الصين وإيران: إلى الشراكة الاستراتيجية

mahmoudraya-iran-china

وكالة مهر الإخبارية الإيرانية ـ
محمود ريا:
العلاقات بين الصين وإيران تدخل مرحلة جديدة، وما حاذر الطرفان في الحديث عنه بشكل علني خلال أكثر من خمسة وثلاثين عاماً، ها هو وزير الخارجية الصيني وانغ يي يعلنه بالفم الملآن: لقد أطلق البلدان مشاورات ثنائية لإقامة شراكة استراتيجية بينهما.

زيارة وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف إلى بكين الثلاثاء الماضي لم تكن زيارة عادية، فقد كان مردودها كبيراً جداً، ومجرد الحديث عن هذه الشراكة الاستراتيجية سيقرع أجراس الخطر في أكثر من مكان في العالم، ولا سيما في العاصمة الأميركية واشنطن.

لقد كانت العلاقات الصينية الإيرانية ـ منذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 ـ تسير في اتجاه تصاعدي بشكل دائم، بالرغم من تعرضها لبعض النكسات أو التراجعات في بعض المحطات.

وهذه العلاقات هي حاجة للدولتين في آن معاً، حاجة على مستوى العلاقات السياسية والاقتصادية وفي كل الجوانب المشتركة الأخرى، كما أنها حاجة على المستوى الإقليمي والدولي، نظراً لما توفره هذه العلاقة من دور استراتيجي لكلا البلدين على المسرح العالمي.

ولأن هذه العلاقة مهمة لهذه الدرجة، فهي كانت عرضة لضغط دائم من قبل القوى الدولية التي ترى في بروز قوى إقليمية ودولية ناهضة تهديداً لها، والمقصود هنا بالتحديد هو الولايات المتحدة الأميركية.

بعد سوء التفاهم الأولي الذي حصل بين الصين الشعبية والثورة الإسلامية، والذي نتج عن زيارة الزعيم الصيني هواكو فينغ إلى طهران الشاهنشاهية في ذروة انطلاق فعاليات الثورة في صيف عام 1978، لم تتأخر الانطلاقة الجديدة للعلاقات نظراً للمصالح المشتركة التي يؤمنها التواصل بين العاصمتين.

وخلال الحرب العراقية المفروضة على إيران، شكّلت الصين مصدراً أساسياً للأسلحة التي كانت إيران بحاجة ماسة إليها نظراً للحصار الخانق الذي كان ـ وما يزال ـ مفروضاً عليها من قبل الغرب، وبالتالي فإن الصين حفظت لنفسها مكاناً متقدماً في الوجدان الإيراني الذي لا يتساهل في تقدير الوقفات المميزة من قبل الأصدقاء والأعداء في آن معاً.

وبالرغم من أن العلاقات بين البلدين لم تصل إلى مستوى التحالف، كما كان يتمنى الكثيرون في كلا العاصمتين وفي العالم على حدّ سواء، فإن هذه العلاقات ظلت تحتفظ بحد أدنى أعلى بكثير من مستوى البرود أو الجفاء، وقد واجه البلدان معاً الكثير من القضايا الإقليمية والدولية بموقف مشترك، إن لم يكن موحداً في الكثير من الأحيان.

وحتى حينما قررت الصين التراجع عن مواصلة دعم المشروع النووي السلمي في إيران عام 1997، أو حتى عندما وافقت في مجلس الأمن الدولي على قرار فرض العقوبات الدولية الظالمة على إيران عام 2010 بحجّة برنامج طهران النووي، فإن هذه الخطوات التي رآها عدد من المراقبين “تراجعية” من قبل الصين، تمت قراءتها في طهران بعين المتفهّم لحجم الضغوط التي تتعرض لها بكين، ومدى القدرة على الصمود في وجهها.

لقد كانت إيران دائماً تأمل الكثير من العلاقة مع الصين، وكانت الصين بدورها ترغب في المزيد من التقرّب من إيران، إلا أن الظروف التي كانت تمر على البلدين معاً كانت تدفع الصين إلى الاقتصار على تقارب مدروس جداً وموزون بالقيراط مع إيران، كي لا يُفسّر أي تقارب خارج إطار هذا المستوى بأنه تحدّ للولايات المتحدة الأميركية، في وقت كانت الصين حريصة فيه على عدم خوض مواجهة مباشرة مع واشنطن، نظراً لانشغالها برفع مستوى التنمية في البلاد، وقرارها بتوجيه كل المقدرات والإمكانيات في البلاد باتجاه النهوض بالصين وتحويلها إلى قوة اقتصادية عظمى، بما يليق بإمكانيات البلاد وبتاريخها.. وبمستقبلها أيضاً.

والآن، ساهمت الكثير من المعطيات في تمكّن الصين وإيران في نطق الكلمة الجوهرية المطلوبة لوصف العلاقات المبتغاة بـ “السعي إلى شراكة استراتيجية بينهما”.

فالصين باتت أقوى الآن، وأصبحت تستطيع التحرك بشكل أكبر خارج إطار ضغوط الولايات المتحدة، التي باتت ـ في الوقت نفسه ـ أضعف مما كانت عليه في السابق.

وإيران باتت بدورها أقوى، كما أنها خرجت من قيد العقوبات المفروضة عليها، وذلك بعد توقيعها على الاتفاق النووي في فيينا، ما فتح مجالات واسعة جداً للتعاون معها من قبل مختلف دول العالم، فكيف يكون الأمر بالنسبة للصين التي لم تتخلّ عن علاقاتها مع إيران حتى في أقسى الظروف وأكثرها تعقيداً بالنسبة لطهران؟

بناءً عليه، يصبح حديث وزير الخارجية الصيني مفهوماً بشكل واضح، وهو يقول إن العلاقات بين البلدين دخلت مرحلة جديدة، لأنه يعني فعلاً ما يقول، ويكشف أن مساراً تصاعدياً جديداً ستشهده العلاقات بين البلدين، بما يُخرج هذه العلاقات من حال الخَفَر التي كانت تمرّ بها خلال العقود الماضية، نظراً لرغبة بكين في عدم استفزاز الولايات المتحدة، وخشيتها من ارتداد خطوات التقارب مع إيران على مسار عملية التنمية الشاملة التي تخوضها.

لقد كانت إيران دائماً جزءاً من طريق الحرير الذي يشكل ـ في وقت واحد ـ حلم الصين وهاجسها، واليوم تبقى إيران جزءاً من هذا الطريق، لا بل الجزء الأهم فيه، فيما تكرّس الصين كل إمكانياتها لإعادة إحيائه ضمن “مبادرة الحزام والطريق” التي لا تكلّ القيادة الصينية عن التبشير بها.

إن عهداً جديداً قد بدأ اليوم بين البلدين، ولن تستطيع كل الضغوط التي تمارسها الولايات المتحدة إجهاضه، أو حتى التخفيف من وهجه، كما سبق لها وفعلت في أكثر من محطة تاريخية خلال العقود الماضية./انتهى/

* خبير سياسي واعلامي لبناني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*