لماذا صارت الخطة الأمنية مسموحة؟

 lebanone - army 843

لعلّ الحقيقة البالغة الدلالة التي أكدتها الخطة الأمنية في طرابلس، هي توحّد أبناء المدينة ضد الحرب والاقتتال وكل أشكال الفوضى، وما المشهد الساطع في رمزيته الذي تجلّى في التقاء الفقراء، المنكوبين، البسطاء في التبانة وجبل محسن، إلا ترجمة صادقة للإرادة الشعبية في مدينة العيش الواحد. ولعلّ الحقيقة الثانية التي لا تقل أهمية تبدت في حضور الجيش اللبناني في قلب الحدث الطرابلسي، وضمن بيئة حاضنة له، لطالما سعى البعض إلى تبديل مزاجها وأخذها إلى غير مكانها.

عمر خطة طرابلس يزيد عن سنتين، أي منذ شباط 2012، لكن آن أوان قطافها الآن فجأة، وبقرار صارم. ونظرًا لضرورتها، من الطبيعي القول “أن تأتي متأخرة خير من ألا تأتي أبدًا”، لكن من حق الطرابلسيين ومعهم سائر اللبنانيين أن يدركوا:

– أن الجيش لم يكن عاجزًا وأصبح قادرًا الآن، بل كان قادرًا وإنما معطل الدور وبلا غطاء فعلي.

– أن الجيش مرّ في أحداث الشمال في أصعب وأقسى تجربة، ورغم المناخ المذهبي والتحريض والتشكيك والتصنيف والتطييف والمذهبة والتكفير للمؤسسة العسكرية والاستهداف شبه اليومي لأفرادها، عض على الجرح وتحمل وأفشل محاولة جره الى الصدام مع الناس. وحدته كانت الأساس، وكذلك الحفاظ على تماسكه والنأي به عن عواصف التحريض السياسي والمذهبي التي كان أبطالها بعض “النواب الزرق” الذين كانوا حتى الامس القريب يطالبون بالاقتصاص من الجيش أفرادًا وقيادة.

– أن الجيش أكد للجميع مرجعيته وانه الوحيد الذي بقي على ثوابته ولم يتزحزح عن وطنيته في التعاطي مع الجولات الحربية ومحاولة إطفائها ونزع ألغامها، ورسخ في ذهن الجميع ايضا انه كان ولا يزال الملاذ الوحيد في اللحظات الصعبة، وانه بدل ان يذهب الجيش الى السياسيين ووفق إرادتهم عاد الجميع اليه وسلموا بموقعه ودوره ومرجعيته، وفي مقدمهم أولئك الذين وضعوا المؤسسة العسكرية على منصة التصويب طيلة السنتين الماضيتين.

ـ أن مسؤولي المحاور، الذي هربوا أو هـُرِّبوا، لم يكونوا سوى أدوات منفذة، ومن كان يفتعل معارك طرابلس هم قادة المحاور الاصيلون من سياسيين ومشايخ.

ومن حق الطرابلسيين ومعهم سائر اللبنانيين أن يقفوا على توضيحات وإجابات:

هل وصلت طرابلس فعلًا إلى شاطئ الأمان؟

ما دامت الخطة جاهزة منذ أكثر من سنتين، فلماذا كان ممنوعًا تنفيذها أيام حكومة نجيب ميقاتي؟

هل كانت هذه الخطة لتنفذ حاليا لو لم يصل تيار “المستقبل” الى السلطة؟ أوليس تيار “المستقبل” بعد خروجه من السلطة هو صاحب النظرية القائلة “إن مسؤولي المحاور والمتطرفين، هم بدلاؤنا فتعاملوا معهم؟”.

هل انتفت المفاعيل الوظيفية للجولات الحربية؟ وهل المارد الذي خرج من القمقم في “يوم الغضب” الشهير الذي نظمه تيار “المستقبل” بعد وصول نجيب ميقاتي الى السلطة، قد عاد الى القمقم بعدما تحقق الهدف واستعاد “المستقبل” السلطة التي فقدها لأكثر من ثلاث سنوات؟

اذا كانت الامور بهذا اليسر والانسيابية، واذا كان الجيش الذي كان البعض يصنفه عدواً بالأمس، وأصبح اليوم محبوبا وغارقا بالأشواق والعواطف، فلمصلحة من خيضت الجولات العشرين؟ ومن الذي يتحمل مسؤولية كل هذه الدماء البريئة التي سقطت؟ ولمصلحة من خطفت المدينة كل تلك الفترة ولخدمة أي مشروع؟

أين هو السلاح المستخدم في هذه الجولات، وهل يعقل ان المصادرات لا تعدو أكثر من كميات بسيطة من أسلحة خفيفة ومحدودة فيما ليلة الاشتباك الوحيدة تصرف فيها أسلحة وذخائر ومتفجرات بمئات آلاف الدولارات.

هل ستطوى الصفحة بما فيها من جولات ارتكابات وخطايا على قاعدة عفا الله عما مضى، وتغليب منطق اللامحاسبة سواء عند أولي الامر في الدولة أو عند الجمهور الشمالي، ام سيسود منطق المحاسبة وتحديد المسؤوليات؟

هل سنشهد فصلا جديدا من الاستثمار يظهر فيه من كانوا بالامس أبطال التبرير للجولات العشرين، هم أنفسهم أبطال السلم والانماء في المرحلة المقبلة؟

تبعا لما تقدم، لا تستطيع قيادات طرابلسية ان تؤكد أو تنفي ما اذا كان للتطورات العسكرية السورية على مقربة من الحدود اللبنانية دور في تعديل المشهد الطرابلسي حاليا، والعرسالي لاحقا، لكنها على يقين ان حرب طرابلس هي بند أساسي في أجندة “العبور الى السلطة”، وهناك من يقول في هذا السياق: “لقد أدركت طرابلس ان ما حصل فيها كان هدفه الوصول الى السلطة من قبل الإقطاع الحديث، هذا الإقطاع يريد ان يستأثر بالسلطة ويرفض ان يقبل بغيره، أو ان يرى غيره في موقع رئاسة الحكومة.. ومن أجل ذلك هم مستعدون للتخلي عن كل شيء، وأول الغيث انهم بعد وصولهم ومقابل مراكز في الحكومة تخلوا عن مسلحيهم.. والحبل على الجرار”.

نبيل هيثم – صحيفة السفير اللبنانية

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*