الإرهاب الدولي.. جذوره وعلاجه الأنجع

bissan-hazim-terrorism

موقع إنباء الإخباري ـ
بيسان هزيم*
:

 

إن السؤال الذي يُحيّر الجميع ويُعدُ مادة النقاش الرئيسية في أروقة السياسيين ومعاهد الأبحاث هو،  ماهية وأصل الإرهاب ومنابع التطرف على المستوى العالمي.

بدايةً، هناك ثلاثة عوامل رئيسية في ظهور وتفشي ظاهرة الارهاب عالمياً، أولها الأمية فالفقر والتهميش الاجتماعي والسياسي. وكما يقولون “مشوار الألف ميل يبدأ بخطوة واحدة”، فإن أول وأهم خطوة هو الخروج من القوقعة التقليدية في البحث عن أسباب المشكلة التي يتم عادة تحويلها على الخطاب الديني وتحميله إيّاها، لكن للمشكلة جذور إجتماعية, إقتصادية و سياسية والخطاب الديني هو أحد العوامل، ولكنه بالقطع ليس العامل الرئيسي.

 

الدول الأقل معاناة من الإرهاب ومن تورط مواطنيها في أحداثه هي الدول التي تسجل أعلى نسبة محو أمية. ولعلها ليست صدفة أن نسبة محو الأمية في كوبا التي هي دولة فقيرة بمواردها تعد 99.8%، وبالتالي تعتبر هذه النسبة أعلى من دول كسويسرا وبريطانيا والولايات المتحدة الامريكية، حيث لم يتورط أي مواطن كوبي بأحداث إرهابية عالمية. الدول التي تعاني من إستفحال الإرهاب وتورط مواطنيها في أحداث إرهابية أو ما يُعرف بالبؤر الساخنة هي الصومال 37.8%, اليمن 63.9%, الجزائر 72.6%,  مصر 73.9% وتونس(89.3%).

إن الارتقاء بمستوى التعليم ونسبة محو الأمية ليست بالمهمة السهلة، وهي مهمة لم تكن كذالك حتى على دولة مثل كوبا التي على الرغم من إفتقارها إلى موارد دولة بحجم العراق، فقد نجحت أكثر من العراق في هذا المجال، فالعراق كان سجل نسبة محو أمية 78.2% على الرغم من كل الموارد الهائلة التي تم تخصيصها لتلك المسألة الحيوية.

 

الطبقة الوسطى في أي بلد هي درعه الذي يحميه من الإرهاب والتطرف  على وجه الخصوص، فهي مؤلفة من المحامين والأطباء والمهندسين وغيرهم من خريجي الجامعات، ومن حملة الشهادات العليا، ولكن ذلك لم يمنع بعضاً من الأطباء أو المهندسين من الإنضمام للإرهاب العالمي وإرتكاب جرائم أودت بحياة الكثيرين. المشكلة أن السياسات الإقتصادية التي يتم تطبيقها حالياً على المستوى العالمي قد أدت في مجملها إلى تهميش هذه الطبقات وتقليصها. ولأن الإرهاب يستهدف الطبقات الأقل تعليماً وثقافة ووعياً وبسبب تخصيص التعليم الجامعي في بعض البلدان ورفع رسوم التعليم الحكومي في بلدان أخرى، فقد أدى ذلك مع الوقت إلى عجز الكثيرين عن توفير مصاريف الدراسة الجامعية مما أفضى إلى إنضمامهم إلى الطبقة الأكثر فقراً وعوزاً، وبالتالي فإن في ذالك تسهيل غير مباشر لمهمة غاسلي العقول والأدمغة. ولكن الفقر أيضاً لم يَمنع الكثيرين من الأثرياء من تمويل الإرهاب أو ترأس خلايا إرهابية، فخلفيات الإرهابيين ليست كلها من بيئات فقيرة بل بعضهم من أكثر الأسر ثراء ومالاً، وبعضهم الأخر يحمل أرفع الشهادات العلمية.

 

التهميش السياسي هو ثالث تلك الأسباب لأن تمثيل جيل الشباب في الأجهزة والمؤسسات الحكومية في الوطن العربي ضعيف وليس كالدول الأوروبية حيث النمسا لديها أصغر وزير خارجية في العالم وإسمه سيباستيان كورتس.., بينما كندا إنتخبت رئيس وزراء عمره 43 سنة هو جاستن ترودو.

 

التهميش يَطال أيضا العنصر النسائي خصوصاً في الوطن العربي، بينما نجد في بريطانيا “نائبة” تبلغ من العمر20 عاما ومازالت طالبة جامعية، وهي(MhairiBlack) وهي تمثّل الحزب الوطني الإسكتلندي وكانت إنتزعت مقعدها من النائب العمالي(DouglasAlexander) والذي بقي محتفظا به منذ سنة 1997 عن دائرة (Paisley and Renfrewshire South).

 

الشباب الغير المُمثَّل بعدالة في النظام السياسي لأي بلد سوف يبدأ بتركيز طاقاته في إتجاهات أخرى سالبة، وقد توفر التنظيمات الإرهابية لمن يعاني من الحقد على مجتمعه ووطنه الفرصة للقيام بعمل ما لن يكون بالتأكيد عملاً وديّاً.

 

ولأننا نعيش عصر تبادل المعلومات والتجارة الحرة والعولمة فإن الإرهاب العالمي قد إستغل ذالك لمصلحته حيث يقوم بتجنيد أعضاء في المواقع والمنتديات وشبكات التواصل الإجتماعي، وهو يمتلك أذرع وخبرات تقنية وتكنولوجية متطورة تمكنه من المنافسة والمقارعة في المجال الإلكتروني.. وعولمة الإرهاب هي المفهوم أو المصطلح الذي سوف يتحدث عنه الجميع إن طال الزمن أو قصر خصوصاً ان هناك من يأتون من بلدان لم نكن نعرف قبل ذالك أنه من بين سكانها إرهابيون يقاتلون في أراضي قد يكونون قبل ذالك ربما لم يسمعوا بها في دروس التاريخ أو الجغرافيا، أو سمعوا بها مرة أو اثنتين فقط. نحن نعيش في عصر إزالة الحدود الجمركية والقانونية لعبور الأشخاص والتنقل بين الدول خصوصا مع تأسيس الإتحاد الأوروبي وإتفاقية الشينغن فإن على الأجهزة المختصة أن تكون أكثر حذراً.

 

لايخفى على أحد ان الإرهاب تحول بفضل العولمة إلى صناعة تدر مداخيل هائلة. العولمة ظاهرة لها إيجابياتها وسلبياتها ولعل أحد إيجابياتها هي سهولة تحريك رؤوس الأموال بين الدول تماماً كالإرهاب الذي يتحرك بسرعة ويضرب في كل زمان ومكان وبدرجة تنسيق تثير الدهشة. الشركات المختصة بصناعة أسلحة الحماية الشخصية, شركات الحماية الخاصة, الشركات الأمنية المختصة بحماية كبار الشخصيات والمقاولين في البلدان التي تعصف بها إضطرابات أمنية, كل ذالك يستفيد بشكل مباشر أو غير مباشر الإرهاب.

 

الإرهاب يتم إستغلاله حتى إستفحل أمره ولكن لابد من خطوات عاجلة للقضاء عليه. ولعل أول تلك الخطوات:

1/قطع خطوط إتصالات التنظيمات الإرهابية حيث يُشاع على نطاق واسع أن السيرفرات الخادمة لمواقع تروج للإرهاب تديرها شركات في أوروبا وأمريكا. كما أن هناك عدد من الشركات الأوروبية التي مقرها تركيا تقوم بتزويد التنظيمات الإرهابية بالإنترنت ووسائل الإتصال عبر الأقمار الإصطناعية. المؤيدون للتنظيمات الإرهابية تغلغلوا في مواقع الإنترنت والمنتديات كما أنهم يستخدمون فيسبوك وتويتر بكثافة وبدون إزعاج تقريبا. على إدارة مواقع التواصل الإجتماعي إلغاء أي حساب يقوم بتقديم الدعم أو التأييد للإرهاب بأي شكل من الأشكال سواء بالكتابة أو إستخدام شعار التنظيمات الإرهابية أو إعادة نشر فيديوهات الإرهاب وهي خطوة كانت شركة غوغل رائدة في إتخاذها بحذف فيديوهات الإرهاب من موقع يوتيوب وبكفائة وسرعة فاجئت الكثيرين.

 

2/التمويل هو الخطوة الثانية التالية التي يجب إتخاذ قرارات حازمة بشأنها، لأنه وللأسف فإن قنوات تمويل التنظيمات الإرهابية مازالت تعمل بإنسيابية. يجب قصف كل منطقة أو مبنى يتم إستخدامه من قبلهم لأغراض نقل وتوزيع الأموال. كما أن خدمات تحويل الأموال عبر العالم يجب أن تشدد من إجرائاتها لمنع وصول الأموال لعناصر مشبوهة بالتنسيق مع الإدارات الأمنية في البلدان التي تعمل فيها والإنتربول الدولي. النفط هو أحد أهم السلع التي تدر عائدات ضخمة على التنظيمات الإرهابية في سوريا والعراق. الحل ليس بتدمير مصافي تكرير النفط أو منصات إستخراجه بل بمحاسبة الدول التي تقوم بشراء النفط من تلك التنظيمات وقطع طرق المواصلات التي تقوم تلك التنظيمات بإستخدامها لإيصال النفط للمشترين.

 

3/حل النزاعات الدولية حتى لا يتم إستغلالها من قِبل التنظيمات الإرهابية لتحريض الشعوب هو من أساسيات مكافحة الإرهاب على المستوى العالمي. التنظيمات الإرهابية على إختلاف مسمياتها ومبادئها تستغل الإضطرابات حول العالم سواء كانت إجتماعية أو سياسية أو إقتصادية لصالح أجنداتها سواء بمحاولة التمويل أو التجنيد أو حتى الدخول على خط الصراع وتنفيذ أعمال تستهدف المدنيين والبنية التحتية لزيادة النار إشتعالا.

 

4/التوعية هي أهم خطوة في سبيل مكافحة الإرهاب العالمي. إستخدام أحدث طرق علم الدعاية والإعلان والترويج لمبدئ المحبة والتسامح والسلام هي سلاح فعّال في مكافحة الدعاية التي تحاول فيها التنظيمات الإرهابية الترويج لنفسها. التعامل مع الإرهاب من ناحية إعلامية على أنه سلعة وأن المعرضين لخطر تلك التنظيمات هم زبائن محتملين هو مبدأ سليم ويسمح بتطبيق أخر التقنيات الإعلامية لإقناع الزبون بكساد البضاعة التي يحاول الطرف الأخر الترويج لها.

 

وفي الختام، أرغب أن أؤكد على أن الرجعية والأصولية الدينية لا تتحمل كامل المسؤولية عن إنتشار التطرف بل هي العامل النهائي الذي يقطف بفضله الأصوليون ثمار كل ماسبق ذكره بعد مرور عشرات السنين من تغلغل الجهل والفقر والتهميش في جذور الحياة الثقافية والإجتماعية والسياسية على المستوى العالمي وفي الوطن العربي وأفريقيا وأوروبا الشرقية أيضاً، حيث تقع بعض أكثر البلدان فقراً وإنخفاضاً في مستوى المعيشة.

 

* كاتب وعضو ناشط في رابطة القلميين الالكترونية مُحبي بوتين وروسيه في الاردن والعالم العربي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*