أي #سوريا بعد الحرب؟

f45458d0-471d-4972-8f29-ce6713407a92

سامي كليب – صحيفة السفير

في مركز دمشق للأبحاث والدراسات، باحثة خمسينية العمر فقدت ابنها الوحيد في الحرب. تقول: «أنا سامحت إذا كان في المسامحة ما يوقف نزف الدم». قُتل وحيدها على مقاعد إحدى جامعات دمشق في آخر العام الأول للحرب. قرب المركز مقاهٍ ومطاعم مزدحمة بالشبان والشابات. هم على الأرجح من عمر ابنها يتناقشون ويتسامرون ويضحكون للحياة وربّما عليها. لا أحد داخل المركز ولا في دمشق الضاجة هذه الأيام بالحياة وزحمة السير يعرف متى ستنتهي الحرب ولا كيف، لكن الأسئلة صارت تذهب أبعد من السؤال عن ويلات ما حصل. هي تذهب الى معرفة مصير المجتمع والوطن والدولة لإعادة الناس الى بعضها البعض بعد أن تصمت المدافع ولغة الدمار والإرهاب.
في المجال التربوي مثلاً، هناك جيل من السوريين ينشأ على مناهج تعليمية مختلفة ومتنافرة ومتصادمة. فما الذي سيجمع الطالب اللاجئ في تركيا والذي يتربّى على تاريخ السلطنة العثمانية، مع ذلك الذي يتعلم في الرقة مناهج «داعش» و «النصرة» التي تعود الى بداية التاريخ الحديث او ما قبل التاريخ؟ ما الذي سيجمع التلميذ السوري الذي لجأ إلى مدارس لبنان أو الأردن، مع الفتى الذي لا يزال ينهل من معين التربية البعثية؟ الواقع أن جيلاً كاملاً من السوريين يتفتت على مذبح المناهج التربوية المتباغضة بعد أن فتتتها الحرب والفتن والمؤامرات.
يحاول عدد من الباحثين الموضوعيين والمحترمين في مركز دمشق للأبحاث والدراسات، التفكير بمشاريع كثيرة مبنية على إحصائيات دقيقة وعلى دراسات اجتماعية موثوقة، بغية إيجاد صيغة للوطن المقبل الذي عاجلاً أم آجلاً يجب ان يتسع لكل السوريين بعيداً عن الأحقاد التي تخلّفها الحروب.
وإذا كانت الفتن والمدافع والقصف والدمار، أمور تصمّ الآذان عن سماع أي شيء يتعلق بإعادة اللحمة الوطنية والقفز فوق الأحقاد، فإن ثمة ما يشجّع على التفكير بمشروع يزرع بعض الأمل عند الشبان الذين رمتهم الحرب في أتون القتال او الاقتتال او في مجاهل القلق او على سفن وطائرات الهجرة والرحيل.

ماذا في الأرقام؟
÷ آخر إحصائية يمكن الاستناد اليها في سوريا هي السجلات المدنية العائدة الى 1-1-2011. تؤكد الإحصائية أن عدد السوريين كان قد بلغ حتى تلك السنة، 23 مليوناً و100 ألف سوري مسجلين على اللوائح الرسمية. يضاف اليهم 3 ملايين و100 الف مواطن سوري كانوا أصلاً ولا يزالون يعيشون في الخارج كمهاجرين دائمين او موسميين. (في لبنان مثلاً، كانت العمالة السورية وغيرها تتراوح عادة ما بين 500 و600 الف وفق الإحصائيات السورية، طبعاً غير النازحين الى الخارج منذ بداية الحرب).
÷ الإحصائيات التقريبية حالياً تشير الى ان النزوح الداخلي الى المناطق التي تسيطر عليها الدولة السورية يتراوح ما بين 5 و6 ملايين نسمة، ما يعني أن مجمل السكان الذين يعيشون في كنف الدولة بعيداً عن مناطق المسلحين يصل إلى 16 مليون نسمة.
÷ لم تتغيّر كثيراً وجهة الهجرات الداخلية، فأهل حلب وأدلب معتادون منذ ما قبل الحرب على الذهاب الى الساحل وتحديداً اللاذقية، حيث للعديد منهم أملاك ومصالح. هم جاؤوا إليها بعد الحرب وبدأوا ببناء مصانع فيها وشراء بيوت ما شجّع الحركة الصناعية وحسّن ظروفها ورفع مستوى الإنتاج بالنسبة لأهل الساحل الذين لم يكن في عاداتهم أن يتّجهوا صوب الصناعات والحرف وإنما صوب الجيش والتعليم. أما أهل حمص وحماه فهم معتادون على الذهاب صوب طرطوس.
÷ وفق الإحصائيات التقريبية اليوم فإن عدد النازحين الى طرطوس فاق عدد السكان المحليين، بحيث وصل عدد النازحين إلى مليون و66 الفاً، بينما عدد أهالي المدينة هو 968 الفاً.
÷ تفيد الأرقام غير الرسمية ايضاً أن أهل حلب وادلب اشتروا مثلاً في اللاذقية وحدها أكثر من 78 الف شقة سكنية، واشتروا في طرطوس نحو 14 الف شقة.

ماذا تعني هذه الأرقام؟
تُشجِّع هذه الأرقام مسؤولي الدولة السورية ولكن أيضاً عدداً من المفكرين والباحثين على وضع دراسات للمستقبل السوري تستند الى الديموغرافيا الجديدة. يجري التفكير مثلاً في كيفية الإفادة من أسباب الفتن والأحقاد لوضع خطط بناء عمراني واجتماعي يتمّ فيها دمج الجماعات السورية بعيداً عن الاصطفافات المذهبية والعرقية وغيرها. فالهجرات السنية مثلاً صوب الساحل لا تقطن فقط في المناطق السنية وإنما تنتشر في المناطق الأخرى كلها ويحصل اندماج كبير مبني على معرفة السوريين لبعضهم البعض عن قرب، وكذلك على المصالح الاقتصادية التجارية التي صارت تؤسس لعلاقات مصلحية أفضل.
يسوق أحد الباحثين مثالاً على ذلك، فيقول إنه قبل فترة أقامت وزارة التربية فعالية اجتماعية في «مشتى الحلو»، جاء أبناء النازحين دون أمهاتهم المنقبات في معظمهن وغير المؤيّدات للدولة. ثم بدأت النساء يأتين شيئاً فشيئاً. وحين طُلب من بعض التلامذة رسم العلم السوري، كانت المفاجأة أن عدداً منهم رسم «علم الثورة» المثلث النجمات. وحين كان أحد التلامذة يُسأل عن مكان والده، يجيب: «أنه يجاهد ضد النظام». لكن مع الوقت تغيّرت الصورة وعاد التلامذة يرسمون علم بلادهم وصارت الأمهات أكثر اندماجاً بالمجتمع بعدما اكتشفن أن كل ما كان يُقال لهن عن المذاهب الأخرى، وتكفيرها غير صحيح.
تروي باحثة أجتماعية أخرى أن ابنتها طبيبة في مركز لمعالجة الأورام السرطانية. بعض النساء كنّ يأتين إليها للعلاج المجاني، وحين تطلب من إحداهنّ مثلاً أن يأتي زوجها لأخذ الوصفات الطبية كي لا تتكبّد هي عناء المجيء مرة أخرى نظراً لوضعها الصحي، كانت المريضة لا تتردد في الإجابة بأنه في الرقة او الشمال يقاتل مع الثوار والمجاهدين. لم يمنع ذلك من استمرار المريضة في تلقي العلاج المجاني، برغم التكاليف الباهظة لهذا النوع من العلاجات السرطانية.
يبدو أن الدولة السورية اعتمدت سياسة الاحتواء لهؤلاء النازحين ونجحت الى حد بعيد في ذلك، بالرغم من عدد من المشاكل. فهي تستمر في دفع الرواتب في المناطق التي يسيطر عليها المسلحون شرط أن يتولى المحاسب المُكّلف من قبل الدولة التعهّد بتحمّل مسؤولية كل من يقبض منه للتأكيد على أنه موجود فعلاً في المنطقة. لا تزال الدولة أيضاً ترسل الأدوية حتى الى المناطق التي تسيطر عليها «داعش» و «النصرة» وغيرهما. ثم إن الوزارات المعنية مستمرة حتى اليوم في شراء الإنتاج الزراعي من مناطق المسلحين. هي تعتبر الكثير من الناس في مناطق «داعش» و «النصرة» وغيرها «رهائن» لا «بيئة حاضنة».
في الحسابات بعيدة المدى، فإن هذا المخزون من النازحين، يُبقي كفة التوازن الشعبي راجحة لصالح الدولة. هذا يجعل المسؤولين الرسميين السوريين أكثر يقيناً بأنه لو حصلت أي انتخابات رئاسية وفي ظل مراقبة دولية فإن النتيجة ستكون لصالح الرئيس بشار الأسد، كما أن نتيجة أي استفتاء سيجري ستصب في صالح الدولة الحالية. أما على المدى البعيد، فان عائلات المسلحين الموجودة مثلا في مناطق الساحل وغيرها ستكون عاملاً مساعداً في جذب المسلحين وإقناعهم ولو بعد حين بتسليم سلاحهم، كما ان هذا الفرز السكاني الحاصل بسبب الحرب يسمح لاحقاً بوضع تخطيط سكاني وعمراني يساهم في دمج المجتمع السوري على نحو يمنع أي فتن أو حروب مقبلة ويقرّب السكان من بعضهم بعضاً.
لو أضيف كل ذلك إلى عمليات المصالحات المستمرة برغم الصعوبات والعراقيل الكثيرة، نفهم أكثر لماذا لا تعلق الدولة السورية كبير الأهمية على التفاوض مع معارضة الخارج التي تعتبر أن دورها بات عديم الفعالية، وأنه من الأفضل نسج خيوط تفاوضية وتصالحية مع الداخل حتى ولو تعلّق الأمر بمسلحين يقاتلون الدولة منذ سنوات.
هل في الأمر بعض المغالاة وسط عنف المعارك وموازين القوى العسكرية المعقدة على الأرض؟ ربما. لكن الأكيد أن الكفة بات تميل أكثر نحو الدولة، ذلك ان منطق الحروب يقول إنه حين يشتد وطيسها وتتسع بحور الدماء والدمار فيها، يعود الناس إلى منطق الجيش على اعتبار انه الكفيل بحمايتهم او أنه في جميع الأحوال أقل خطراً من الإرهاب والتكفير وأمراء الحروب.
كل هذا يشجع على وضع مشروع سياسي واضح المعالم لفترة ما بعد الحرب، بحيث يعطي أملاً للناس بما سيكون عليه مصيرهم وشكل الدولة والوطن حين تنتهي وظيفة الحرب. ربما هذا صعب الآن، لكنه مطلوب أكثر من أي وقت مضى.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*