من "عاصفة الحزم" الى "إعادة الامل" …تبدلت الاسماء والاهداف واحدة

 

صحيفة المنار الصادرة في فلسطين الحتلة عام 1948 ـ
الدكتور بهيج سكاكيني:

في 21 من هذا الشهر أعلن وزير الدفاع السعودي عن انتهاء عملية “عاصفة الحزم” والبدء بعملية جديدة سميت زروا “إعادة الامل”. ومن الناحية النظرية وتبعا للتصريحات الرسمية فان الأهداف التي رسمت لهذه المرحلة الجديدة كما أعلنت من اكثر من مصدر رسمي سعودي هي العمل على احياء العملية السياسية في اليمن بناء على المبادرة الخليجية (التي اكل عليها الزمان وشرب) بالإضافة الى مخرجات الحوار الوطني اليمني ( ولم تأتي على ذكر اتفاق السلم والشراكة التي اتفق عليها من قبل كافة المكونات الاجتماعية والسياسية في اليمن). ومن الأهداف التي اعلنت لهذه العملية الجديدة هي محاربة الارهاب، وتأمين الحماية للمدنيين، والعمل على توفير الدعم الإنساني والاستمرار في عمليات اخلاء الأجانب العاملين في اليمن. وكان ان صرح الممثل السعودي في الأمم المتحدة “بأن عملية إعادة الامل ستعمل على تسهيل إيجاد العملية السياسية ولكنه أضاف الى ان “التحالف” سيستمر في استخدام القوة كلما استدعت الضرورة لمنع الحوثيين من إرهاب الشعب اليمني. ” ان الهدف هو التركيز على العملية السياسية، وعلى العملية الإنسانية، بينما في نفس الوقت العمل على حماية الشعب اليمني من الاعتداءات التي يقوم بها الحوثيين”. وأضاف ” عندما يقوم الحوثيين أو حلفائهم بأي خطوات عدوانية فان ذلك سيقابل بردود فعل. وان قرار العودة الى الهدوء يعتمد عليهم الان”.
هذا في الوقت الذي أكد هذا الممثل الى جانب المتحدث الرسمي باسم “التحالف” السعودي السيد أحمد العسيري بأن الحصار البري والجوي والبحري سيستمر لمنع وصول سلاح الى أنصار الله. أما الحصار البحري فتكفلته البوارج الامريكية المتواجدة على السواحل اليمنية بالقرب من ميناء عدن البحري.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل تغير شيء فعلا على صعيد العدوان الهمجي الذي تقوده السعودية منذ اعلان عملية “إعادة الامل” ؟
كل الوقائع على الأرض تدل بشكل لا لبس فيه انه لم يتغير شيء البتة فيما يختص بالعدوان البربري. فالطائرات الذي يشك في أن من يقودها هم حفنة من المرتزقة الأجانب، ما زالت تقصف الاحياء السكنية والمراكز والمرافق الحيوية وتعيد الكرة على ما دمر سابقا، بالإضافة الى تدمير قدرات وامكانيات الجيش اليمني.
وما زال الهدف الرئيس هو اخضاع اليمن وعودته الى الحظيرة السعودية وهيمنتها وسطوتها. ولأن هذا أصبح كحلم ابليس في الجنة كما يدركه آل سعود الان، فلا مانع من الإبقاء على عملية القصف مستمرة عل وعسى أن يؤدي ذلك من تحسين الأوراق السعودية في أي حل سياسي قادم، وهو ما أصبحت العديد من الدول الإقليمية والعالمية تنادي به ربما خوفا من امتداد النار اليمنية وانتشارها وتمددها الى دول الخليج العربي، وهو ما أصبحت تخشاه هذه الدول لما لهذه المنطقة من أهمية استراتيجية وجيوسياسية وبحكم احتواء أراضيها على مخزون عالمي ضخم من النفط والغاز الطبيعي. وربما تصريحات الرئيس أوباما في الفترة الأخيرة لدول الخليج بشكل عام والسعودية بشكل خاص من حيث ان الخطر الرئيسي الذي يتهدد هذه الدول ليس خطرا خارجيا من إيران بل الخطر الذي يهدد أمنها انما هو خطر من الداخل يصب في هذا المنحى. السعودية وآل سعود الان يعيشون حالة الإحباط والعجز الذي عاشه الكيان الصهيوني على مدى العشرون سنة الماضية نتيجة عدوانيته المتكررة على فلسطين ولبنان. حيث ان القصف الجوي المتواصل والمكثف الذي امتد لأسابيع عدة لم يحقق الأهداف التي وضعها مع بداية كل عدوان. السعودية اتبعت نفس الهمجية وبنفس الأسلوب وحصلت على نفس النتيجة وهو الفشل الذريع وعدم القدرة على تحقيق اية اهداف ملموسة على الأرض على الرغم من التدمير الهائل للبشر والحجر، كما هو الحال مع اعتداءات الكيان الصهيوني.
وكما هو الحال في غزة ولبنان فلقد كانت الخسائر البشرية بين المدنيين من نساء وأطفال تفوق ما يتحمله الراي العام العالمي الذي عند مرحلة معينة بدأ ينادي بالحلول السياسية. فبحسب احصائيات منظمة الصحة العالمية بلغ عدد القتلى والشهداء ما يقارب 1000 بالإضافة الى ما يقارب من 3500 جريح. وعلى الرغم من كل الخسائر الفادحة التي تكبدها اليمن نتيجة القصف والعدوان البربري ما زالت وحدات الجيش اليمني والوحدات الشعبية المقاتلة بمن فيهم انصار الله يتقدمون ويحققون المزيد من الانتصارات على الأرض. ولا بد لنا ان نشير هنا أن الذي يقاتل في الجنوب من الحراك الجنوبي لا يقاتل لعودة الرئيس الفار هادي “الشرعية” المزعومة، بل يقاتل من أجل انفصال الجنوب لما عاناه من تهميش منذ 1990 ولكن هذا موضوع آخر لا نريد الخوض به هنا.
أما الطرف الآخر الي يقاتل الجيش اليمني والقوات الشعبية ومن ضمنها انصار الله فهم جماعة الاخوان المسلمين والقاعدة المدعومين من السعودية والتي تسقط لهم طائرات “التحالف” الأسلحة والذخيرة من الجو. آل سعود لن يتراجعوا ولن يستسلموا بسهولة للهزيمة في اليمن فالعائلة تنظر وترى أن مشاريعها في المنطقة قد تساقطت الواحدة تلو الأخرى وهذا ما تؤكده الوقائع على الأرض في كل من العراق وسوريا ولبنان، على الرغم من انها صرفت المليارات من خزينتها المثقوبة، التي كان الفقراء والمهمشين السعوديون أولى بها. فلم تسقط الدولة السورية ولا الرئيس الأسد وفشلت كل المحاولات لشراء الموقف الروسي وزحزحته عن دعم سوريا. كما وتم الاتفاق بين ايران ومجموعة الدول الستة الكبرى حول البرنامج النووي الإيراني بالرغم من كل الضجيج والحرد السعودي والإسرائيلي. كما لم يحقق لها الدعم الذي قدمته للقاعدة ومن ثم لداعش الى جانب التحالف مع بعض القوى السياسية العراقية من إقامة حكومة عراقية موالية للسعودية. وعجزت عن تأجيج الوضع في لبنان الى حد التصادم والتناحر بين حزب الله وتيار المستقبل، أو تحجيم الدور الفاعل والوازن لحزب الله من حيث كونه مكون أساسي ورئيسي على الساحة اللبنانية، ولا نبالغ إذا ما قلنا انه أصبح قوة لها تأثير على مستوى الإقليم يحسب حسابها في أمور المنطقة وحل أزماتها. أما في اليمن التي كانت تعتبرها السعودية حديقتها الخلفية فقد اعتمدت السعودية على ادواتها في اليمن واغدقت الملايين على بعض رجال القبائل وعلى عناصر معينة من الطبقة السياسية والعسكرية في الداخل اليمني لشراء الولاء السياسي لآل سعود والإبقاء على حالة من التشرذم والانقسامات لإضعاف فرص قيام دولة وطنية.
آل سعود لم يقدموا المعونات المادية للحكومة لبناء مشاريع اقتصادية أو استثمار في بنية تحتية او تعليمية أو صحية أوغيرها من المشاريع التي قد تؤدي الى نهضة البلد. آل سعود عملوا كافة جهدهم على إبقاء اليمن معدما فقيرا بالرغم من وجود مقومات مادية لو استثمرت مع القضاء على الفساد الذي استشرى وعملت السعودية على تعميقه لكان اليمن غير اليمن الان. ان قيام يمن ديمقراطي ودولة مركزية وطنية في اليمن حاربته وتحاربه السعودية لان مثل هذه الدولة تعتبر نشازا في ظل دول خليجية تسيطر عليها عائلات أبا عن جد وتدير البلاد كما تدير قبيلة حيث لا يوجد شيء اسمه مواطنة ومواطنين. ولهذا السبب كانت وما زالت السعودية ترفض انضمام اليمن الى مجلس التعاون الخليجي. فهو بحكم تركيبته السياسية وهويته الوطنية القومية العروبية يشكل خطرا على تجمع المشايخ والامراء والملوك لدول كرتونية.
التدخل السعودي جاء بعد ان فشلت كل ادواتها في اليمن من السيطرة على الوضع هنالك، وخاصة بعد اعلان اتفاق السلم والشراكة بين كافة المكونات اليمنية والتي كان من المعول عليه ان يضع اليمن وربما لأول مرة في تاريخه المعاصر على سكة النهوض بالبلد من خلال القضاء على الفساد والتدخلات الأجنبية والحفاظ على الثروة والمقدرات اليمنية واستخدامها في خدمة الشعب اليمني ووضع اليمن على بناء الدولة الديمقراطية. ان تكوين حكومة يمنية ذو قاعدة عريضة تضم كافة المكونات اليمنية في إطار من المشاركة الحقيقية في السلطة واتخاذ القرار من الضروري انه سيضع آل سعود خاصة تحت ضغوط لدفع استحقاقات داخلية واجراء عملية اصلاح حقيقي في داخل المملكة تطال بنية الحكم وإدارة البلاد وتوزيع عادل للثروات، وخاصة مع وجود حالة من التململ بين أوساط الفئات المهمشة في المجتمع السعودي، وحيث الغناء الفاحش والبذخ الذي ينعم فيه البعض يتعايش مع فقر مدقع للكثيرين بالإضافة الى معدلات خيالية للبطالة لمن هم في سن العمل.
البعض اعتبر ان التدخل والعدوان السعودي السافر على اليمن وتشكيل “التحالف” العربي الغير مقدس انما اتى ضمن سياق محاولة السعودية للعودة الى المنطقة والفعل الإقليمي وليؤسس دورها المحوري في المنطقة، ولكن الذي يبدو أن ما أقدمت عليه السعودية وفشل عملياتها في اليمن عن تحقيق أي من أهدافها السياسية، الى جانب التفكك الذي يشهده “التحالف” المزعوم بتنصل الدول التي هللت في البداية وأبدت استعدادها للمشاركة بالعدوان بعد ان ادركت خطورة هذا على وضعها الداخلي ربما، فان العدوان على اليمن يبدو انه سيؤسس بداية النهاية للسعودية كما عرفناها.
وحده الزمن الكفيل بالحكم على هذا. وكلمة أخيرة نقول ربما أتت السعودية بتسمية العملية الجديدة “بإعادة الامل” على امل ان تعيد الامل لها في تحقيق ما كانت تصبو اليه بعد ان فقدت الامل وهي ترى الأمور تجري بعكس ما تشتهيه سفنها على الأرض وتنصل “الحلفاء” الواحد تلو الاخر من حولها في الائتلاف الغير مقدس التي جمعته على عجل، بالإضافة الى تزايد الضغوطات عليها الإقليمية والدولية لوقف عدوانها بعد ان انتشرت الصور المروعة للشهداء من الأطفال خاصة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*