الى متى يبقى لبنان ضحية العبثية – الانتحارية امنا وسياسة؟

lebanon-flag11

صحيفة البناء اللبنانية ـ
أمين حطيط:

في معرض المتابعة   لما يجري في طرابلس و ما جرى قبلها في صيدا  و ما يحاول البعض  اثارته من ازمات في هذه المنطقة اللبنانية او تلك  نرى  ان بعض من  قدمتهم الغرائز الطائفية و التبعية الخارجية ليتقلدوا مناصب ” القيادة في طوائفهم ” و عبرها الى المسرح السياسي اللبناني مصرون على سلوك التدمير الذاتي و الانتحار الوطني في اكثر من باب من ابواب التصرف في الشأن العام ، يقومون بذلك خدمة لسياسة فرضها عليهم من اتبعوه  و ارتهنو له  و يقبع  في الحجاز في مملكة اسميت على اسم عائلته  .

نعرف تماما ان قيادة ال سعود شاءت ان تستسخ نفسها في لبنان و تقيم منه كيانا مماثلا لمملكتها و صولا الى حد التسمية ، و لهذا و بشكل لا مثيل له في العالم لم تتورع – عبر من اقامتهم حكاما في لبنان في غفلة من الزمن  –  عن تسمية 28 مكانا و مرفقا باسم السعودي رفيق الحريري ( لبناني الاصل ) بدءا من المطار و الجامعة و المستشفى و صولا الى  الشوارع و المدارس  و الخ .. ) و قد يقدموا – اذا استطاعوا – على تسمية لبنان بالمشيخة الحريرية لتكون احدى امارات المملكة السعودية.. فكل شيء  من هذا القبيل ممكن و وارد في قاموس هؤلاء الذين لا يرون احداً  سواهم مستحق للسلطة او حتى مستحق للوجود في المسرح السياسي اللبناني ،  و لهذا لم يتورع وزير خارجيتهم بالامس عن الاعلان بوقاحة فضة رفضه لمساهمة فريق لبناني وزان و فاعل في السياسة اللبنانية – هو حزب الله – في صنع المستقبل في لبنان ، لان السعودية ترى ان مستقبل لبنان هو ملكها يصنعه “تيار مستقبلها الحريري”  كما ترسم .

بهذا  التصور امرت السعودية تيارها الحريري بالاسئثار بالسلطة و الاستغناء عن الطائفة الشيعية في الحكومة و الامر سهل لديها لانها تفعل ذلك في مملكتها و تعيد الفعل ذاته الان في البحرين حيث يحكم ملك باسم ال 12% من الشعب كامل البلاد بنظام قمعي بوليسي و يقصي الاخرين من غير اعتراف لهم بحق او مصلحة و تظن السعودية انها تستطيع ان ترسي النظام ذاته في لبنان لكنها  ، تنسى ان لبنان في تركيبته و موقعه الجيوسياسي يختلف عن البحرين و ان حكم الاقلية حتى و لو زورت نسبها و ادعت انها اغلبية ، امر لا يمكن  ان يستقر و يستقيم  لان للبنان خصوصيته التي تتنافى مع حكم الفئة او الفرد او العائلة الواحدة.

نعم للبنان خصوصية نراها قائمة انطلاقا من تركيبته  من كيانات طائفية قائمة بذاتها تتلاقى و لا تذوب و ان  لبنان لم يصل الى فكرة الوطن و الدولة المتماسكة و لم بأخذ  بعد بفكرة   االمواطنة و لم يخرج من عنوانه الطائفي ، و بالتالي و مع حال هذا وصفه لا يمكن ان تحكمه فئة من طائفة و لا يحتمل فكرة حكم الطائفة او الفئة و لن يكون لطائفة واحدة فرص حكم لبنان حكما مستقرا حتى و لو استطاعت ان تصل الى ذلك في غفلة من الزمن لانها سرعان ما تجد الظرف ينقلب عليها فيخرجها لا بل يطردها من مقاعد السلطة .

هي حقيقة غابت عن ذهن السعودية او تغافلت السعودية عنها  و تصورت  ان ما تقوم به هي في الحجاز من اعتماد للنظام الامني القمعي و سياسة كم الافواه ،يمكن تطبيقه في البنان و لاجل ذلك ابتعدت جهازا امنيا لبنانيا في التسمية و العنوان و  الحقته بمخابراتها العامة و كلفته بمهمة تقييد الحراك في لبنان لمصلحة الحاكم – برتبة رئيس وزراء- الذي خططت لوجوده بصلاحيات فرضتها في اتفاق الطائف و جعلته هو الدولة كلها .

لكن السعودية االتي فعلت كل ذلك نسيت طبيعة لبنان  و ان هذا الامر لا يستقيم في فيه  لان تركيبته  و طبيعته كما ذكرنا و عطفا على ارتباط هذه الطائفة او تلك بقوى في الخارج و مدى اهتمام القوى الدولية و الاقليمية بلبنان  كلها عناصر مؤثرة  من شأنها ان تجهض اي محاولة لفرض مثل هذا النظام ، و لهذا فشلت السعودية في العقد الاخير من  المحافظة على سلطة تيارها الحريري حتى اخرج من الحكم و نفى رئيسه نفسه خارج البلاد ينتظر للعودة تحقق المستحيل .

لقد فشلت السعودية في لبنان سابقاً و رغم هذا الفشل  نراها تتابع السير في النهج ذاته دون ان  تستفيد من تجاربها الاخيرة خاصة خلال العقد الاخير ودون ان  تدرس جيدا نتائج محاولاتها في اقامة النظام السياسي الاقصائي و النظام الامني  الذي يحميه ، و هي لو  فعلت و درست بشكل موضوعي مجرد لتوصلت  الى نتيجة قاطعة بان عليها تغيير سياستها في لبنان حتى تستمر فيه بشكل مقبول  .

و لمساعدتها في الدراسة نذكر بانها في العام 2005 تولت جماعاتها السلطة في لبنان  فالغت الجميع و تجاوزت الدستور و عطلت الاحكام و حكمت من غير موازنة و من غير مجلس نواب و من غير رئيس جمهورية ، و في النهاية وصلت الى الحائط المسدود فاخرجت من الحكم .

و على المقلب الاخر لم تستطع  الجهة الامنية التي ابتدعتها في قوى الامن الداخلي و تخطت في ابتداعها النصوص و الانظمة و اغدقت عليها طائل الاموال و ربطتها باعرق الاجهزة الاستخبارية العالمية و اناطت بها فعل اي شيء دونما توقف عند حكم دستور او قانون ، لم تستطع هذه الجهة ان تصل الى تحقيق الاهداف الرئيسية منها لجهة حماية السلطة السياسية التي جاءت لحمايتها بل فشلت حتى انها  تصنف اليوم لدى الخبراء المختصين بانها من افشل الاجهزة الامنية التي عملت في لبنان . نقول هذا لان معيار النجاح ليس القيام باعتقال او اتهام او توقيف او تعقب بل يكمن في تحقيق الغرض السياسي و الامني المتوخى من الفعل بذاته  . و اذا استعرضنا الملفات الكبرى التي نفذتها و ادارتها الجهة الامنية اللبنانية المرتبطة بالسعودية لوجدنا ان انعكاساتها كلها ارتدت سلبيا على القائمين بها الى حد ان الثقة بها باتت معدومة لدى كل من لا يأتمر بامر السعودية .

و على سبيل ضرب الامثال هنا نذكر  :

–         بملف الضباط الاربعة الذي انتهى الى فضيحة شتت البحث عن مرتكب جريمة قتل رفيق الحريري ما حمل القيمين على ما يسمى محكمة خاصة بلبنان على حبكة اصطناعية تجعل من استمرارهم مبررا ،

–          او ملف نهر البارد الذي انتهى الى توريط الجيش بمعركة دفع فيها 167 شهيدا لكنه خرج  منتصرا بوحدته و تماسكه عكس ما كانت الخطط ضده ،

–         او ملف الوزير السابق ميشال سماحة الى ادى الى ما ادى اليه من علاقة و ارتدادات سلبية على  لبنان و علاقاته بسورية ،

–          او ملف صيدا و احمد الاسير و كيف انتهت الى خلاف ما كان يؤمل منها بعد النسبة العالية من الاضرار التي لحقت بصيدا …و عيرها من الملفات  التي انتهت الى عكس ما كان يريد اصحابها و باتت كل واحدة منها مشكلة بحد ذاتها للقائمين بها و لمن احتضنهم في ذلك و نكتفي بهذه الاشارة دون الخوض في التفاصيل لان المقام لا يتسع للتفصيل هنا .

–         و لكن الافظع من كل ذلك ما يحاك الان لطرابلس و ما يخشى من نتائج و تداعيات فيها .

رغم كل هذا التاريخ القاتم  بمساره و نتائجه لا نستطيع ان نفهم الاصرار السعودي على السير قدما في السياسة ذاتها عبر استعداء القسم الاكبر من اللبنانيين ثم التطلع الى حكم لبنان ، لبنان الذي استطاع ان يخرج المحتل الاسرائيلي و ان يمنع بقاء الحلف الاطلسي على ارضه و ان يحول دون استمرار حكم الفئة المرتهنة للخارج في كل المراحل . و هنا نتساءل قائلين : الا تدرك السعودية بان هذا النهج انما هو تدمير ذاتي و انتحار قبل ان يكون قتلا و الغاء  للاخر ؟ و الا تدرك ان ادارة الوضع البناني بالطريقة ذاتها وصولا الى تعطيل كل شيء فيه امر لن يعود عليها بخير لا بل سيزيد من تفاقم خسائرها و، انها بذلك تحمل فريقها في لبنان ما يفوق طاقته ؟ و لماذا لا تتعظ السعودية من نتائج سياستها السابقة في لبنان و سورية و المنطقة و تعيد النظر بها و توفر على نفسها و اتباعها و غيرها المزيد من الخسائر؟ خاصة و ان الواقع يقدم التأكيد تلو الاخر بان لا عودة في لبنان لحكم الفئة الواحدة المستأثرة ، و ان لا قدرة لاحد لاسقاط سورية المقاومة ، و لا مجال للتفكير بتفكيك محور المقاومة ، فلماذا مناطحة المستحيل ؟  و اخيرا نقول : اذا كانت السعودية لا تريد ان تفعل فلماذا لا يتحرر لبنانيون منها و يسقطوا عن انفسهم صفة التبعية و الارتهان من اجل بناء الدولة اللبنانية المستقلة؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.