السعودية بين هموم ويكيليكس وتوسع الإرهاب

wikileaks - news

صحيفة القدس العربي من لندن ـ
د. سعيد الشهابي:

فاجأ إعلان الكشف عن عشرات الآلاف من الوثائق السعودية الكثيرين، وهرع الباحثون بدوافعهم المتعددة للبحث فيها وتجيير ما يناسبهم منها لدعم مواقفهم.
والسؤال هنا: هل سيؤثر ما فعلته مجموعة ويكيليكس على الوضع السياسي للحكم السعودي؟ فحتى الآن لا يبدو ان ما تم الكشف عنه يضيف جديدا لما هو معروف بشكل عام عن طبيعة الحكم او سياساته او علاقاته. اما النظام نفسه فليس متوقعا ان يصاب بزلزال سياسي مدمر. هذه الوثائق قد تكشف بعض انماط التعامل بين الحكم السعودي والدول الغربية، ولكن على الارجح انها لن تصيب الحكم السعودي في مقتل.
هذا لا يعني عدم اهمية تلك الوثائق. ربما الجانب المهم منها تضرر بعض الاشخاص الذين يتصرفون في السر بغير ما يظهرون، وبالتالي قد تحدث لهم تبعات هم في غنى عنها. كما ان كشف الوثائق المتضمنة أسرارا يعتبر انتهاكا لخصوصية الدولة، لأن الاسرار من بين اسباب القوة لديها.
ثمة جوانب ذات اهمية تتصل بما اعتبره البعض «طوفانا» اصاب العلاقات العامة السعودية.  فالصراعات السياسية والفكرية والدينية توسعت دائرتها لتشمل الصولات والجولات الالكترونية بين الدول خصوصا على مستوى اجهزة استخباراتها.
ولهذا الجانب مصاديق عديدة، منها اختراق الاسرائيليين في 2011 الاجهزة الالكترونية المرتبطة بالمشروع النووي 9+6 ـ الايراني (ستكس نت) وما ادت اليه من تعطل بعض عملها وما احدثته من حرج للجهات التكنولوجية في طهران. ومنها الاختراق الاسرائيلي لاجهزة الاتصالات المتصلة بالمفاوضات بين ايران ومجموعة 5 + 1. ومنها ايضا ما اعلن مؤخرا عن قيام الاستخبارات الامريكية بالتجسس على الحلفاء الاوروبيين وما صاحب ذلك من احتجاج فرنسي على ذلك وسعي الرئيس اوباما لطمأنة نظيره الفرنسي بعدم تكرر ذلك مستقبلا. ولعل الحدث الاكبر هو كشف ويكيليكس قبل بضعة اعوام عن الوثائق الامريكية. ولذلك تستطيع السعودية الاحتماء بمقولة ان امريكا نفسها اصيبت بالمشكلة نفسها من قبل.
يضاف للاختراقات الامنية التي تقلق اوضاع الدولة تمرد بعض الافراد المتنفذين  وهروبهم لاطراف اخرى مناوئة. ومن ذلك ما فعله احد موظفي اجهزة الاستخبارات الامريكية. ففي شهر حزيران/يونيو 2013  سرب ادوارد سنودن، الذي كان يعمل بوكالة المخابرات المركزية الامريكية، مواد مصنفة على أنها سرية للغاية من وكالة الأمن القومي، منها برنامج «بريسم» إلى صحيفتي الغارديان والواشنطن بوست.
وفي 21 حزيران/يونيو 2013 وجه القضاء الأمريكي رسميا له تهمة التجسس وسرقة ممتلكات حكومية ونقل معلومات تتعلق بالدفاع الوطني بدون إذن، والنقل المتعمد لمعلومات مخابرات سرية لشخص غير مسموح له بالاطلاع عليها.
وبعدها لجأ الى روسيا. هذا الكشف دفع اجهزة الاستخبارات البريطانية لاعادة التموضع ونقل عملائها من مناطق عملهم نظرا لما يحدق بهم من خطر بعد الكشف عن هوياتهم وتفصيلات انشطتهم. مع ذلك لا يبدو ان ايا من تلك الاعمال قد احدث خرابا دائما في البنى السياسية او الفنية للمؤسسات الاستخباراتية او العسكرية او السياسية للبلدان الغربية. نعم احدث ازعاجا واضطرابا كبيرا ستستمر آثاره عقودا، ولكنه لن يؤدي لسقوط المنظومات السياسية لهذه الدول.
وكذلك الامر في ما يتعلق بالكشف عن الوثائق السعودية. مع ذلك فليس من المنطق تجاوز انعكاسات هذا الحدث الذي تداولته وسائل الاعلام بشكل واسع، واحدث ارباكا واسعا داخل البيت السعودي نفسه. وفي البداية سعت الرياض لتقليل آثاره وانعكاساته بادعاء ان الوثائق مزيفة، وسعت لمنع انتشار محتوياتها داخل المملكة  عبر وسائل التواصل الاجتماعي. مع ذلك فهناك نهم واسع في الاوساط السعودية والعربية بشكل خاص للاطلاع على محتويات تلك الوثائق التي لم ينشر منها سوى عشرة بالمائة حتى الآن، ويهدد القائمون على مجموعة ويكيليكس بكشف المزيد منها. وما كشف الستار عنه حتى الآن يتجاوز الـ 60 الفا، بينما يقال ان هناك نصف مليون وثيقة تتضمن مراسلات الدبلوماسيين السعوديين مع وزارة الخارجية والمؤسسات الاخرى.
الجانب المهم من ويكيليكس السعودية انه يسلط الضوء على عدد من الامور: اولها طريقة اتخاذ القرارات السياسية ودور الدبلوماسيين في التأثير على تلك القرارات من خلال توصياتهم وطرح رؤاهم.
ثانيها: انها تكشف حجم الدعم السعودي للافراد والمجموعات، وتلقي شيئا من الضوء ليس على آليات تنفيذ القرارات والهبات المالية بل على  الاعتبارات التي يضعها المسؤولون الكبار في حساباتهم حين يقررون الموافقة على انفاق الاموال على الافراد والمؤسسات.
ثالثها: انها تكشف بعض حيثيات الدبلوماسية السعودية، وعلاقة الاطراف بالمركز، وتأثير المواقف الشخصية على القرارات العامة، ومدى تداخل الاعتبارات الشخصية بالمصالح العليا لنظام الحكم.
رابعها: انها تكشف بعضا من العلاقات الخفية بين الحكم السعودي والجهات الاخرى، سواء كانت شركات العلاقات العامة في الغرب، ام المنظمات والهيئات الاسلامية، او السياسة السعودية تجاه الدول المنافسة لها في النفوذ خصوصا ايران.
خامسها: انها تسلط الضوء ايضا على حجم الانفاق المالي لضمان النفوذ السياسي والعسكري والديني للحكم السعودي، كما تكشف جهود الاجهزة الجمركية في رصد ما يدخل البلاد من مواد ممنوعة كالخمر ولحم الخنزير وكيف يستغل الدبلوماسيون موقعهم وحصانتهم الدبلوماسية لتمريرها الى داخل المملكة.
سادسها: ان بعضها يكشف حماس الرياض للتصدي لثورات الربيع العربي وكسر هيبة القوى المستفيدة منه والسعي لافشال بعض نتائج تلك الثورات. فمثلا تكشف بعض الوثائق المعنونة «سري للغاية» ان احد المسؤولين المصريين كان يتوقع موافقة الاخوان المسلمين على اطلاق سراح حسني مبارك في مقابل عشرة مليارات دولار تحت ذريعة «ان الشعب المصري لن يستفيد من سجنه». ولكن مذكرة  اخرى كتبت بخط اليد تقول ان دفع «غرامة» لمبارك «ليست فكرة صائبة.. فحتى لو دفع المبلغ المذكور فلن يستطيع الاخوان المسلمون اطلاق سراح مبارك… فليس هناك بدائل متاحة للرئيس سوى دخول السجن». سابعها: ان الوثائق كشفت العديد من الاشخاص والمؤسسات المستعدة لاتخاذ مواقف داعمة للسياسات السعودية في مقابل الحصول على المال.
السعودية سعت للتقليل من شأن ما جاء في الوثائق المكشوفة قائلة ان سياساتها تتسم بالشفافية وان ما احتوته الوثائق لا يكشف جوانب مختلفة عما تمارسه. ولكن لذلك الادعاء ما يقابله: اولا: ان  الوثائق التي كشفت حتى الآن ليست الا جزءا صغيرا مما لدى مجموعة ويكيليكس التي تؤكد انها ستكشف الباقي تباعا، ثانيها: ان هناك الكثير من الجوانب التي لا يمكن ان يكون الكشف عنها مفيدا للسياسة السعودية، لان ذلك يضغط على  الاطراف الاخرى المستفيدة من الدعم السعودي.
ثالثا: انه ليس مستبعدا ان تكون الوثائق القادمة ذات علاقة باتصالات دبلوماسية وسياسية اخرى لا ترغب السعودية بكشفها، خصوصا اذا تعلقت بالعلاقات مع دول مجلس التعاون الخليجي الاخرى.  رابعا: ان كشف الوثائق اثبت حدود نفوذ الدولة الخليجية الكبرى، وعجز المال النفطي عن تجاوز الحدود الطبيعية للقوة الذاتية لاي بلد، مهما كان كبيرا.
ومن الصعب اصدار حكم نهائي على مدى تأثير ذلك الكشف على الدبلوماسية السعودية التي تتعرض هذه الايام لانتقاد حتى في العواصم الخليجية. فالتفجير الذي استهدف مسجد الامام الصادق بالكويت الاسبوع الماضي قام به سعودي سافر من بلده قبل يوم من التفجير، عن طريق البحرين.
وبالاضافة لما حدث في تونس من قتل اكثر من 30 سائحا بريطانيا على ايدي مسلح تونسي هاجم احد الفنادق السياحية بمدينة سوسة، فان هذه الحوادث اصبحت تفرض على الرياض اعادة تقييم لكافة سياساتها المحلية والاقليمية. والسؤال هنا: هل تستطيع القيادة الحالية تغيير دفة تلك السياسات التي وسعت دوائر النقد للشقيقة الكبرى بمجلس التعاون الخليجي؟ الامر المؤكد ان وثائق ويكيليكس ليست سوى واحد من الهموم الكبيرة التي تستدعي اهتماما خاصا من نظام توزعت اهتماماته ضمن هموم الامن الداخلي والتوازن الاقليمي والامن الدولي، واصبح عليه ان يوازن مواقفه لكي يحافظ على وجوده في زمن المتغيرات.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*