تعليم اطفالنا الشذوذ الجنسي عبر مسلسلات مستوردة

spong-pop

صحيفة القدس العربي من لندن ـ
نسرين طرابلسي:

أجرت ابنتي في الجامعة بحثا عن الماسونية، وكانت النتيجة اكتشاف حصيلة مدهشة من الرموز والمعلومات التي تزرع في عقول الأطفال بشخصيات محببة ومضحكة يعمد مبتكروها وصناعها على إنشاء جيل يتأقلم مع ما قد يستهجنه الكبار ويجفلون لمرآه. لكن المصيبة أن هذه البرامج تمر على الرقابة العربية، التي تكتفي بحذف ما تراه مستهجنا منها ويتنافى مع العادات والتقاليد الدينية والاجتماعية، وتفلت من المقص بعض المحاذير لضعف ثقافة الرقيب في كثير من الأحيان، ولأن خطوطه الحمراء واضحة وموجهة لحذف العبارات والكلمات والمشاهد المحددة، بينما تفوته أخرى لا تقل خطورة وتأثيراً.
لا تعتقد أبداً أن الغربيين في انفتاحهم وحريتهم ليست لديهم ممنوعات ومحظورات من غير المسموح عرضها للأطفال، لكنهم يحرصون على وجود آلية تحدّد ذلك قبل عرض البرنامج أو الفيلم أو التقرير. وآلية تحمّل الأهل مسؤولية ماي شاهده الأطفال، فمن الضروري وضع تحذير أن في المحتوى مشاهد لا يصح لفئة عمريّة ما مشاهدتها. وبعض القنوات لا يمكن استقبالها إلا بدفع المال ليكون الأهل أمام مسؤولية كاملة تجاه أفراد العائلة.

‘سبونج بوب’.. في قفص الاتهام!

من هذه المسلسلات التي يحبها الأطفال والكبار أيضا مسلسل SpongeBob Square Pants ويعرف اختصاراً بـ’سبونج بوب’ أو ‘الاسفنجة بوب’، ظهر للمرة الأولى عالميا على قناة ‘نيكولودين’ التابعة للكيبل الأميركي في عام 1999. ابتكره عالم الأحياء البحرية Stephen Hillenburg .
أشاد به النقاد وترشح للكثير من الجوائز فحاز على ‘إيمي’ و’آني’ و’بافتا’ عدة مرات. نقل إلى الشاشات العربية مدبلجاً مع ظهور نيكولودين العربية في عام 2008 التي توقفت فجأة وانتقلت برامجها إلى قناة MBC3 عام 2011. تقوم فكرته على شخصيات مستوحاة من البيئة البحرية وتحمل صفات إنسانية، فنجم البحر بطيء الاستيعاب يحب الطعام، وشفيق الحبار سريع الغضب، وساندي السنجابة الأرضية تعيش في البحر مستخدمة الخوذة ذكية وشجاعة، وسلطع بخيل يحب المال، وشمشون هو الشخصية الوحيدة الشريرة في العمل… تجمع بين هذه الشخصيات الصداقة، وهي أكثر القيم التي يتم التركيز عليها، والمواقف المضحكة والمسلية.
لم يسلم هذا العمل من الانتقادات، حيث تكمن وراء طرافته الكثير من الرسائل المبطنة، ما دفع المجتمع المسيحي الأميركي المحافظ لتوجيه إصبع الاتهام للمسلسل على أنه يروج للمثلية ويشجع على التسامح مع الشذوذ الجنسي.
أما الانتقاد الآخر فهو ظهور العديد من الرموز الماسونية، بل إن ‘سبونج بوب’ نفسه يذهب مع صديقه للانتساب إلى احد المحافل مرتديين طربوشين عربيين عليهما عين حورس.
الرموز الماسونية في المسلسل أثارت جدلاً واسعا، ‘الهرم والعين’ والشخصيات الوثنية مثل ‘بوسايدون’ إله البحر والقرون الشيطانية وحركة الأصابع والأرض المقسمة إلى مربعات باللونين الأبيض والأسود، بل إن شفيق الحبار يتم قبوله فعلاً في المحفل كماسوني!!
أما عربياً فقد هبت لذات الأسباب شخصيات ومواقع دينية عديدة لتمنع بث المسلسل وتحارب الرسائل المدسوسة فيه، منتقدة الإشارة المباشرة للعرب من خلال رمز الطربوش. لكن كل هذه الاعتراضات لم تمنع من استمرار نجاحه وبثه.
المشكلة برأيي لا تكمن في تعريف الأطفال على الممنوعات، وشرح رموزها بل إنها تتلخص بتقديمها بشكل محبب وأليف من دون الإشارة الى الجوانب السلبية.
العقلية العربية ما زالت ترتبك أمام كل جديد وغريب من المفاهيم التي أصبحت عادية في العالم الغربي، بينما ما زالت ملتبسة وصادمة للمشاهد العربي. ليس لقصور في عقله، بل لأنه لم يعتد أصلاً على تقبل وتفهم الآخر، فهذه الأمور تحدث بشكل تراكمي وتربوي منذ الطفولة، ولعل أولادنا يستطيعون هضمها بشكل أفضل منا بكثير.

رومانسية الأمس وآلية اليوم

أولاد جيلي يعرفون هذا الفرق ويستشعرون أثره مع أولادهم. فبينما كانت مسلسلات الكارتون على أيامنا رومانسية بمجملها مأخوذة من الأدب العالمي. تحمل قيما عالية تحكم العلاقات الإنسانية، وتهدف إلى تعزيزها وتنميتها. نجد الكارتون تحول في الغالب إلى اعتماد استنطاق الأشياء ومنحها بعض الصفات الإنسانية وتحميلها رسائل عصرية يفهمها طفل اليوم ويلتقطها جيل الكومبيوتر والألعاب الالكترونية، ولا يجد صعوبة في التعاطي معها.
بعيداً عن العاطفة الجياشة من الحزن، التي جعلت منا جيلاً هشاً سريع الدمع. ولأستعرض معكم بعضا من الشخصيات الكارتونية، التي شكلت وعي ووجدان أجيال متعاقبة منذ ثمانينات القرن الماضي وما زالت، يعاد عرضها من حين لآخر على شاشات التلفزيون، فلا تلقى إلا نادراً ذات الصدى، الذي كان لها في تلك الأيام. تذكروا معي ‘ريمي’ فيلم الأنيمي الشهير عضو الفرقة الجوالة، المأخوذ عن القصة الفرنســية ‘بلا عائلة’ للكاتب هيكتور مالو.
‘فلونة’ مسلسل الكارتون المأخوذ عن قصة روبنسون كروز للكاتب دانيال ديفو. ‘الرحالة الصغير’. وهو مستوحى من كتاب الأمير الصغير للكاتب الفرنسي أنطوان دي سانت اكسوبيري، الذي يعتبر واحداً من أشهر روايات القرن العشرين، التي ما زالت تبيع مليون نسخة سنوياً حتى اليوم.
ومن ينسى ‘سندباد’ البحار الصغير وأصدقاءه العصفورة ياسمينة وعلي بابا وعلاء الدين والمغامرات التي نقلت الأطفال إلى عالم حكايات ألف ليلة وليلة. ‘صاحب الظل الطويل’ عن قصة الكاتبة الأميريكية جين ويبستر. و’ليدي أوسكار’ أو ‘زهرة فيرساي’ وهو مصنف من أفضل رسوم الأنيمي للكاتبة اليابانية إيكيدا ري يوكو.. إلى آخر القائمة الطويلة حتى تفتقت المخيلة اليابانية عن منافسة شرسة لحست عقول الأطفال وسحبتهم إلى عالم الالكترونيات الغامض.

‘بوكيمون’ و’سبيس توون’

في عام 1979 ظهرت هذه الشخصيات لأول مرة بلعبة ننتندو، ثم تحولت إلى سلسلة Pok’mon Monster الذي دبلج إلى العربية باسم أبطال الديجيتال. متزامنا مع انطلاق قناة ‘سبيس توون’ أول قناة حوّلت الفترة المحدودة الموجهة للأطفال على القنوات الأرضية والفضائية فجمعتها في قناة متخصصة مقسمة إلى كواكب كل كوكب يخاطب شريحة عمرية. ولم تكن مجرد قناة ترفيهية عادية، بل تقدمت أيضاً كقناة تربوية.
الطاقات الشابة التي أخذت على عاتقها مهمة تفجير مواهبها الموسيقية واللغوية والأدائية لمخاطبة الطفولة، ليستمر هذا المشروع الناجح وأرباحه المباركة بسعادة الأطفال. أجل، سجلت ‘سبيس توون’ ظهورها الريادي. لتتبعها عدة تجارب لاحقة مثل قناة MBC3 التي انضمت إلى مجموعة قنوات مركز تلفزيون الشرق الأوسط في عام 2004. وما ميزها انتاج برامج عربية تخاطب الأطفال وتشركهم في برامج المواهب والمسابقات والألعاب. فترات البث الطويلة جعلت القائمين على هذه القنوات يعيدون بث المسلسلات القديمة لملء الوقت مترافقة مع معظم مسلسلات الكارتون المستوردة من الشركات الأجنبية الأميركية واليابانية منها على وجه التحديد نظراً لشهرتها وغزارة إنتاجها.

التعلم يمكن أن يكون مسلياً

قبل أن أختم مقالي أريد أخذكم بجولة في التلفزيون الهولندي KRO لتعرفوا إلى أي مدى يمكن أن يصل العقل الأوروبي في التفكير بأطفاله، وكيف يعد العدة جيداً لإنشاء جيل تحترم البرامج التلفزيونية عقله وتفكيره وتثق به وتعامله كإنسان لا يقل ذكاء عن الكبير، بل يفوقه أضعافاً.
في برنامج بعنوان Brake it doun أي حطّمها الذي يعرض منذ 15 عاماً، يظهر الأطفال وهم يقومون بتفكيك الآلات الضخمة ليتعلموا كيفية عمل الآلة بشكل عكسي، برنامج يشرف عليه خبراء في الدفاع المدني، وليس فيه الكثير من الكلام سوى ضحكات الأطفال وتعليقاتهم أثناء استمتاعهم بعملية الفك والتحطيم.
أما برنامج Groot licht أي النور العظيم، فهو برنامج علمي ترفيهي، تابعت إحدى حلقاته مذهولة، وكانت تعرف الأطفال بكل ما يخرج من الجسم، كل ما يخطر على بالك، العرق والبول والبراز والمخاط والجلد الميت وقشرة الرأس.. بطريقة طريفة وصلت حد تقديم إحدى فقراته من حمام السوق التركي!
أما الكارتون فله أيضاً أهداف سامية أخلاقية ومتطورة تتجاوز التسلية وتتعداها. تخاطب شريحة معينة هي أطفال مرضى السرطان، Paultje en de draak أي بول والتنين، فيلم رسوم كارتوني عن صبي صغير يصاب بهذا الورم الخبيث. نرافقه من لحظة اكتشاف المرض حتى الشفاء والعودة إلى اللعب. لحظة دخوله إلى جهاز الرنين المغناطيسي ثم يدخل هو إلى جسده مرتدياً زي المحارب بصحبة قطرات العلاج الكيميائي لتدله على مكمن هذا الوحش، التنين، الذي يترصده لتساعده في القضاء عليه.
فيلم سيساعد الكثير من الأطفال على الانتصار والصمود في هذه المحنة القاسية ويشرح لهم بدقة وجمال ما الذي يحدث لهم، يضخ فيهم الطاقة الإيجابية والروح المحاربة اللازمة للتغلب على هذا المرض الخطير الذي يتضمن علاجه مراحل قاسية ومضنية.
يا أباطرة المال والإعلام، هل لديكم القليل من الوقت لإنتاج برامج حقيقية للأطفال أم من الأسهل والأربح أن نشتري وندبلج ونحذف ونقص ونلصق!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.