تاريخية التحالف المصري السعودي

shaker-shubair-saudi-egypt

موقع إنباء الإخباري ـ
د. شاكر شبير:
تعني التاريخية وضع الحدث في سياقه التاريخي، فالتاريخ ينساب في مجراه الزماني بوتيرة ما، إلى أن يصادف منعطفا يغير من اتجاهه. وأهم هذه المنعطفات تكمن في النشاط البشري. وقد لا يعي القائمون على إحداث هذا المنعطف أنهم يقودون منعطفاً تاريخياً في مسيرة البشرية. التعرف على المنعطف يحوله إلى بوصلة تكون أساسا في قراراته.
الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يعرف أن رسالته تمثل منعطفا في تاريخ البشرية، لذا عندما طرح عليه عمه عرض قريش بتأميره عليهم أو إن كان يريد مالاً أو نساء إن أراد، كان جوابه القاطع: يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله، أو أهلك فيه، ما تركته!
عندما قام العثمانيون بانطلاقتهم التاريخية في حقبة محمد الفاتح وما بعده، لم تكن مجرد توسعة كما كانوا أيام تبعيتهم للدولة السلجوقية، بل كان الحدث ولادة قيادة للأمة. لم تعِ القيادة العثمانية هذا المنعطف التاريخي، ففقدت بوصلتها وتركت الأندلس تسقط في وقت كانت جيوشها تدك حصون فيينا، وكان الأولى منع سقوط الأندلس، التي لو بقيت لما سقطت الخلافة في القرن العشرين.
الدولة الصفوية التي تأسست بعد ذلك ولدت لتقود المعارضة في الأمة، لذا تركت وظيفية المعارضة بصمتها على سلوك الدولة الصفوية من رفض كل شيء يأتي من قبل القيادة.
منذ أن أعلنت الثورة الإسلامية الإيرانية تبنيها القضية المركزية للأمة؛ وهي قضية فلسطين، والمرء يدرك أننا لسنا فقط أمام دولة تنهض من كبوتها وتتحرر من تبعاتها، بل نحن أمام منعطف في تاريخ هذه الأمة، وهو ولادة قيادة جديدة للأمة متمثل في الجمهورية الإسلامية. بمعنى أن قيادة الأمة ستؤول إلى أتباع مذهب أهل البيت، ولم تعد فيما يعرف سياسياً بأتباع مذهب أهل السنة.
كان يمكن أن تكون مشاركة في ظل نجم الدين أربكان، لكن ما يمنع هو تحكم العسكر في الشأن التركي، مما يجعل السلوك التركي تحت السقف الاستعماري. بمعنى أن قيادة الأمة ستؤول وبالتزكية؛ أي دون منافس حقيقي، للجمهورية الإسلامية.
وقد فشلت كل المحاولات الخارجية بمحاصرة الجمهورية الإسلامية وإجهاض الثورة، ابتداء من محاولة صدام حسين بالتخفي خلف اللباس القومي الذي رجع به إلى نقطة ذي قار في العصر الجاهلي، حيث خادم ضرب سيده كفاً بدلاً من أن يعيد إحياء الإخوة العربية الفارسية التي بنت الحضارة العباسية التي نقتات منها حضاريا إلى يومنا هذا! وليس آخرها بناء الخلافة الفتنوية بقيادة أردوغان؛ وهو زيف إسلام تم تقديمه لإزاحة أربكان.
يأتي التحالف الإخير المعلن بين مصر والسعودية كخطوة لمحاولة استيعاب الإخفاقات في هذا المجال، والتي تجلت في سلسلة الإخفاقات السعودية في كل من سوريا واليمن، وفي وقت يأخذ الحليف الإمريكي مسافة حتى لا تذهب هذه الإخفاقات لحسابه! وهي خطوة نفسية أكثر منها موضوعية؛ فمصر السيسي غير قادرة على القيام بما هو متوقع منها سعودياً، والسعودية ليس لديها هامش من الحرية تعطيه لحلفائها للتصرف طبقا للمعطيات الميدانية، فتحرق حلفاءها تماما كحرق ورقة الحريري في لبنان.
إخفاقات السيسي في النهوض بمصر وعدم وفائه بوعوده للشعب المصري جعلت منه عبئاً على المؤسسة العسكرية التي ستحاول في نقطة ما التخلص منه، ولو على طريقة العسكر الباكستانية في التخلص من بنازير بوتو.
الإعلان عن إتباع تبران وصنافير للسعودية وترك السيسي مهلة الشهور الستة تمر دون اعتراض، جاء ليزيد الطين بلّة!
بديهيا، المشاريع والمنح الممنوحة لمصر في هذه الاتفاقات مشروطة بإنجاز مصر السيسي للتوقعات السعودية وإلا سيكون مصيرها نفس مصير المنحة السعودية للجيش اللبناني، الذي لم يستطع الإجهاز على المقاومة الإسلامية اللبنانية أو إضعاف حزب الله، بل كان من مصلحة لبنان التعاون بينهما.
لا أدري عمّا يتكلم د. حسن نافعة عند حديثه عن اللحظة التاريخية في بناء النظام العربي، وهل تعتبر تركيا عنصراً حيويا أيضاً في بناء النظام العربي، لذا ستجري محاولات ضمها للتحالف؟! كما لا أدري عمّا يتكلم د. خالد باطرفي عندما يقول إن إسرائيل هي العدو وليس إيران؟! وكأنه قادم من كوكب آخر! ألم يعرف بأن مصر السيسي هي من يحاصر أهل الرباط في قطاع غزة؟! ألم يرَ أو على الأقل سمع بقول اللواء أنور عشقي عندما قال خلال اجتماعه مع الإسرائيليين عن إيران إنها صديق جاهل، وتغزّل بحكمة نتنياهو وقوته؟! وماذا عن التعاون الاستخباراتي السعودي الإسرائيلي؛ لدرجة أنه سيوكل تنظيم الحج لشركة إسرائيلية؟!
لقد قال الجبير أن السعودية ملتزمة بما جاء في الاتفاقات المصرية الإسرائيلية، وهنا بيت القصيد، فهذا لا يتم إلا باتفاق مسبق مع الكيان الصهيوني! يعني ستكون هذه الجزر بمثابة بوابة فتح العلاقات السعودية الإسرائيلية رسميا وعلناً دون الحاجة إلى الحاجة إلى إعلان اعتراف سعودي بالكيان الصهيوني؛ يعني بالفهلوة! ألم أقل لكم من قبل إن حجم السيسي هو حجم عميل لإسرائيل لأنه لا يرقى أن يصبح عميلاً لأمريكا! وقد أعلن نتنياهو مراراً عمّا يسميه زورا بالتحالف السني الإسرائيلي في مواجهة الجمهورية الإسلامية! وهو ما سيزيد من سلسلة الإخفاقات لمحاصرة الجمهورية الإسلامية وإجهاض الثورة الإسلامية التي شبّت عن الطوق! لكنه سيكلف الأمة مالا ودما! فالإسرائيليون من الجبن أنهم لن يشاركوا إلا من وراء حجاب!
فالخطر الحقيقي على الجمهورية الإسلامية هو بروز سياسي في الجمهورية الإسلامية يعتقد أنه بذكائه يمكنه أن يقوم بإنشاء بروسترويكا إيرانية ويتقوقع داخليا مجاراةً للغرب، فيمتدحه الغرب على اعتداله وديمقراطيته، فيطمح لمنافسة جورباتشوف على لقب أغبى رجل دولة في التاريخ!

تعليق واحد

  1. أعتقد دكتور شبير أنّ التقاء مصلحة السعودية في أن تكون مصر تابعاً مطيعاً ومصلحة الجيش المصري في إزاحة جنرال من صفوفه أفسد “اللعبة” وأوجد انسداداً عاماً في الحياة السياسية المصرية تقزمت أمامها ممارسات أسلافه عبد الناصر والسادات ومبارك، التقاء المصالح هذا قد ينتج عنه لحظة تاريخية يمكن أن تكون اغتيالا للفرعون، ولكن كما يقول المثل اللبناني: وقعت الفاس بالراس، وأوجد الفرعون وقائع سياسية جديدة (التنازل عن الجزيرتين) وسهّل إدخال السعودية طرفاً في كامب ديفيد تستفيد منه إسرائيل كلاعب هجومي بوجه إيران، فيما تتربع إسرائيل (ولم أقل السعودية فهما واحد) على عنق خليج العقبة باتجاه إيلات (أم الرشراش) ومنها إلى ميناء أشدود على البحر المتوسط (براً ترانزيت أو بحفر قناة مائية)، وقائع يريد السعودي إجبار أمريكا أو تأخير غسل يديها من المنطقة، فالحفاظ على إسرائيل آمنة وقوية يمر عبر “عضوية كامب ديفيد” من الآن وصاعدا، ناهيك عن اعتزام السيسي ضم أطراف عربية أخرى إليها… ولكن يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين. صدق الله العظيم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*