ما بين «حزب الله» و«داعش»

hosam-matar2

صحيفة السفير اللبنانية ـ
حسام مطر:
بعد سنوات من إنكار أبوة «داعش»، وجد حلفاء الولايات المتحدة أنفسهم أمام الحائط بعد تصريحات نائب الرئيس الأميركي جو بايدن والجنرال ويسلي كلارك بشأن مسؤولية دول الخليج وتركيا عن تمويل «داعش» بهدف ضرب أركان محور المقاومة لا سيما سوريا و «حزب الله». وعليه، بعد سقوط ورقة الإنكار كان لا بد من تعويم ورقة بديلة في السجال الإعلامي والسياسي وهنا برزت معزوفة «حزب الله وداعش وجهان لعملة واحدة».
طبعاً، لا يمكن لمن يتمتع بذرّة بصيرة أن يقع ضحية هذه الخديعة، إلا أن حجم الإمبراطورية الإعلامية التي تروّج لها، والجو المذهبي المشحون، يدفعنا للخوض في هذا السجال حول «حزب الله» و «داعش». يمكن على الأقل، وبما يتسع له المقام، استحضار أبرز نقاط التناقض لا مجرد الاختلاف بين الطرفين.
1 – من حيث النشأة، انطلق «حزب الله» كحركة مقاومة بوجه «إسرائيل»، تمكنت من تحرير الأرض والإنسان وتحقيق قدرة ردع نقلت اللبنانين من حالة الاستباحة الإسرائيلية الدائمة الى حالة متقدمة من الأمن والاستقرار. فيما «داعش» – وهو نسخة محدثة من «القاعدة» ذات المنشأ الأميركي الوهّابي ـ انطلقت من العراق على أساس التطهير المذهبي (بدعم وهّابي) قبل أن يجري استثمارها أميركياً لاستنزاف محور المقاومة في سوريا والعراق ولبنان. «حزب الله» أصيل في مقاومة الاحتلال، و «داعش» وكيل متعدد الاستخدامات.
2 – يرى «حزب الله» بما استقرأه من تجارب دول العالم الثالث أن نهوض المنطقة يبدأ من استئصال الاحتلال الإسرائيلي والهيمنة الأميركية أي التحرر الوطني والاستقلال. هذا المسار يفتح المجال نحو الدولة الوطنية القوية القادرة على بناء مشاريع للنهوض الوطني الشامل والتكامل الإقليمي. وعليه جعل «حزب الله» للمقاومة أولوية لا تزاحمها غوايات السلطة أو زواريب الانقسامات الضيّقة. فيما «داعش» يرى أن مشروع النهوض لا يكون إلا بهدم كل ما هو قائم (بما فيها الآثار) لإقامة الخلافة. «داعش» متخبط إستراتيجياً ويحكمه رؤية نفقية لإقامة سلطة وهذا ما يفسّر القدرة على استغلالها وتوظيفها.
2 – بناءً على ما سبق، تطغى مصطلحات الشراكة والسلم الأهلي والحوار الوطني على أدبيات «حزب الله»، ولجوئه النادر للعنف المحلي هو بمثابة الاستثناء الذي يؤكد القاعدة. حتى على المستوى الإقليمي هو داعية استقرار لدول المنطقة إذ لطالما شجع الإسلاميين على نبذ العنف المحلي والدعوة للمصالحة متى كان ممكناً. وكذلك كان منهجه مع شيعة العراق والبحرين حيث كان داعية تسوية أو نضال سلمي عند الضرورة. فيما يقوم «داعش» على أساس إشاعة الفوضى والحروب الأهلية والخراب باعتبارها التربة الخصبة لنموها.
3 – يخلو خطاب وثقافة «حزب الله» من لغة تكفير الآخر. بالنسبة للحزب، ينقسم العالم بين مستضعفين ومستكبرين وليس بين مؤمنين وكفّار. على هذا الأساس نسج الحزب علاقات تعاون مع حركات عالمية معادية للعولمة الأميركية وشارك بمؤتمراتها ودعم قوى مقاومة علمانية. فيما «داعش» حركة تكفيرية يرى العالم بمنظار دار السلم ودار الكفر، ويقوم التكفير بالظن والشبهة ومعاييره سهلة عامة بما يتجاوز المذاهب الأخرى الى أهل السنة أنفسهم. «داعش» هو ربيب النسخة السعودية الأولى الأكثر دمويةً وتوحشاً.
4 – «حزب الله» وحدوي، من باب المصلحة على الأقل، «حزب الله» الحاضن لقوى المقاومة «السنية» والذي لطالما نسج أفضل العلاقات مع «الإخوان المسلمين» في أيام قحطهم، والذي سعى للتسوية مع السعودية برغم ما فيها، والذي وصف أردوغان بالطيّب عندما أوحى ببدايات تحوّل بعيداً عن إسرائيل، والذي دعا شيعة المنطقة لعدم الخلط بين التكفيريين وأهل السنة. خلاف «حزب الله» مع بعض القوى السنية ـ كما بعض الشيعة ـ هو خلاف مرتبط بمشروعهم وليس بهويتهم. أما «داعش» فيستند على مبدأ «جهاد العدو القريب» أي مشروع إبادة مذهبية وطائفية» ويرى في الفتنة المذهبية الأداة الأفعل لحشد المتطرفين حوله.
5 – بالنسبة لـ «حزب الله»، يعتبر التنوع الطائفي والمذهبي والإثني في المنطقة ضمانة لمشروع المقاومة، من باب أن هذا التنوّع يمنع هيمنة أي طرف ويضمن نوعاً من التوازن كما في الحالة اللبنانية. بالمقابل يرى «داعش» في كل تنوّع تهديداً وضلالاً وهو لم يتمكن من التعايش حتى مع «القاعدة»، أي الرحم الذي خرج منه، ولا حتى مع أهل السنة الذين يدعي الدفاع عنهم.
6 – «حزب الله» حركة عقائدية أخلاقية، هي لا تكتفي بخطاب عقائدي أصمّ بل تسكن المضامين الأخلاقية في كل جنباته، كما يظهر ذلك في منشورات الحزب وخطابه وتربيته الحزبية. هذا يعود لسببين أساسيين، الأول سيرة أئمة أهل البيت التي ينهل منها الحزب وهي سيرة – ببعدها عن السلطة – ركّزت على بناء الأخلاق الفردية والاجتماعية. والثاني يعود لكون الحزب حركة اجتماعية وسياسية سعت لبناء مجتمع مقاوم متماسك ومتكافل فكان لا بد من شحنه بجرعة أخلاقية عالية، وأيضاً لخلق توازن نفسي عند المقاتل كي لا يتحول الى ميليشياوي. فيما لا يبرز عند «داعش» إلا الخطاب العقائدي المتضخم، من دون أي بصمة أخلاقية كونه يجهد لإبراز الغلظة والرعب في هذه المرحلة. تبرز أهمية الأخلاق في مرحلة البناء لا الهدم والذي هو طور «داعش» الآن.
8 – يقوم «داعش» على الخلط بين التراث والنص الديني فيقدّس الإثنين معاً، وعلى التفسير الجامد للنص حتى لو أدى الى خلاف المقاصد الإسلامية. فيما ينتمي «حزب الله» الى مدرسة فقهية تأخذ بعين الاعتبار عوامل الزمان والمكان وأنتجت فقهاً سياسياً قادراً على مجاراة العصر، والمواءمة بين الأصالة والحداثة. هذه المدرسة مثلاً أنتجت معايير للتمييز بين التراثي والديني، وتأخذ مقاصد الشريعة بعين الاعتبار وهو ما يضمن لها قدرة عالية على التكيف مع المتغيرات. فيما يرتكز «داعش» على الانتقائية في الارتكاز على تراث يفتقد المشروعية الدينية أو الأخلاقية في حالات كثيرة.
9 – يفتقد «داعش» لمثال معاصر تحاكيه، هو حركة ماضوية بامتياز برغم براعته في استخدام وسائل التواصل والدعاية. فيما استفاد «حزب الله» من تجربة الجمهورية الإسلامية في إيران بكل ثقلها الحضاري والثقافي وحاجتها للتطور والتكيّف الفقهي بما يقدم إجابات للإشكالات التي واجهت الجمهورية داخلياً وخارجياً. كل هذا المخزون كان في خدمة «حزب الله» وعاملاً أساسياً في نضوج الحزب الذي وجد نموذجاً خضع للتجارب والبلاءات وأعفاه من كثير من التجارب الفاشلة.
10 – يسعى «حزب الله» بشكل دائم لتوسعة القاعدة الاجتماعية لمشروعه، ولذا يقدم خطاباً يستهدف الجمهور العالمي والعربي والإسلامي والوطني والشيعي. وهذا ينعكس في احتضان المقاومة من شرائح غير متدينة وعلمانية وتعيش نمط حياة مختلف تماماً عن «حزب الله». فيما يسعى «داعش» لاستقطاب المتطرفين بشكل أساسي في مقابل ترويع ما سواهم. «داعش» حالة انعزالية متشرنقة في الغشاء التكفيري.
11 – تحتل شخصية القائد دوراً محورياً في الحركات الإسلامية وهنا يبرز فارق جوهري آخر بين «داعش» و «حزب الله». بحسب نظرية ولاية الفقيه التي ينتمي لها «حزب الله» هناك تشدد في شروط وضوابط شخصية الولي القائد من الناحية الخلقية والعلمية والكفاءة السياسية والعدالة، فهو نظرياً يجب أن يكون الأقرب في الصفات للإمام المعصوم، أو ما يعرف «بمعيارية المعصوم في قـياس الصفات». أضف لذلك بقاء دوره تحت مستوى ولو محدود من الرقابة والمراجعة الشعبية والنخبوية.
في مقابل انتماء «داعش» لمدرسة تقوم فيها القيادة على كون الشخص «مبسوط اليد»، أي مقتدر من دون اعتبار لشرائط خلقية أو علمية. فالبغدادي مثلاً، شخصية مجهولة لا يُعرف لها نتاج علمي أو خبرة سياسية، وتدور حوله شبهات الاختراق والتوظيف ويبدو شخصية انفعالية وتفتقد للخبرة السياسية، بما دفع «داعش» بفترة قصيرة الى جـملة مآزق وجودية في العراق وسوريا.
«حزب الله» ليس كاملاً بالتأكيد، وليس منزّهاً من العيب، إلا أن تشبيهه بـ «داعـــش» ليس إلا إهانةً للعقول وتلاعباً بانفعالات الجمهور. لتعرف «حـــزب الله» إعرف خصومه، الحزب عــــدو إسرائيل وأميركا المستكبرة والتكفيريين والرجعيين العرب، فالضـــد يظهر حسنه الضد.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*