كيف تخفي وسائل الإعلام الغربية مسئولية واشنطن والرياض في قتل اليمنيين؟

بنيامين نورتن – “لوبيلوغ”

شن تحالف من المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة والمملكة المتحدة والإمارات العربية المتحدة وبدعم من عدة دول أخرى في الشرق الأوسط، حملة قصف وحشية على اليمن منذ مارس 2015. وفي أغسطس، كثف التحالف من ضرباته الجوية، مما أسفر عن مقتل العشرات من المدنيين اليمنيين.

وفي 23 أغسطس، قصف التحالف الامريكي-السعودي فندقا بالقرب من العاصمة اليمنية صنعاء، اسفر عن مقتل 41 شخصا، 33 منهم – اي 80 في المائة – من المدنيين.

وفي 25 أغسطس، قصف التحالف حي سكني في صنعاء، اسفر عن مقتل 12 مدنيا، بينهم ثمانية أفراد من نفس العائلة.

غير أن وسائل الإعلام الغربية الكبرى دفنت مسؤولية المملكة العربية السعودية، وداعميها الأمريكيين والأوروبيين، في شن هذه الغارات الجوية.

ومما لاشك فيه، لا توجد أطراف أخرى تقوم حاليا بقصف اليمن، لذا لا يمكن لوسائل الإعلام أن تتظاهر بالجهل من المسؤول عن الهجمات. لكن التقارير حول الضربات الجوية الأمريكية – السعودية الدموية، شابها الغموض وبلغة مضللة صريحة.

وكتبت وكالة الانباء الفرنسية، وأعيد نشره من قبل ياهو، ديلي ميل، وبريتبارت، عنوانا: “غارات جوية على ضواحي العاصمة اليمنية تقتل 30 شخصا على الأقل”. هنا مرة أخرى تخفي المسؤول عن تلك الغارات الجوية.

وكتبت بي بي سي “الحرب اليمنية: ضربة جوية على فندق في ضواحي صنعاء تسفر عن مقتل 30 شخصا”. أما عنوان موقع ميدل ايست آي البريطاني فكان غامضا تماما: “هجوم جوي يمني دمر فندقا ويقتل ما لا يقل عن 35 شخصا”.

من الذي نفذ الغارة الجوية؟ ومن هو الطرف المسؤول؟ ولا يزال هذا غير معروف بالنسبة لمعظم القراء الذين لم يلمسوا سوى العناوين الرئيسية.

واسفرت الحرب المستمرة على اليمن منذ اكثر من 29 شهرا، عن مقتل الالاف من المدنيين اليمنيين واصابت عشرات الالاف وزجت الملايين في شبح المجاعة. وقد ذكرت الأمم المتحدة مرارا أن التحالف الأمريكي – السعودي مسؤول عن أغلبية الضحايا المدنيين.

وحتى عندما تعترف السعودية بالذنب في وسائل الإعلام، فإنه عادة ما يتم تجاهل الدور الحاسم للولايات المتحدة. ويغيب القراء عن السياق الحاسم اللازم لفهم الحرب، ومساهمات حكوماتهم في ذلك وهو ان: السعودية تسقط القنابل على اليمنيين بالطائرات الأمريكية والبريطانية الصنع، وتزود القوات الجوية الامريكية تلك الطائرات بالوقود اللازم. بالاضافة الى المعلومات الاستخباراتية التي تزود من قبل المسئولين والعسكريين الامريكيين والبريطانيين.

وبعد يومين من تلك الهجمات، كانت التقارير مجرد تظليل، بل استخدمت مصطلح “الضربات الجوية اليمنية” للإشارة إلى الغارات الجوية التي قام بها غير اليمنيين.

ولم تذكر وكالة رويترز في تقريرها في 25 أغسطس، حتى مرة واحدة أن التحالف الأمريكي – السعودي كان مسؤولا عن مقتل 12 شخصا، بينهم ستة أطفال.

وكانت الصحف الرئيسية مضللة بالمثل. وكتبت صحيفة نيويورك تايمز: “االطفلة الناجية الوحيدة بعد الغارات الجوية التي دمرت بيتها”. في الواقع، اعترفت التايمز بعد الفقرة السابعة، وبعد ثلاث صور كبيرة: “.. واعلن التحالف بقيادة السعودية مسؤوليته عن الغارة الجوية بعد يوم واحد من الهجوم، بانه كان ناتجا عن “خطأ فني”. ولم تذكر التايمز ولا حتى مرة واحدة الدعم الأمريكي أو البريطاني للتحالف.

وحتى عندما اعترفت المملكة العربية السعودية بالمسؤولية عن قتل المدنيين اليمنيين، تقلل وسائل الإعلام من سرد اللغة. وفي تقرير رويترز يقول “القوات السعودية تعترف بالغارة التي استهدفت مدنيين في العاصمة اليمنية”. نلاحظ مرة اخرى أن الغارة الجوية أصابت المدنيين، ولم تقتلهم (..).

كما قللت وسائل الاعلام من الهجوم واشارت الى انه مجرد “خطأ فني”. ولم تسرد سياقا اوسع وهو أن: أكثر من ثلث الهجمات الجوية الأمريكية – السعودية استهدفت المناطق المدنية، وأن هناك مجموعة متزايدة من الأدلة على أن التحالف استهدف عمدا البنية التحتية المدنية في اليمن.

ولم تكن جميع وسائل الإعلام مضللة على حد سواء؛ فقد كان بعضها أكثر صراحة. وقد استخدمت وكالة اسوشييتد برس، عنوانا وحددت المسؤول عن الهجوم المميت: “غارات جوية للتحالف بقيادة السعودية على فندق في اليمن يقتل 41 شخصا على الأقل”. وأعيد نشره من قبل صحيفة شيكاغو تريبيون، ونيويورك ديلي نيوز، وهيوستن كرونيكل، وسان فرانسيسكو كرونيكل.

وكانت صحيفة “واشنطن بوست” صريحة على نحو مماثل، حيث جاء في تقاريرها أن “الغارات الجوية بقيادة السعودية تقتل 14 مدنيا في العاصمة اليمنية” و”غارة جوية بقيادة السعودية تقتل العشرات في اليمن قبل التظاهرة الكبرى” في اشارة الى الحشد الكبير في ميدان السبعين في 24 اغسطس.

فن التظليل

ولتبرير هذا الغموض في التقارير، قد تدعي وسائل الإعلام أنه في بعض الأحيان لا يكون واضحا على الفور من الذي شن الضربات الجوية. ولكن، مرة أخرى، لا توجد أطراف أخرى تحلق بطائرات حربية في اليمن غير التحالف الامريكي – السعودي.

فالقوات اليمنية الحوثي-صالح، التي تحكم شمال البلاد وحوالي 80٪ من السكان، لم تقصف بلدها. وعلاوة على ذلك، فرض التحالف الأمريكي – السعودي حصارا جويا وبريا وبحريا على البلد الفقير منذ مارس 2015 (وهذه حقيقة هامة أخرى نادرا ما تذكرها وسائل الإعلام في تقاريرها).

وفي سوريا، حيث تشن العديد من البلدان المتنافسة ضربات جوية، من المفهوم أن وسائل الإعلام قد تضطر في بعض الأحيان إلى توخي الحذر قبل تحميل اللوم على اي طرف. ولكن هذا ليس هو الحال مع اليمن.

في الحرب المستمرة منذ 29 شهرا على اليمن، هناك طرف واحد مسؤول عن آلاف الغارات الجوية: سلاح الجو السعودي، كجزء من تحالف مع الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والإمارات العربية المتحدة. وكثيرا ما تتعمد وسائل الإعلام إلى التشكيك في المسؤولية عن القصف عندما تكون الولايات المتحدة وحلفاؤها مسؤولين عن ذلك.

المعايير المزدوجة

ومن المهم مقارنة التغطية الإعلامية الغربية لليمن بـ”سوريا”، حيث عادة ما تسرد وسائل الاعلام في تغطيها للهجمات في سوريا: “الأسد يشن هجمات” كما في (فوكس نيوز)، أو “غارات الأسد” كما في (بريتبارت)، أو “نظام الأسد يشن غارات جوية” كما في (تايمز اوف اسرائيل) أو”غارات.. هجمات النظام” كما في (ديلي كالر).

حتى ان بعض وسائل الإعلام كتبت “طائرة بدون طيار موالية للأسد” كانت “تعرض نوايا عدائية”، وبالتالي اضطرت الولايات المتحدة إلى إسقاطها كما ذكرته (الغارديان، والاندبندنت، وذا هيل). كما لو كانت بدون طيار شخصيا من محبي الرئيس السوري.

لكن مصطلحات مثل “هجمات سلمان الجوية” و “غارات سلمان الجوية” أو “غارات جوية للنظام السعودي” لا يمكن العثور عليها في تقارير وسائل الاعلام الغربي عن اليمن.

التقليل من دور واشنطن

عندما تناقش وسائل الاعلام الغربية اليمن في تقاريرها، دائما ما تصف الحرب بأنها “حرب أهلية”. وهذا الوصف او السرد اصبح واسع الانتشار في التقارير الإعلامية. والواقع انها حرب أجنبية ضد اليمن، بقيادة المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والدعمين الامريكيين والاوربيين.

حتى ان مصطلح “التحالف الذي تقوده السعودية” مضلل الى حد ما. واعترفت هيئة تحرير نيويورك تايمز، في افتتاحية صريحة على غير العادة عن اليمن، بأن “الخبراء يقولون بأن التحالف لن يستطيع ان يواصل حربه إذا ما حجبت واشنطن دعمها”.

وهذا يعني أنه إذا أرادت الولايات المتحدة إنهاء الحرب في اليمن، فإنها ستنتهي بين عشية وضحاها. والسعودية لا تحمل سوى الاسم “التحالف بقيادة السعودية”.

ومن المثير للدهشة أنه في خضم هجمات التحالف المكثفة، نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” افتتاحية نادرة أخرى حول اليمن في 25 أغسطس. وفي هذه المقالة التي تحمل عنوان “ذبح أطفال اليمن”، حذرت هيئة التحرير بقوة من ما يقوله النقاد على مدى 29 شهرا:

“لا يمكن ببساطة السماح للتحالف بقيادة السعودية، وعناصر التمكين الأمريكية التي توفر المعدات العسكرية والتزود بالوقود الجوي والاستهداف، بمواصلة قتل المدنيين وتدمير ما تبقى من اليمن. وهذا هو السبب في أنه من الضروري أن نشجب علنا الذبح غير المبرر للأبرياء، ونأمل أن يؤدي ذلك إلى تعرية وفضح المملكة العربية السعودية وداعميها الأمريكيين للبحث عن نهاية إنسانية للجحيم الذي يكتوي به الشعب اليمني”.

يجب على الصحفيين في “نيويورك تايمز” والصحف ووسائل الاعلام الأخرى أن يستجيبوا لهذه الدعوة لإثبات المسؤولية الصحفية من خلال تحميل مسؤولية حكوماتهم بوضوح عن الذبح والتدمير في اليمن، وليس فقط في الافتتاحية، ولكن في كل المقالات الإخبارية، وفي كل مرة.

موقع “لوبيلوغ” الأمريكي المختص بنشر وجهات نظر الخبراء اليومية حول السياسة الخارجية للولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط

*بنيامين نورتن: خبير وكاتب امريكي شهير

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*