استراتيجيون.. ولكن!

Mhamad-sayedkassem-strategy

موقع إنباء الإخباري ـ
محمد أحمد السيد قاسم:
دأبت وسائل الإعلام على استضافة أشخاص في برامج الحوار السياسية. وكانت ولا زالت تقدمهم إلى جمهورها المشاهد أو المستمع، وأحياناً القارئ، بعناوين تبدو جذابة (الخبير الاستراتيجي، المحلل الاستراتيجي، الباحث الاستراتيجي…).
يطرح المحاوِر من جهة وسيلة الإعلام أسئلة موجهة أو نصف موجهة، ويدلي الضيف الاستراتيجي بدلوه موافقاً أو معترضاً، معلقاً أو شارحاً، ليصل إلى توقعات تشوبها الحتمية، وفي حال التواضع تشوبها أرجحية مطلقة، أخجل من ذكر نسبها المئوية… والناس، أهل هوى، يطمئنون أو يخافون، يفرحون أو يقنطون. وإذا ساد السباب الاستراتيجي، أخذ المواطن المسلوب اللب دور الحَكَم بين الديكة الاستراتيجيين، فقرر أيهما أجمل صياحاً دون إدراك الصباح.
لكن أمراً مستفزاً يحصل في كل مرة. لا يعترض الاستراتيجيون على وسمهم هذا بالاستراتيجية، فكأنه بذلة جديدة أو حذاء لامع، أو إن شئت مركبة فخمة.. يفرحون ويتحدثون ثم يمضون إلى منازلهم، ويعيدون الكرّة مرّة بعد مرّة، حتى بتنا في لا وعينا نعرف أن فلاناً الاستراتيجي سيكون ضيف البرنامج الفلاني على الشاشة الفلانية أو خلف المذياع الفلاني، أو أنه سيكون نزال بين الاستراتيجيين الفلانيين، وقد أعدّ كل واحد منهما العدّة للفوز بالضربة القاضية أو بالنقاط على زميله الاستراتيجي الآخر.

ودائماً مع الاحترام، لم أعرف يوماً كيف صار فلان استراتيجياً، فدعوت نفسي لاحترام عقلي، وها أنذا أحترم عقولكم..

أولاً: في الاستراتيجيا: مصطلح عسكري النشوء، وهو بالتعريف حسب أشهر الموسوعات المعروفة: خطة شاملة تحتوي على مجموعة خطط متجانسة ومتناغمة، تستعمل موارد محددة، بغية تحقيق السيطرة على هدف محدد.
نعم، لقد شهد هذا المفهوم تطوراً، فلم يعد المصطلح عسكرياً فقط، فصار التعديل بكلمة السيطرة، وصار الاكتفاء بعبارة “تحقيق هدف محدد”، لذا صرنا نرى “استراتيجية سياسية”، أو “استراتيجية تربوية” أو صحية أو تنموية، إلخ…

هنا نلاحظ ما يلي:
1 ـ هي فعل ومبادرة، وهي تحقيق إرادة عبر إدارة الموارد بشكل واقعي ومقسط، ولا تقبل عبارات “أؤيد، أرفض، أرى، لا أرى، أعتقد…” وكل العبارات الدالّة على ردود الأفعال، لأنها إن قبلت بذلك لم تعد استراتيجيا.
2 ـ تفترض وجود مقياس للنجاح، عبر ما يسمى مؤشرات النجاح، وكل شيء عكسه هو مؤشر فشل. وتهذيباً يُقال “نقاط قوة ونقاط ضعف”. هذه المؤشرات كميّة ـ يعني بالأرقام ـ وليست بوجهات النظر التي تعتمد على النعوت، فلا يجوز أن نكبّر صغيراً أو أن نصغّر كبيراً كما يحلو لنا.
3 ـ المعوقات والصعوبات مرصودة سلفاً، وقد أعدت الخطة نفسها لمواجهتها، وفي حين تعدد الاحتمالات تكون المواجهة بخطط بديلة معدّة سلفاً هي الأخرى، وفي كل مرحلة يجب أن تكون البدائل جاهزة، ولا يُترك شيء للصدفة.
4 ـ يُعتبر استهلاك الموارد أحد أهم المؤشرات، إذ لا يجوز أن نستهلك أكثر من الحد الأقصى المرسوم بالرغم من وجود موارد احتياطية ضمن الخطة.
5ـ الوقت هو الآخر مؤشر حيوي لقياس نجاح الخطة، نعم هناك مرونة مقبولة، وإلا وصلنا إلى حد المياعة في التنفيذ وبالتالي الفشل.
6 ـ كيف نشخّص وصولنا إلى الهدف وتحقيقه؟ عبر المؤشرات الكميّة في حالتي الربح والخسارة في الوقت والموارد والنواتج وهكذا.
ثانياً: في الاستراتيجي، وهو الذي يقوم بصياغة الاستراتيجية أو يقودها أو يقوّمها. وعلى هذا فهو أحد اثنين:
1 ـ القائد: الذي يمتلك السلطة ويأمر الموارد ويحرك الطاقات البشرية واللوجستية والمالية، والممسك بكل المنظومات المشاركة وهي عديدة جداً مهما كانت الاستراتيجيا بسيطة أو هكذا تبدو. يستمع ويفهم، ويناقش ويحاور، يأخذ من أصحاب الرأي آراءهم ويختار اللحظة ويقرر.
2 ـ فريق القيادة العليا: الذي يعدّ الخطط ويقدّمها ويقوّمها ويراقب تنفيذها ويراعي تناغمها وتجانسها ويقوّم أداء الموارد البشرية ويحاول تحقيق الأكثر بالجهد والموارد الأقل، ولكن بعد أخذ القرار من قِبل القائد.
خارج هذين التوصيفين، لا شخص استراتيجياً أبداً
حتى أن القادة الميدانيين والأطر المباشرة والصغرى والوسطى هم تكتيون، لأن الخطط الصغرى والوسطى وعلى الآجال الوسطى أو الصغرى هي تكتيكات وليس أكثر. بل هم لا يعلمون أين عملهم وما دوره وما موقعه من الاستراتيجيا، هذا إذا عرفوا أنهم ينفذون استراتيجيا أصلاً. هم يكلَّفون وينفّذون ويحاولون الإنجاز الأفضل على قدر معرفتهم ليس إلاّ.
تسود اللغة العسكرية في هذا الشرح لأن المفهوم عسكري بالأصل، لكنه مرن بما فيه الكفاية حتى نستعمله في السياسة والاقتصاد والتربية والإعلام وكل المجالات الأخرى.
خلاصة:
بالعودة إلى ملوك شاشاتنا، وأبطال إذاعاتنا وعناوين جرائدنا، ألا نعيد النظر بتوصيفنا لأنفسنا ولغيرنا؟
إن لم نكن قادةً كباراً لدينا الأهداف والسلطة والموارد وإمكانية أخذ القرارات، أليس الأجدى أن نكتفي بصفة مراقب أو مشاهد أو متابع، ونقول مشاهداتنا وندلي بآرائنا واستنتاجاتنا وتقديراتنا التي تقبل الصحة وتقبل الخطأ؟ أليس من الأخلاق التواضع بدل البحث الدائم عن التبريرات لأنه خابت حتمياتنا ومواقيتنا؟
إن دولاً في العالم العربي ـ أو إن الدول ـ لا تمتلك استراتيجيات ولا يقودها استراتيجيون، فليس عيباً إذاً على متحدث هنا وكاتب هناك أن لا يكون استراتيجياً.
وتملّقاً قد أقول: استراتيجيون.. ولكن!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*