السعودية: التوازن بين الأجنحة وصيرورة العرش

shaker-shubair-saudi-crown

موقع إنباء الإخباري ـ
د. شاكر شبير:
في البداية أحب أن أوضح أن هذا المقال مقال علمي محايد مبني على بيانات ذات مصداقية لدراسة تفسيرات للظاهرة الحاصلة اليوم، فالمحللون السياسيون الخليجيون الذين ناقشوا أوامر الملك سلمان الأخيرة ومنها تنحية الأمير مقرن من ولاية العهد، تناولوا الأمر بمقاربات متباينة، بعضها قراءة ما جاء في الأمر السامي!. وبعضهم ذهب إلى أن الأمير لم يبد اهتماما بالشأن العام أو غير قادر، وكأن ولي العهد السعودي عليه أن يقدم اختبار قدرات! على العكس، دراسته شبيهة بدراسة ولي العهد في بريطانيا في الطيران وتقلب على عدة مناصب عسكرية ومدنية في الدولة.
وأنا أطرح أسئلة هنا في الهواء الطلق: لماذا تحالف الملك عبد العزيز مع بريطانيا، ثم بعدها مع أمريكا عندما برزت على الساحة العالمية بعد انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية في اجتماعه الشهير مع الرئيس روزفلت؟! أليس ليتأكد من صيرورة محددة يريدها للعرش السعودي؟! فهو إلغائي نهائي أي الغائي لكل ما عداه. وهو أمر طبيعي فأهم شأن في أي مملكة هو صيرورة أو مصير أو مآل العرش!
منذ تأسيس الدولة السعودية الثالثة والعرش السعودي محصور في أبناء الملك عبد العزيز.. هذه فقرة أساسية في الدستور السعودي. وحيث أن هناك كثرة في أبناء الملك عبدالعزيز، فلم تكن مشكلة التوازن بين أجنحة أبناء الملك عبدالعزيز لتغيب عن التفكير، حتى لا يستأثر جناح من الأبناء بالعرش. لقد أدرك الملك عبد العزيز ذلك. وظهر من خلال عطفه على الأمير طلال أنه خاف عليه الظلم لأن أمه (منير) غير عربية، فهي من جورجيا من أصل أرمني، وكان الملك عبد العزيز مغرما بها حتى نهاية حياته، فكتب له أثمن الأراضي في ذلك الوقت وهي العزيزية التي تقع في جنوب الرياض. صراع الأجنحة في الأسرة المالكة هام لأنه يتعلق بصيرورة العرش السعودي من حيث الإستحقاق.
حتى وهو ما زال وليا للعهد، حاول الملك فيصل أن يوجد نوعا من التوازن بين هذه الأجنحة؛ خاصة أنه وضح للعيان أن آل الفهد (وهم أبناء حصة السديري) يمثّلون أقوى الأجنحة المطلوب موازنتها بجناح يعادلة في القوة. فكان أن أحضر الأمير عبد الله بن عبد العزيز من لبنان، وسلّمه رئاسة الحرس الحرس الوطني بموجب أمر ملكي من الملك سعود عام 1963. وباستلام الملك عبد الله الحرس الوطني أحدث نقلة نوعية فيه ليتمكن من إحداث هذا التوازن. لذا فقد كان الملك عبدالله ظهيراً لأبناء الملك فيصل.
وحيث أن صراع الإجنحة وتوازناتها يتعلق بالعرش، والتوازنات بين الأجنحة هي جزء من “أنا العرش السعودي” أي ربط الأنا لهذا الأمير أو ذاك بالعرش السعودي. وهذا يعني أنه لا يمكن أن يكون الموضوع اليمني غائياً أعندما يتعلق الأمر بصيرورة العرش السعودي.. لذلك لا يمكن القول بأن أصحاب الحل العسكري في اليمن هم أصحاب السلطة، عندها يكون الحديث عن مصداقية ظاهرية، على العكس من ذلك فالموضوع اليمني برمته هو وسيلة لغائية تتعلق بصيرورة العرش السعودي! وهذا يعني أنه ليس لأنهم لم يوافقوا على الحرب على اليمن، تم إبعادهم، بل إن حرب اليمن قد قامت من أجل إبعادهم وتحديد مسار جديد لصيرورة استحقاق العرش السعودي. بل لا أستغرب إن ظهر يوماً أن الأمير نايف قد كان ضحية صراع الأجنحة!
الأوامر الملكية التي صدرت مؤخراً من الصعب تخيل اتخاذها في جو غير مشحون، والحرب تشحن الجو، بحيث أن مخالفة الرأي تعتبر خيانة. تماما كما شحنت أحداث الحادي عشر من سبتمبر الأجواء في الولايات المتحدة، وتم تكميم الأفواه التي تعارض الحرب واتهامها بالخيانة. لقد بدت أجواء الولايات المتحدة لا تبتعد عن أجواء أي نظام ديكتاتوري قمعي في العالم الثالث. فالأوامر الملكية التي صدرت مؤخراً تعادل إعادة تأسيس المملكة من حيث صيرورة الاستحقاق. فتأسيس ما يسمى تاريخياً بالدولة السعودية الثالثة عدّل صيرورة الاستحقاق وحصرها في أبناء الملك عبد العزيز. لذا إذا أردنا أن ننعت السعودية الثالثة بصفة ما طبقاً لأصحاب الاستحقاق في العرش السعودي يمكن نعتها بالعزيزية، أي المحصور استحقاق العرش فيها في آل عبد العزيز. وبعد الأوامر الملكية الأخيرة يمكن نعتها بالسلمانايفية أي حصر استحقاق العرش فيها ـ من حيث الأمر الواقع – بين أبناء الأمير نايف والملك سلمان!
لهذا فأنا ارى أن خطوة الملك سلمان في إصدار هذه الأوامر الملكية تعادل خطوة الملك عبد العزيز في تأسيس الدولة السعودية الثالثة. ويمكن القول بأنه إن نجحت فنحن – من حيث الأمر الواقع – أمام فصل جديد من التاريخ وهي الدولة السعودية الرابعة، فولي ولي العهد لم يكمل الثلاثين من عمره! من هنا يكون الكلام على أربعة عقود قادمة.
الأمور لم تصل إلى نهاياتها بعد، وقد تتم مستقبلاً إحدى الخطوتين: إما أن يتحرك الحرس الوطني لإحداث التوازن الذي من أجله تم إنشاؤه، أو أن تستبق أوامر ملكية ذلك بإعفاء قياديي الحرس الوطني من الأسرة بناء على طلبهم أو ضم الحرس الوطني إلى وزارة الدفاع وإلغاء وزارة الحرس الوطني!
دخول الحرس الوطني في الحرب على اليمن يسهل الاحتمالات الأخيرة. ولن يقدم أي من الطرفين على خطوته دون التأكد من أنه قادر على الحسم وبسرعة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*