إن لنا نحن أولوية طعن كوريا ورئيسها في الظهر..!
في “الخبر” التافه، وما هو بخبر، مغالطات كثيرة وصفيقة. فهو مجرد دسيسة خسيسة لا تنطلي على الأذكياء، فهي غربية الفبركة والتلفيق والتحرير، وغربية العرض لكن على طبق روسي هذه المرة، لكونه الطبق الذي يثق به أصدقاء روسيا وأحرار العالم، ولأنهم يثقون كذلك بأن هذا الطبق الروسي لا يمكن ان يَحتوي على أية سموم، كما هي حال أطباق الغرب المُسمّاة “أرجل بوش”، التي كانت توزع مجاناً في روسيا خلال عهد البيريسترويكا المتصهينة لتسميم الروس..، ولذلك نرى اليوم كيف يُراد لهذه الدسيسة الخسيسة التي تُسمّىَ خبراً، أن تَفعَلَ فِعلَها بقوة أكبر وبتأثير أعمق في عقول وأذهان وتفكير وتحالفات قرّاء العربية، الذين يُناصرون روسيا بوتين العظيم ووقفته المبدئية والعقائدية التاريخية والشريفة في طول وعرض العالم العربي بمواجهة إرهاب جبهة الغرب العريضة المتحدة وبضمنه أمريكا.
في الدسيسة الخسيسة المُضحكة لحد الغثيان، وهي دسيسة مقتضبة جداً بغية تسهيل تمريرها على القراء وترويجها دولياً، إدّعاءات نُسبت للرئيس الكوري السابق كيم جونغ اون، بما يُسمّى مطالبته شعبه بإتّباع حَظره “المُعلن” الاحتفال بالعام الجديد، و “استبدال ذلك الاحتفال بذكرى جدته كيم جونغ سوك”. وتنوّه الدسيسة الصفيقة التي تروجها “روسيا اليوم”، إلى أن الاحتفالات بالعام الجديد والاعياد المسيحية “ممنوعة في شمال كوريا منذ منذ أوائل خمسينات القرن الماضي، فيما كان في العاصمة بيونغ يانغ تجمع كبير للكاثوليكيين”(!)
لكن الفبركة الأوقح من الدسيسة التي شاركت “روسيا اليوم” بترويجها سوياً مع الأبواق الغربية الامبريالية والصهيونية، هو الادعاء بأن الرئيس الكوري “غضب بشدة عام2014 لاعتزام كوريا الجنوبية نصب شجرة عيد ميلاد ضخمة على الحدود بين البلدين، وهدّد جارته بحرب شاملة إن هي فعلت ذلك”!.
عِلماً بأن توتر العلاقات بين البلدين كان بدأ منذ تحرير جيوش كيم إيل سونغ لكامل الارض الكورية من المحتلين الاجانب في خواتيم الحرب العالمية الثانية، واستمر التوتر عسكرياً حتى العام1953، وهو توتر كان ومايزال لأسباب أولها أنه توتير امريكي يعود لسيادة القوات الامريكية عنوة على الجزء الجنوبي من كوريا عسكرياً وسياسياً، وتهديد المقاتلات الامريكية ب52 للشمال الكوري، وكما هو بالذات تهديد صواريخ “ثاد” في جنوب كوريا لروسيا والصين؛ وتواصل “المناورات!” الحربية الامريكية والكورية الجنوبية وبالذخيرة الحية على “حدود” الشمال وأحياناً كانت تجتاز تلك “الحدود”، فما كان من الرئيس الكوري كيم جونغ أون إلا أن توعّد الأعداء بمواجهتهم بسلاح النبضات الكهرومغناطيسية الجديد نسبياً، إن استمروا بمناوراتهم العدوانية، فتراجعوا فوراً، ولم يكن لشجرة عيد الميلاد أي ضلع في أمر المواجهة بين الجانبين، هذا إن كان هناك أنذاك، وجود لهذه الشجرة المزعومة على “الحدود” ما بين الشمال و الجنوب، عِلماً كذلك، أنه لا يوجد للآن حدود دولية بين شطري شبه الجزيرة الكورية، بل توجد فقط خطوط هدنة معتمدة الى اليوم، ومنذ ما بعد انتهاء الحرب الكورية، التي قتلت خلالها القوات الامريكية عدة ملايين من الكوريين بقنابل النابالم، وحصدتهم بالجُملة بالأسماك المَحشوّة بالسموم، والتي كان الطيارون الحربيون الامريكان يلقون بها للمواطنين الكوريين الجوعى والغلابى(1950-1953م)..
وقد جاءت هذه الدسيسة مِن فَم “روسيا اليوم”، ويا ليتها لم تكن، على أبواب الاحتفالات العالمية بعيد الميلاد المجيد، ورأس السنة الجديدة، وكأن “روسيا اليوم” تصر على العمل جاهدة لاستغلال هذه الأحداث الدينية العالمية لمزيد من تشويه صورة كورياً رئيساً وبلداً. وأتساءل هنا أمام القيادة البوتينية الروسية الحليفة والنابهة والمجيدة، حماها الله من كل عين حسودة: لمصلحة مَن نشر هذه الفبركات بحق أصدقاء روسيا..؟؛ ولماذا يَجري نسخٌها طبق الأصل وتعميمها من خلال فضائية روسيا بلغة أجنبية؟
*رئيس رَاَبِطَة الَقَلَمِيِّين مُحِبِّيِ بُوُتِيِن وَرُوسيِّهَ للأُردُن وًالعَالَم العَرَبِيِ.

تعليق واحد

  1. أمين شمس الدين داسي

    كلام صادق 100%. وأنا من المتابعين اليومين لقناة “روسيا اليوم”. وقد استغربت شخصيا من خبر “استبدال ذلك الاحتفال بذكرى جدته كيم جونغ سوك” ، وكذلك مسألة “شجرة عيد الميلاد” لم أصدقه واستغربت من نشره.. وغيره مما سبق من إعلام مشبوه. وأردت أن أضيف هنا أيضا نشر التعليقات السخيفة، بل والبذيئة وكما يقولون (من الزنار وتحت) على كل خبر تنشره روسيا اليوم. وصلت عندي لدرجة التشكك في غايات هذا الموقع المهم جدا. ويظهر لي أن التعليقات لنفس الأشخاص في كل مرة وفي كل خبر. يرجى الانتباه لما ينشر من أخبار والتعليقات، وهي بشكل واضح تسيء للموقع ودسيسة خطيرة. وأشكر الأكاديمي البارز الأستاذ سوداح لتطرقه لهذه المسألة المهمة للغاية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*