مؤامرة على قطر ام على السعودية بايدي سعودية !

 

صحيفة الصباح العراقية ـ
د. لينة بلاغي *:

 

مع التطور التكنولوجي الذي شمل مختلف المجالات الحياتية ولاسيما العسكرية منها ، وبالتزامن نسبيا مع انهيار الاتحاد السوفياتي اواخر القرن الماضي ، تحول التركيز في مدارس الجغرافيا السياسية الفكرية من الحديث عن اهمية الجغرافيا الواسعة ،  وهو ما حكم العالم ابان مساعي الاتحاد السوفياتي وامريكا  خلال عمليات تقاسم جغرافيا العالم  ، الى التركيز على مناطق داخل الجغرافيا يميزها الدور الوظيفي الذي يمنحها اهمية ما ، نتيجة خصوصيات محددة  ، وتزامن هذا الامر تماما مع تزايد عجلة العولمة وتبعاتها ، الامر الذي سمح بالحديث الواسع عن كل ما هو عابر للقارات ، من ادوار لاقتصاديات وصولا الى الاحزاب والجماعات مرورا بالدول بطبيعة الحال وقطر تمثل نموذجا لهذا النوع من الدول التي باتت تملك وظيفة ” لاعب فاعل عابر للحدود ” على مستوى السياسات الدولية  والاقليمية  .

ان مراجعه ملف العلاقات الخارجية السياسية والاقتصادية، خلال العقود الماضية ،  لهذه الدوله شبه الجزيرية ، المتموضعة في ذلك الخليج ، الذي يعتبر نقطه ارتكاز في السياسات الاقتصادية وامن الطاقة ، وبالتالي في قلب السياسات الدولية المعاصرة ، يؤكد باستمرار الدور الذي لعبته قطر في سياسات الخليج خصوصا والمنطقة العربية والاسلامية عموما واهميته ، وكان من الطبيعي ان تتخوف من محيطها المنافس على الدوام .

اخيرا ، توجست قطر من تطورات ما بعد القمة والحملات ضدها ، والتي انتهت بقطع العلاقات لعدد من دول العالم العربي معها ، ويبدو ان لقطر ما يبرر مخاوفها من الابتلاع السيادي او السيادي – الجغرافي ، فالعلاقات مع المملكة متوتره تاريخيا ، وغالبا ما جاءت المواقف القطرية من ازمات المنطقة متاثرة بخلفية الخوف من الابتلاع السعودي لجغرافيتها ودورها السياسي واقتصادها الذي لا يستهان به في ظل الازمات الاقتصادية التي تلم بالعالم ، ولاسيما ان منفذها الارضي الوحيد يمر عبر السعودية ،كما ان صغر مساحتها الجغرافية ، واطلالتها البحرية المتقدمة في الخليج ، هي رأس الفتنه السعودية  بها ومنبع  الغواية بالقطيعة والقضم .

بعض المعلقين السعوديين رد على ما بات يعرف بتسريبات امير قطر ، بمطالبة قطر ” بالوقوف عند حجمها ” وعدم التطاول على احجام ” الكبار ” وبدا واضحا من التغطية الاعلامية والتعليقات ان هذا النفس ” الحجمي ” هو الغالب ، لكن على ما يبدو ان ما فات السعودية هو التغيير الذي طال مجمل المعادلات الدولية ، وان الحجم الجغرافي لم يعد هو العامل الحاسم في المعارك ، ولاسيما السياسية والحرب الناعمة فيها ، الا اذا كان في نية السعودية بالفعل اعادة سيناريو تجربة عراق صدام – الكويت وتبعاتها ، خصوصا انه وفقا لتحليل نيويورك تايمز”  فان ترامب وصهره كوشنر على استعداد لضرب اي عرف امريكي ( في عملية اتخاذ القرار) فيما يتعلق بصفقات الاسلحة في سبيل العودة الى منطقة الشرق الاوسط ” هذه المرة من بوابة ” حرب الخليج الثالثة ” قطر- السعودية ربما .

ومرة اخرى،  ان لقطر ما يبرر مخاوفها حيث تحولت الى محفز للحقبة الجديدة في المنطقة ، فبالعودة الى صفقة الاسلحة الامريكية – السعودية او ما عرف بصفقة العصر ، فيبدو انها ارتكزت على الجانب الدفاعي اكثر منه اسلحة مهمتها مواجهة ايران، وما قد تعنيه اي مواجهة مباشرة بينهما ، فصفقة السلاح الضخمة تلك عبارة عن طائرات وسفن وقنابل موجهة بدقة، والاهم فيها منظومة رادار متطورة قادرة على إسقاط الصواريخ الباليستية ، قد لا تهدد ايران كثيرا لكنها بالتاكيد قادرة على تهديد دولة مجاورة كقطر ،ولاسيما اذا ما تحولت الى ذلك  الحافز الذي تحدث عنه ديريك شوليت، مساعد وزير الدفاع للشؤون الأمنية الدولية في عهد أوباما حيث قال : “لدى الجانبين ( السعودي – الامريكي ) حافزا لحقبة جديدة من التعاون الخليجي، لكن الأهم الاستمرارية في الحافز”. ويبدو ان قطر حاليا هي الحافز كما كانت الكويت يوما ما .

عام 2014  تعرضت العلاقات القطرية – السعودية البحرينية الاماراتية لهزة كبيرة اسفرت عن استدعاء سفراء هذه الدول من الدوحة لمدة 9 اشهر ، على خلفية اتهامات لقطر بالتدخل في الشؤون الداخلية فيها ،  لكن ما يميز هذه المرحلة انها تاتي في ظروف سياسية اقتصادية دولية متغيرة ، وبرئاسة امريكية جديدة ،  ومصاهرة اسرائيلية نشطة (كوشنير) ، وبخلو الساحة لثعلب السياسة الامريكية ( يهودي الهوى والهوية ،هنري كسنجر ) بعنوانه مستشارا لترامب في الشؤون العالمية والشرق اوسطية .

اينما اشتعلت فخراجها لاسرئيل والمؤمراة كبيرة  :

لحظنا في المتابعة ، ثنائية التصريحات الامريكية ، فترامب يؤيد بتغريدة  ويعتبر خطوة المقاطعة لقطر هي نتيجة لزيارته وقممه العربية في السعودية ، ووفق النيويورك تايمز ، فان كوشنر(صهر الرئيس الرئيس الامريكي  اليهودي الاصل الاسرائيلي التوجه ) سعى  بصورة شخصية لبناء علاقات مع أعضاء العائلة المالكة السعودية، خاصة خلال استضافة ترامب لولي ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، ورتب معه أكثر من جلسة غداء سرية وغير معلنة ” ، في حين يؤكد المتحدث باسم القيادة الجوية الامريكية : ” إن بلاده ممتنة لقطر بسبب دعمها الطويل للوجود العسكري على أراضيها والتزامها بالأمن الإقليمي من خلال قاعدة العديد ” وان تواجدهم لم يتاثر بما يحصل  .

ان حقنة القوة التي ضخها الامريكي – الاسرائيلي في العروق السعودية عشية القمم التي عقدت في المملكة مهد على ما يبدو للازمة مع قطر ، فاللعب مع ايران من شانه ان يشعل الحرب المرتقبة على المستوى الدولي اسرع من المقرر ، لذلك لا بد من محفز لاستكمال مشاريع التقسيم العامودي للمنطقة ، حكومات  وشعوب ، فكانت قطر .

لكن ما الهدف من اختيار  قطر امريكيا – اسرائيليا ؟

القاصي والداني يدرك العلاقات السياسية والاقتصادية التي اسست لها قطر في العديد من الدول العربية منها على الخصوص ، ابان مرحلة تطور الدور القطري وعبوره للحدود ، فمن شمال غرب افريقيا ودولها مرورا بالسودان ثم فلسطين وسوريا وصولا الى تركيا دون ان ننسى وجود علاقات مع ايران ، وهو الامر الذي ازعج العديد من اللاعبين الاقليميين كالسعودية وتتبعها الامارات العربية  ، ومصر السيسي ، ما يعني ان فتح الجبهة ضد قطر ، سلما ام حربا ( وهذا وارد ) من شانه ان يصب النفط على ازمات المنطقة العربية والاسلامية المشتعلة ، ما يعني تحقيقا للرغبة الامريكية – الاسرائيلية والبريطانية بالتبعية ، القاضية بالقضاء على مجمل الاعداء في الشرق الاوسط وتنظيفه من اي تواجد روسي صيني غير مضبوط ، تمهيدا للنظام الدولي المرتقب براسه الراسمالي المتوحش ، ونظمه الفرعية والتي يشكل الشرق الاوسط احدها كما يشير كسينجر في كتابه ” النظام العالمي ”  ، تكون اسرائيل فيه سيد المنطقة ليس من النيل الى الفرات فحسب وانما ايضا مع نفوذ يطال العديد من الدول شمال المتوسط  ، اي جنوب ووسط اوروبا  ، المعرض اتحادها للتفكك رغم جملة المساعي التي تبذلها بعض دوله للمحافظة عليه ، بحيث يتحول البحر المتوسط مجددا الى بحيرة داخلية للامبراطورية الحديثة اليهودية المتوسطية .

بعد هذه الجولة نسترجع  سويا كلمات واحلام كسنجر منذ سنوات عديدة والتي وصفها البعض حينها بتخرصات رجل هرم ،  حيث صرح : ” قيل لنا إن الجيش يجب أن يستولي على سبع دول في الشرق الأوسط بسبب مواردها، وهو على وشك إنجاز مهمته…  لم يتبق سوى مجرد ذلك الحجر الأخير، أي إيران، التي سوف تعدل كفة الميزان. إلى متى يمكن للصين وروسيا أن تقفا ساكنتين وتراقبا أميركا وهي تقوم بالتنظيف؟ سوف يستيقظ الدب الروسي والمنجل الصيني من سباتهما، وهذا هو الوقت الذي سيتعين فيه على إسرائيل أن تقاتل بكل ما أوتيت من قوة وأسلحة ( لقد اراحت تطورات الساحة العربية والاسلامية اسرائيل من هذا القتال )  لقتل أكبر عدد ممكن من العرب. والأمل، إذا سارت الأمور بشكل جيد، أن نصف الشرق الأوسط ستصبح منطقة إسرائيلية ” .

لقد لخصت  صحيفة جيروزليم بوست الصهيونية المصالح الحالية لكيانها  بخمسة بعد الازمة القطرية ، هي، الأزمة الخليجية تضر بحماس، الأزمة تمهد للتقارب بين إسرائيل من جهة والسعودية ودول الخليج الأخرى، ومصر من جهة، الأزمة تثبت عودة النفوذ الأمريكي إلى المنطقة، نزع الشرعية عن الإرهاب، الأزمة تساهم في تعزيز مواقع إسرائيل في المنطقة بشكل عام ومواقع الحكومة الإسرائيلية الحالية بشكل خاص.

يبقى في النهاية الاشارة الى ان مصير عراق صدام حسين بعدما تم حقنه بالقوة ابان حرب الخليج الاولى ، اسفرت عن تدمير العراق وعودة الامريكي في الثانية وكانت الكويت والعراق بشعبيهما الاضحية ، وايضا بمراوغه امريكية ، اليوم ، يبدو ان السعودية تقود بقايا  المنظومة العربية – الاسلامية الى الجحيم بغية التربع على عرشه !! ظاهر الاضحية قطر لكن باطنها العالم العربي – والاسلامي وعلى راسه السعودية ومحمدها بن سلمان .

 

 

  • دكتوراه في الجغرافيا السياسية والجيوبلتيك

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*