الجامعات والتعليم وصداقة الشعوب بموسكو

bissan-hazim-teaching-moscow

موقع إنباء الإخباري ـ
بيسان هزيم*:

النظام التعليمي في روسيا الإتحادية حالياً هو نظام تعليمي متميّز بكل ما تحمله الكلمة من معنى، سواءً من ناحية الكمِ أو الجوهر وطرائق التعليم. إذ خَرَّجَت الجامعات الروسية، وخصوصاً العلمية والأدبية والتقنية، عدداً كبيراً من الطلاب الاردنيين والعرب بخاصة، والأجانب بعامة، في مختلف التخصصات. والعطاء والكرم الروسيين في قبول الطلاب الأجانب في مؤسسات روسيا التعليمية العليا يتواصل منذ مئات السنين، والتعامل مع الأجانب إيجابي القسمات ويتسم بالبساطة، ولا حدود لعطائه اليومي، والأهم أنه لا يستند إلى مبدأ “المادة”، بل يرتكز الى علاقات بنّاءة وتجربة إيجابية وعميقة، يَحملها الطالب بسرور في سبيل عودته إلى بلاده.

روسيا الصديقة المخلصة درّست وعلّمت العديد من أبناء العرب، الذين أصبحوا بفضلها أدباء ومثقفين شهيرين في بلاد الشام والعالم العربي، وكان ذلك في مدارسها وجامعاتها العريقة خلال الحقبة القيصرية، بجهود حكوماتها أنذاك ونشاط الجمعية الامبرطورية الارثوذكسية الفلسطينية الروسية (تأسست عام 1882)، التي أسست على نفقتها114 مدرسة في سائر بلاد الشام، حتى توقف عملها مع بداية الحرب العالمية الأولى عام 1914.

كانت تلك المدارس تُسمّى بـ”المدارس الموسكوبية”، وانتشرت في مختلف أصقاع الشام. وواصلت “الجمعية” إبتعاث طلابها لروسيا للدراسة الجامعية المجانية، وهناك في بلاد الثلوج إشتهر هؤلاء، ومنهم على سبيل المِثال لا الحصر: اسكندر كزما الدمشقي/ والأديب ميخائيل نعيمة/ والمناضل المعروف خليل السكاكيني، ورشيد أيوب، ونظير زيتون، وعبد المسيح حداد، ونسيب عريضة وغيرهم كثيرون

وفي هذا الصدد، تُشير مدونة الدكتور جوزيف زيتون، وهي مدونة شهيرة وغنية المضمون الى: ان نشاط الجمعية في أرجاء بلاد الشام قد تكثّف، فتسلمت مدرسة الآسية للبنات عام 1885 لتطوير مناهجها، وساهمت بتأسيس الكلية الأرثوذكسية في حمص (الغسانية)، بالإضافة الى افتتاح مدارس في بيروت وحمص وحماة واللاذقية. كما وافتتحت مدارس ايضاً في جبل لبنان وطرابلس، وابرشية صور وصيدا ومرجعيون وحاصبيا، وجبل الشيخ في قطنا وقلعة جندل وعرنة، وقضاء وادي العجم… ومدرسة وميتم للبنات في دير سيدة صيدنايا… وفي كل مكان حتى أصغر البلدات والقرى.

أما في بيروت فقد تناول التأسيس بشكل خاص اقسام سبع مدارس للبنات من قبل السيدة تشيركاسوف التي توفيت في بيروت، عام 1918، وكانت تدعى (الماما).

وأمام هذا الازدهار فقد قرر مؤتمر الجمعية المنعقد في موسكو عام 1913 إنشاء جامعة روسية كبرى في بيروت على غرار الجامعتين اليسوعية والأميركية، لكن نشوب الحرب العالمية الأولى أدى الى اغلاق كل المدارس الروسية بقرار من السلطات التركية في دائرة بلاد الشام الخاضعة للوجود التركي، عام 1914، ثم انتهى وجود هذه الجمعية رسمياً بقيام الثورة الشيوعية في روسيا عام 1917 واستيلاء البلاشفة على السلطة وقلب النظام القيصري الروسي، وإعدام القيصر نيقولا واسرته. وتوقف نشاط الجمعية التعليمي والتنويري في فلسطين. وعقد مؤتمر للجمعية في  بطرسبورغ، واتخذ قرار بوقف النشاط التعليمي حتى انتهاء الحرب في سورية وفلسطين.

وقد تخلت الجمعية بمؤتمرها، لبطريركية انطاكية وسائر المشرق عن مدارسها ومحتوياتها، ومعظم المدارس لاتزال باقية الى الآن بحوزة البطريركية، وبعضها الآخر آل الى وزارة التربية السورية، كمدرسة قلعة جندل المجاورة لكنيسة مار ميخائيل، واضمحلت مدارس اخرى، بينما بقيت الكنيسة وكنيسة القديس جاورجيوس للسريان الكاثوليك بعهدة وكلاء الكنائس.

وفي العهدين السوفييتي السابق والروسي الحالي أخذت تبرز مئات الجامعات الروسية وغدت الأشهر في العالم، وعلى رأس تلك الجامعات جامعة الصداقة بين الشعوب، التي تم تأسيسها سنة 1960، وفي سنة1961 أطلق عليها إسم جامعة باتريس لومومبا، وتم تغيير إسمها إلى الجامعة الروسية لصداقة الشعوب سنة 1992.

تضم الجامعة 10 كليات رئيسية وهي الزراعة, العلوم الاجتماعية والإنسانية, الهندسة, الطب, اللغة الروسية, علوم الفيزياء الرياضية والعلوم الطبيعية, الآداب, حماية البيئة, الاقتصاد, الحقوق. كما أنها تضم 3 كليات للتدريب وزيادة المهارات, و3 كليات عامة في الجامعة,7 معاهد, و33 مركز للبحوث العلمية, وأكثر من 150 مختبر علمي.

وفي التسعينيات من القرن الماضي تم إفتتاح كليات جامعية جديدة هي حماية البيئة, الاقتصاد, الحقوق, الآداب, العلوم الإنسانية والاجتماعية, إعادة التدريب والتأهيل لمدرسي اللغة الروسية, تدريب وتأهيل الأطباء ومعاهد تعليمية وهي اللغات الأجنبية, الاقتصاد العالمي وإدارة الأعمال, التعليم الافتراضي, التعليم الفندقي والسياحة, الجاذبية وعلم الكونيات.

ومن المُفيد أن نُذكّر أن نسبة الطلاب الأجانب في أروقة الجامعة يبلغ 35%، وينتمون لـ145 – 152 دولة في العالم، وهو مؤشر هام على مدى شهرة الجامعة ورفعتها العلومية وقدرتها في تحقيق الهدف من إنشائها، وهو إعداد الكوادر العلمية لبلدان العالم النامي ودعم جهودها في سبيل إستقلال شعوبها، وقد تحوّلت الجامعة الأن إلى تصدير التعليم ونشر اللغة والثقافة الروسية والتعريف بروسيا التي تتعرض لحملة إعلامية كبيرة بسبب مواقفها العادلة من قضايا أمم وشعوب العالم  ولدعوتها إلى تطبيق القانون الدولي ورفض إزدواجية المعايير.

من أشهر الشخصيات التي درست في الجامعة الرئيس الفلسطيني الحالي محمود عباس(1982), ورئيس وزراء تشاد، وبارات جاغديو رئيس وزراء ورئيس دولة سابق غويانا وغيرهم الكثيرين.

وتدليلاً على الاهمية الدولية للجامعة، يكفي أن نذكر انها مرتبطة مع أهم وأشهر الجامعات والمؤسسات التعليمية في مختلف دول العالم بـ160 إتفاقية تعاون في مجال البحث العلمي وتبادل الخبرات. كما انها تتبادل الخبرات وتشارك في برامج عمل عدد من المؤسسات الدولية كاليونسكو/ منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية/ ومؤسسة التدريب الأوروبية. الجامعة أيضاً عضو في الاتحاد الدولي للجامعات، وجامعة الرابطة الأوروبية، والرابطة الأوروبية الآسيوية للجامعات، والرابطة الأوروبية للتعليم الدولي.

يكمن سر نجاح الجامعة في تواصل مسيرتها التعليمية بكل كفائة وإقتدار، ونجاحها في إجتياز التجارب السياسية الصعبة التي تعرضت إليها الدولة، وإصرارها على استمرار تفعيل أهدافها العلمية السامية والنبيلة التي وضعتها إدارة الجامعة نصب أعينها بخاصة في المحافظة على مستوى أكاديمي متميز، وقهر الصِّعاب، والإهتمام بأدق التفاصيل التي تشمل نوعية الحياة وجودتها داخل الحرم الجامعي، والقدرة على التكيّف مع الظروف والمتغيرات التي مرت بها الجامعة، وذلك لعمري سر المرونة في التعامل مع تلك المتغيّرات، وبدونها يستحيل الحفاظ على صرح تعليمي بتلك الأهمية الفائقة والتميّز العالمي والذي يواصل بريقه بالسطوع في أرجاء الكون.

*كاتب وعضو ناشط في رَاَبِطَة الَقَلَمِيِّين الاَلِكْتْروُنِيّةِ مُحِبِّيِ بُوُتِيِن وَرُوسيِّهَ فِيِ الأُردُن وًالعَالَم العَرَبِيِ.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*