الجيش: لا لذبح عرسال.. والعسكر والبلد

lebanon-dahrbaydar-cut

صحيفة السفير اللبنانية ـ
ملاك عقيل:

كلّما سقطت ورقة من رزنامة خطف العسكريين، وأخرى من رزنامة «شبه الحرب» الدولية على التنظيمات الإرهابية في سوريا، وثالثة من يوميات عرسال ازداد منسوب التوجّس من تداعيات كل هذه البراكين المحيطة بالداخل اللبناني.
تدريجاً، وعلى عكس تكتيك المواجهة في نسخته الأولى، بدأت الحكومة تدخل رسمياً في مناخات المقايضة مع إرهابيي «داعش» و«النصرة»، محكومة بعوامل عدّة منها ضغط أهالي العسكر والطرق المقفلة، وعدم وصول أي ضمانة للحكومة بالتزام خاطفي العسكر بوقف عدّاد الذبح والإعدامات.
وكان واضحاً ان كلام السيد حسن نصرالله التوضيحي لم يفعل فعله في الأبواق المحرّضة على «حزب الله». هو عامل ثالث يضغط بقوة على الحكومة في مفاوضاتها الجامدة وغير الواعدة عبر الوسيطين التركي والقطري.
أما انتشار أعلام «داعش» علانية والهتاف لها داخل بلدات لبنانية وتحريض «النصرة» لـ «اجتياح بيروت»، فيشكّل دافعاً أكبر للجيش لكي يمضي في عملية استعادته لزمام المبادرة، وتطويق كل منابع الارهاب.
عملياً، الأمر المؤكّد أن حلقات التعارك السياسي بشأن الرهائن العسكريين، والذي دخل أهالي المخطوفين طرفاً فيه، وتخطّى بنظر البعض المنحى الإنساني والعاطفي، منفصلة تماماً عن حلقة الاستنفار العسكري من عرسال الى الشمال، وبؤر التوتّر كافة.
وهو استنفار خطّه النهائي يقف عند حدود تجنّب ما يمكن أن يشكّل خطراً على سلامة المخطوفين العسكريين، لكن في الوقت عينه أخذ كل الاحتمالات بالاعتبار، بما فيها قتل المزيد من العسكريين كردّات فعل انتقامية.
وثانياً ترسيم الحدود بين أمرين أساسيين: تضييق الخناق على الإرهابيين وعدم محاصرة عرسال التي لم يُحرَم أهلها بأي لحظة من حاجاتهم الأساسية، فيما اعتمدت خطة تقنين تمرير التموين اللازم والكافي بالحد المطلوب لحاجات أهالي عرسال في الجرود في بساتينهم وكساراتهم وفي مزارع المواشي.
حتى اللحظة، يمكن الجزم بأن غارات «التحالف الدولي» الجوية على مواقع «داعش» و«جبهة النصرة» في سوريا بعد انقضاء يومها الرابع، وفي الوقت الذي لا يزال فيه لبنان ضائعاً بين مشاركته أو عدم مشاركته في هذا التحالف، فإن هذه الغارات لم تغيّر حرفاً واحداً في موازين الرعب السائدة على الارض اللبنانية.
وإذا كان لا بدّ من الحديث عن تغيير فهو بالمنحى السلبي وليس الإيجابي الذي يُمكن أن يفهم منه تأثير للضربات الصاروخية على تقييد حركة المسلحين وشلّ قدراتهم الهجومية، وبالتالي لتخفيف الضغط عن الحدود الشرقية الملتهبة، امتداداً نحو طرابلس التي باتت تحمل أكثر من عنوان تفجير قد يخرج عن السيطرة.
فالأنباء الواردة عما يحضّر للقلمون من جانب التنظيمات الارهابية لا يوحي حتّى بأن «شياطين العمّ سام» تحلّق بطائراتها فوق أجواء العدوّ وتهدّد خططه لاستعادة السيطرة على مواقع عدة كان قد خسرها سابقاً، ومنها يبرود. هنا، تبدو الأمور وكأنها عادت الى نقطة الصفر.
فالمعارك العنيفة التي تجري في المناطق الجردية من قرى القلمون القريبة من الحدود اللبنانية تحت عنوان كسر الطوق وتأمين خطوط إمداد وتعزيز التواجد المسلّح في النقاط الحدودية مع اقتراب فصل الشتاء، ضمن مواجهة يقودها «حزب الله» والجيش السوري في مواجهة التنظيمات المتطرّفة، يقابلها ضغط من الجهة اللبنانية، غير منسّق مع الجهة السورية، كما تؤكد مصادر عسكرية.
وفي الوقت نفسه، يستمر الجيش باستهداف العناصر المسلّحة المتحرّكة أمامه ومواقعها، وقطع الإمداد اللوجستي والتمويني بين عرسال وجرودها، وتعزيز انتشاره وربط مراكزه ببعضها، من دون بروز أي مؤشّر لعمليات هجومية قد يقوم بها.
ويمكن أن يؤدي هذا الواقع الى العديد من السيناريوهات، بما فيها نزوح الجماعات الإرهابية والضغط لبسط «إمارتها» داخل عرسال، وبالتالي الإيذان بمعركة قد تكون أكثر قسوة من سابقاتها.
ويبدو واضحاً أن الجيش رفع من درجة تأهّبه وإجراءاته العسكرية محصّناً بقرار سياسي، لكن من دون أن يتاثّر بضغط الأرض أو مسار المفاوضات القائمة.
وفي الوقت الذي يؤخذ فيه على القيادة العسكرية التصرّف بما يوحي بحصار عرسال، وعدم الأخذ باحتمال «انتقام» خاطفي العسكر ردّاً على المداهمات وعلى خطة فصل عرسال عن جرودها، فإن الوقائع الميدانية تثبت، وفق مطلعين، أن الرهان على التزام المجموعات الخاطفة بـ«أدبيات» التفاوض لم يكن أبداً في محله.
ففي لحظة انطلاق المفاوضات ذبح الرقيب علي السيّد، وبعد ساعات من دخول الجانب القطري علناً على خط التفاوض أعدم الجندي عباس مدلج، ثم خطف الجندي كمال الحجيري في وادي حميد، وفي ما لم يعلن أي طرف عن توقّف لغة التفاوض، هوجم الجيش بعبوة ناسفة وأعدم الجندي محمد حمية، هذا فضلاً عن الاعتداءات المنظّمة ضد الجيش في طرابلس والشمال، وضدّ مواقعه في عرسال.
هذا الواقع المعطوف على معلومات عن إمكانية إعادة غزو عرسال، لم يكن بإمكان الجيش التفرّج عليه والبقاء مكتوف الأيدي تحت ضغط ابتزاز الجهات الخاطفة، وترك الساحة الداخلية رهن فوضى الجماعات المسلّحة.
وتأتي عملية المداهمة الأخيرة التي جرت في عرسال ضمن شريط لمداهمات عادية ودوريات وإجراءات أمنية روتينية كانت تجري سابقاً، لكن حصيلتها هذه المرة توقيف 22 سورياً شاركوا في الاعتداء مباشرة على الجيش في معركة عرسال، لكن لحظة نشر صور المداهمات تأجّجت أكثر معالم حملة قائمة أصلاً ضد الجيش ويشارك فيها سياسيون وجهات دينية.
وتؤكد المعلومات أن السوريين الثلاثة الذين حرقوا أحد المخيّمات قاموا بذلك ضمن مخطط معدّ سلفاً لوضع الجيش بوجه أهالي عرسال، في وقت لم تتلق القيادة في اليرزة أي اتصال استنكار سياسي من جانب «تيار المستقبل» بشأن المداهمة الأخيرة.
ويفيد متابعون ان اللقاء الاخير بين قائد الجيش العماد جان قهوجي ومفتي الجمهورية عبد اللطيف دريان كان ايجابياً كثيراً، حيث تحدّث الأخير بلغة اعتدال واستيعاب، مستنكراً كل ما يتعرّض له الجيش من اعتداءات.
ويعطي المشهد الذي تلا صلاة الجمعة في المناطق التي استجابت لدعوات «هيئة العلماء المسلمين» لإحياء جمعة «لا لذبح عرسال» وارتفاع أعلام «داعش» و«النصرة» في عرسال وطرابلس والهتافات المؤيّدة لهما، مشروعية كبيرة لكل إجراءات الجيش الذي يرفع شعار «لا لذبح عرسال… والعسكر والبلد».
بات واضحاً أن ثمة من يتناغم مع الحملة ضد المؤسسة العسكرية وهو يرى في توقيفات قانونية تأتي في سياق حماية السلم الأهلي ومكافحة الارهاب، عملاً «لا إنسانياً وعنصرياً واستهدافاً لعرسال»، فيما يغضّ هؤلاء النظر عن وحشية مجموعات متخصّصة في قطع الأعناق!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.