السياسة السعودية .. إلى أين؟!

shaker-shubair

موقع إنباء الإخباري ـ
د. شاكر شبير:
كان هدف الملك عبدالعزيز الاستراتيجي هو تأسيس مملكة الحجاز وسلطنة نجد وتوابعها. كان هذا تركيزه الأساسي. وكانت بريطانيا في بداية القرن هي الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس. وكان الملك عبدالعزيز واعيا بهذا القوة، وأنه لا مجال لتحديها أو حتى التأثير على قرارها. وكان لا يريد فقط أن يأمن أذاها، بل يذهب خطوة أبعد يريدها أن تساعده في تحقيق حلمه. فكان يتبع معها سياسة التسليك. بمعنى أن لا يدخل معها في مجادلة عن سياساتها خارج الجزيرة العربية، وفي نفس الوقت يحصر نفسه بأحداث الجزيرة العربية.ـ
كان يعرف بحدسه الخطوط التي يمكن لبريطانيا السماح بتجاوزها، ويعرف الحدود التي لا تسمح بريطانيا بتجاوزها. وهو أمر لم يكن ليدركه الشريف حسين! فعندما أصر الإخوان الاتجاه نحو العراق، ولم يستمعوا لكلامه بعدم التوجه، حاربهم وقامت معركة القصيم وهي من أشرس المعارك، ولم يتركهم يذهبون إلى العراق! كما أنه عندما وصل الأمير فيصل (الملك فيصل) إلى صنعاء أمره بالرجوع. فبريطانيا لا تسمح بسقوط كيانات سياسية تحرص هي عليها. لذا احتفظ بجيزان ونجران باعتبارها اختلافات حدودية ولا تعني سقوط دول. ولو استمر الإخوان في طريقهم إلى العراق لربما تشرذمت المملكة منذ ذلك الوقت. ـ
عندما تولى الملك فيصل أمور المملكة حتى في عهد الملك سعود، نأى بنفسه عن سياسة الملك المؤسس، واتبع سياسة التدخل في الشؤون العربية بهدف إضعافها. لقد كان الملك فيصل متملكا داخليا بالمخاوف التاريخية. مخاوف من العراق أن يكبر ويطمع في الاستيلاء على الجزيرة العربية، خوف من مصر وأن ترجع ما أسماه أطماع محمد علي، مخاوف من سوريا أن تحل محل مصر وتحاول أن تتجه أطماعها إلى الجزيرة العربية. فبدلا من أن ينهض بالسعودية لتحتل الريادة في الأمة، تطلع إلى التكسير فكان بداية خط جديد للسياسة السعودية، وهي سياسة يمكن أن يطلق عليها “سياسة التآمر” على الأمة. هذا الخط يتكافأ مع الخط الصهيو ـ استعماري، ويبدو من الخارج أنه تنفيذ له. وهو بطريقة ملكي أكثر من الملك! هذه السياسة خروج عن سياسة التسليك التي تبعها الملك المؤسس.ـ
فكان التوريد الإسرائيلي لأسلحة للملا مصطفى البرازاني سعودي التمويل، لإلهاء العراق بمشاكله الداخلية، وكان تمويل الانفصال الذي اعترف الملك سعود بإنفاق 15 مليون دولار لإحداثه، وكان الوقوف ضد ثورة اليمن، وكان التعاون في حرب حزيران التي كانت على رأس الأجندة في اجتماع الملك فيصل مع ليندون جونسون! كنا بالأمس نستنبط أن ما سمي بحمى “الجهاد الأفغاني” كان تنفيذا للسياسة الأمريكية ضد الاتحاد السوفيتي، الآن لا تحتاج إلى استنباط، فالحقيقة ماثلة أمام الجميع من خلال اعترافات مباشرة، فها هي هيلاري كلينتون في شهادتها أمام لجنة في الكونجرس، إذ تعترف أن الرئيس ريجان هو من قرر الجهاد الأفغاني، وهو من أطلق شعار “الإسلام هو الحل”! ـ
كان المشي في طريقين متباينين ممكنا، فالمملكة تنفذ هذه السياسة دون مواجهة أحد! اليوم مع التطور الهائل في وسائل الاتصالات، وظهور الانترنيت، لم يعد هذا الأمر ممكناً. ولو كان الملك فيصل حيا لعدل من سياسته لتستوعب هذه المعطيات في البيئة العالمية. ـ
أسئلة تتبادر إلى ذهن كل فرد في الأمة، هل يعقل أن تقف المملكة ـ التي تعلن إسلام نهجها ـ أن تقف في صف إسرائيل في القضية السورية؟! هل يعقل أن يتطلب النهج الإسلامي أن تكون أكثر اندفاعا من الإدارة الأمريكية لتحطيم سوريا؟! هل يتطلب النهج الإسلامي كل هذا السخاء لدفع الظلم عن الشعب السوري، ولا شيء في المقابل لدفع الظلم عن الشعب الفلسطيني الواقع منذ سبعة عقود؟! هل يعتبر النهج الإسلامي إسقاط النظام السوري أهم من سرقة الأقصى وتهويد القدس، فلا أي كلمة عن هذا الأمر؟! ـ
بعد فشل سذاجة بندر في محاولته استخدام العصا والجزرة مع القيصر الروسي، ونفاذ إمكانية أن تضحي الولايات المتحدة بمواطنيها من أجل تنفيذ رغبة سعود الفيصل ونسيبه بندر، وكان يعولون عليها كثيراً! وعدم إمكانية قيام إسرائيل بأي عمل ضد سوريا أو إيران، فإسرائيل لا تريد إراقه دماء الإسرائيليين من أجل رغبات سعود الفيصل ونسيبه بندر، بل العكس هي تريد إراقة الدم والمال المسلم من أجل تحقيق أهدافها، ماذابقي أمام المملكة؟ـ
إزاء ذلك بقي طريقان: الطريق الأول أن تستمر في هذا الطريق وتحاول لعب الورقة الباكستانية، والتي تم استخدامها لذبح الفلسطينيين الكفار عام 1970 في الأردن. كان يمكن لهذه الورقة أن تؤثر قليلا لو ظل د. مرسي في الحكم. عندها كان يمكن ضخ آلاف من زعران المنظمات الجهادية التابعة للـ (آي إس آي )، وكانت ستطيل أمد الفتنة على أرض الشام لكنها لن تحسمها. لعب الورقة الباكستانية الآن لا يخرج عن نمط الزعرنة التي تقوم بها هذه المنظمات الجهادية الباكستانية ضد الهند، فباكستان لا يمكنها مواجهة الجمهورية الإسلامية، ولو ركب الحمق الـ آي إس أي، فستكون النتيجة تفسخ باكستان وتقاسمها. واشك أن باكستان ستسير في هذا المنحى.ـ
الطريق الثاني هو أن يتدخل الأمير سلمان ولي العهد السعودي ليوقف المهزلة. الأمير سلمان رجل دولة من طراز فريد. وهو معروف بحرصه الشديد على المملكة وسلامتها، وهو يقدم هذا الأمر على اي اعتبار آخر، بما فيه مصلحة أفراد عائلة آل سعود. لا يستطيع الأمير سلمان أن يتنحى جانبا أكثر من ذلك دون أن يكون هناك انعكاسات سلبية طويلة المدى على المملكة. وهو من موقعه يستطيع أن يقوم بهذا. كما أنه لم ينشط في هذا الملف ضد سوريا، لذا تدخله سيكون له قبول لدى كافة الأطراف، كما حصل مع أمير قطر الحالي. بل على الأمير سلمان أن يأخذ خطوة أبعد؛ وهي رسم السياسة المستقبلية للمملكة في ظل المعطيات الظرفية، بما يضمن استقرارها. فهل يتحرك الأمير سلمان؟ وهل ستتغلب حكمة الجيل الأول وتلامذته على توجهات الجيل الثالث! وهل تعود المملكة إلى سياسة الملك المؤسس؟ أسئلة تكشف عن إجابتها الأيام القادمة، آمل أن تكون إجابة إيجابية . ـ

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.