السياسة الأمريكية والعداء لكوريا الديمقراطية

marwan-soudah-korea-usa

موقع إنباء الإخباري ـ
مروان سوداح*:

 

أخيراً، يلاحظ  أن الولايات المتحدة الأمريكية باتت تعمد الى رفع عقيرتها بالصراخ، مهدِّدة ومتوعّدة جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية لإمتلاكها أسلحة نووية، وتدّعي زوراً، بأن الوضع في شبه الجزيرة الكورية يتوتر، نظراً لامتلاك شمالي كوريا أسلحة نووية، وهو ما أفضى بأمريكا إلى انتهاج سياسة عدائية سافرة إزاء كوريا، كما تعترف بنفسها، وبصراخها وصحافتها المُدجّجة بالافتراءات.

ما الذي يمكن ان نتكشّفه بعد إماطتنا اللثام عن الادعاءات الأمريكية، وهل هي صحيحة؟

خلاصة القول بعد البحث والدراسة، أن صراخ واشنطن ليس أكثر من إدعاءات لا مُبرّر لها، فهي تهدف لتحريف التاريخ وتشويه الواقع، وهي حِيلة جديدة تتستر بها على جور سياستها المعادية لكوريا وأمم العالم. فللسياسة العدائية الامريكية تجاه الامة الكورية برمتها، جذور عميقة وتعديات خطيرة، وهي تمارسها بصلافة منقطعة النظير منذ فترة طويلة، سبقت تشكّل ما يُسمّى بـ”الملف النووي الكوري” في شبه الجزيرة الكورية بسنوات كثيرة.

وفي عودتنا لصفحات التاريخ الحقيقة، وليس بعودتنا لتلك الصفحات المشوّهة والمزيفة امريكياً، نقرأ أن نهاية الحرب العالمية الثانية كانت تعني في الواقع بداية لحرب باردة بين الشرق والغرب على إتّساعهما. فقد كانت الولايات المتحدة الأمريكية في حاجة ماسّة إلى موطئ قدم لغزو “أوراسيا”، بعد عرقلة الاتحاد السوفييتي في “زحفه نحو الجنوب” الآسيوي. فالخط المصطنع الذي رسمته أمريكا، تحقيقاً لهذا الهدف، هو خط العرض 38في شبه الجزيرة الكورية بالذات. وفي هذا المخطط، احتلت الولايات المتحدة الأمريكية جنوب كوريا عسكرياً بمئات الآف الجُند، بقناع “أمريكا المُحرِّر”، وبذريعة “تجريد” الإمبرياليين اليابانيين من السلاح. ومنذ ذلك الحين، مارست واشنطن وتمارس المؤامرات العدائية تلو المؤامرات إزاء كوريا الارض والانسان، بغية استيلائها على أراضي كوريا كلها، من البحر الجنوبي الى الحدود الكورية الدولية مع روسيا والصين، ومن خلال إتّخاذ جنوبي كوريا موطئ قدم لها ورأس جسر حربي نحو الشمال الاشتراكي، ولتحقيق إستراتيجيتها الكونية للسيطرة على كل آسيا.

حدّدت الولايات المتحدة الأمريكية شمالي كوريا كدولة معادية لها، منذ بداية اعلان الدولة الكورية المستقلة في الشمال،  ولم تعترف بسيادة الشمال على نفسه، وحتى اللحظة!.. وفي القرن الماضي، أقامت واشنطن علاقات دبلوماسية مع البلدان الاشتراكية في أوروبا الشرقية، بما فيها الاتحاد السوفييتي، برغم ان المُثل العليا وأنظمة تلك الدول كانت مختلفة عما هو في أمريكا، ولكن قادة امريكا رفضوا دائماً تسمية جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية بهذا الإسم، كما رست عليه إرادة شعب الدولة الكورية الاشتراكية والشعبية من خلال الاقتراع العام والمتحرر من كل الضغوط الخارجية، ناهيك عن رفضت اولئك القادرة إقامة علاقات دبلوماسية مع بيونغ يانغ.

وعلى هذا النحو، كانت أمريكا تمارس دائماً سياسة عدائية متطرفة وعدوانية إزاء شمالي كوريا، لا مثيل لها في تاريخ المجتمع الدولي والذاكرة الجمعية للبشرية.

حقاً، ان السياسة الأمريكية المعادية لكوريا كانت منذ عقود وما تزال عنيدة لكن بلا مُبرّر. إذ لم نرَ في التاريخ الحديث بلداناً تدوم فيها العلاقات المتحاربة لمدة طويلة تنوف على ستين عاماً، بعد انتهاء الحرب، كما جرى ويجري الأمر ما بين كوريا الاشتراكية والولايات المتحدة الأمريكية الامبريالية.

بعد الحرب الكورية (1950 – 1953)، سعت الولايات المتحدة الأمريكية الى تمديد حالة الهدنة عن عَمد وإصرار، وبذلك، قوضت كل البنود الواردة في اتفاقية الهدنة واحداً بعد الآخر. ففي شهر تشرين الثاني عام 1953،  حَدّدت واشنطن في اجتماع مجلس الأمن القومي التابع لها، “هدفاً نهائياً” لكوريا، أن تحافظ على نظام الهدنة حتى تحقيق “التوحيد الموالي لها” في شبه الجزيرة الكورية برمّتها، وتحول دون “تشويع” كوريا كلها عن طريق جعل جنوبي كوريا دولة متحالفة عسكرية لها وتابعة بقضّها وقضيضها لهيمنتها الحربية.

وتبعاً لذلك، أفشلت الولايات المتحدة الأمريكية في حزيران عام 1954، عن عمد وخبث، اجتماع جنيف لحل المسألة الكورية بطرق سلمية، وقضت عليه، ورفضت مراراً كل المقترحات والمبادرات السلمية التي تقدمت بها شمالي كوريا، دون استثناء، بما فيها المقترح الخاص بعقد اتفاقية للسلام ما بين جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية والولايات المتحدة الأمريكية (سبعينات القرن الماضي)، ومقترح عقد المحادثات الثلاثية، الخاص بإشراك الطرف الكوري الجنوبي أيضاً في المحادثات الكورية – الأمريكية (الثمانينات)، ومقترح إقامة نظام ضمان السلام الجديد (التسعينات)، ومقترح الإعلان عن انتهاء الحرب (العقد الأول من الألفية الثالثة).

هذا الموقف العنيد للولايات المتحدة الأمريكية، والغير المنطقي، لا يعنى سوى أن أمريكا تهدف عن سابق إصرار ووعي وضمن مخطط إستراتيجي بعيد المدى، إتخاذ شمالي كوريا طرفاً عدواً لها، لأهداف كثيرة وخطيرة، منها الاستيلاء على موارد شمالي كوريا وموقعها الاستراتيجي، وللابقاء على رأس الجسر الكوري لتقفز منه صواريخها بثوانٍ الى الصين وروسيا ودول آسيا الاخرى، وللحفاظ على دول آسيا الصغيرة مساحةً في جيب أمريكا، في كل المجالات.

من المعروف، ان الولايات المتحدة الأمريكية كانت وضعت  خططاً مجرمة لحرب كورية جديدة، وقامت بتنميط حالة الحرب، وفقاً لانتهازيتها التوسعية، على مِثال غزو مسلح لكوريا “في حالة الطوارئ!”، وبممارسة الحكم العسكري في كوريا، ومن ضمن تلك الخطط التي “تصوّب!” شمالي كوريا، “الخطة العملياتية 5029″؛ و”الخطة العملياتية 5030″؛ و”الخطة العملياتية 5012”. فبموجب هذه الخطط، تقوم أمريكا “دون توقف”، بمناورات حربية مشتركة و”مختلفة”، على شاكلة “فوكوس ريتينا”؛ و”فريدوم بولت”؛ و”تيم سبيرت”؛ و”كى ريجولف”؛ و “الصقر”؛ و “وولجى فريدوم غارديان” وغيرها، وهذه تجري سنوياً ومنذ عشرات السنين!، لكن أمريكا تقوم بخبث كبير، بتبديل أسماء هذه المناورات، لإيهام الرأي العام العالمي بـ”لا عدائيتها”!

لم تقتصر المؤامرات الأمريكية تجاه شمالي كوريا على ما تقدّم أعلاه فقط. إذ أنها كانت تنزل عقوبات اقتصادية قاسية بكوريا الديمقراطية، بتهمة “COCOM” في أوائل خمسينات القرن الماضي، أي قبل إقامة النظام الاشتراكي في شمالي كوريا. كما انها وضعت بيونغ يانغ على قائمة “المنطقة الجمركية المعادية”، وجمّدت أموالها المودعة في الخارج، وحالت دون قيامها بالتبادل التجاري مع البلدان الأخرى، وتآمرت لمنعها من الوصول إلى الأسواق الخارجية. وأسوأ من ذلك، أنها مارست العقوبات الاقتصادية، والحصار الشرس على شمالي كوريا، بتعبئة المنظمات الدولية حتى وقياداتها ضد الدولة الكورية الاشتراكية والشعبية. ومن الواضح تاريخياً وهذا الوضع النادر في التاريخ، ان هذه العقوبات وهذا الحصار القاسي كانت فُرضت جميعها على شمالي كوريا، حتى قبل نشوء الملف النووي في شبه الجزيرة الكورية بعشرات السنين، ما يُشير الى ان أمريكا تريد “ببساطة” النيل من الكوريين أنفسهم كما نالت من الهند الحُمر، لكنها لم ولن تنجح.

وبالإضافة إلى ذلك، لم تضن الولايات المتحدة الأمريكية بتوظيف الأموال والاستثمارات، منذ زمن بعيد، في أعمال التجسس، وعمليات التسلل الفكري والثقافي، والتفكيك الداخلي، بغية استحداث انقلاب ضد نظام الدولة الاشتراكية.

تدلل الوقائع التاريخية بوضوح، على ان السياسة الأمريكية العدائية إزاء كوريا لم تظهر إلى حيز الوجود، جرّاء امتلاك شمالي كوريا أسلحة نووية، بل ظهرت وترسّخت جراء السياسة الأمريكية العدائية إزاء كوريا.

لا نحتاج للبحث مطولاً بأنه، وبغية حل الملف النووي في شبه الجزيرة الكورية، من الضروري ان “تعود واشنطن الى رشدها!”، ولزوم ان تلغي سياستها المعادية لكوريا، فالعداء هو مصدر الشرور في شبه جزيرة كوريا، وهو كان أولاً، ومنذ البدء، وتمخض قبل غيره من الأسباب الواهية التي تسوقها واشنطن لتبرير عدوانتيها، ليس تجاه كوريا فحسب، بل وتجاه أسيا برمتها، وعلى سبيل المِثال لا الحصر، دعمها اللامحدود للصهيونية الدولية والتوسعية الاسرائيلية وقتل وتشريد شعب فلسطين والامة العربية، ومؤازرتها للارهابيين الدوليين في الدول العربية، وتأييدها التدخل السافر في الشؤون العربية الداخلية، وصولاً الى قتل قادة البلدان العربية وزعماء العرب وسياسيي العالم العربي، وغيرهم كثيرون.

*مؤسس ورئيس المجلس الاردني والعربي للتضامن مع الشعب الكوري ومُنَاصَرة توحيد شطري كوريا

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*