تكامل الجبهات في خدمة البيئات .. لصالح الإستراتيجيات

hassan-choukeir-jabhat

موقع إنباء الإخباري ـ
بقلم حسن شقير:
تتسارع التطورات الميدانية في كل من سوريا والعراق، بشكل يلامس مستوى من التكافل والتكامل في آنٍ معاً، وذلك على مقلبي الشرق والغرب لكلا البلدين ..
لعل المراقب لما يحدث من انتصاراتٍ متسارعة في تلك الجبهات على حساب الإرهاب الداعشي ، والذي هو  لصالح الدولتين الجارتين، والمصابتين  بالداء نفسه… يلحظ بأن غرفة العمليات المشتركة في بغداد، والتي شُكلت على مسافة يومين، قبيل إعلان التدخل الروسي في سوريا، والتي تعمل وفق تنسيق عال ٍ في خدمة أهداف أبعد من تلك الحرب على الإرهاب، ومحاولات اجتثاثه من سوريا والعراق معاً، إنما يتخطاه – بتقديري – إلى تحقيق أهدافٍ بعيدة المدى .. مرصودةٌ، ومتفق عليها من قبل الدول الأربع في هذه الغرفة (إيران – روسيا – العراق – سوريا) … وشاهدنا على ذلك، كان قد جاء على لسان وزير خارجية روسيا، على أعقاب الزيارة الأخيرة لوزير خارجية أمريكا إلى موسكو، ولقاء الساعات الأربع مع الرئيس بوتين.. وذلك عندما قال  “إن الحل في سوريا لابد أن يخدم مصالحنا ، ومصالح  شركائنا أيضاً” .
إنطلاقاً من هذه القاعدة – الأساس، كانت الشراكة في الحرب على الإرهاب، وبالتالي، لا بد لنتائجها أن تكون لصالح هؤلاء جميعاً، وذلك لما ثبته لافروف في تصريحه المشار إليه سابقاً ..
بناءً على ما تقدم، سار الميدانان السوري والعراقي، تحت ظل الجناحين الروسي والإيراني، وبخطى ثابتة، وذلك  في خدمة هذه القاعدة. ففي المشهد العراقي، وبعد تمدد الحنش الداعشي من الأنبار العراقية نحو حمص السورية، والذي كاد أن يرفد رأسه في الجرود على الحدود اللبنانية.. وذلك لولا أن تدراكته سوريا ومعها القوى المساندة في مهين، ولتبدأ فيها هذه القوات بتطبيق استراتيجية عسكرية تكاملية مع القوات العراقية في الأنبار، والتي  كنت قد افترضت حدوثها بعيد أيام قليلة من غزو الدواعش لتدمر السورية، وذلك عندما كتبت في ٠١-٠٦-٢٠١٥، حول “وجهة الحنش الداعشي… واستراتيجية إطباق الثغر والإستدارة”، لتشتعل بعدها النيران في ذيل هذا الحنش (معركة الأنبار) ويُطبق ثغره في  الحدود مع لبنان، وذلك بمنع تضخم عنقه في مهين، ويُحجّم رأسه في معركة الجرود، وصولاً إلى بتر جذعه مؤخراً في تدمر والقريتين على حد سواء ..
كثرت التحليلات مؤخراً حول وجهة الجيش السوري وحلفائه ، وذلك بعد نصر تدمر والقريتين، وذلك إما باتجاه دير الزور أو حتى نحو الرقة، أو إلى معبر التنف على الحدود الشرقية الجنوبية لسوريا مع العراق.. إلا أنني، ووفقاً للمستوى التكاملي الذي ذكرته سابقاً، والذي يتطابق مع الخطة العسكرية في سوريا، من الوسط نحو الغرب، صعوداً نحو الشمال، والذي سيكون إستكمالاً لما استشرفته في مقالة (روسيا وسوريا … العزل والحصار في السياسة والميدان، والمنشورة بتاريخ ٢٦-٠١-٢٠١٦) حول استراتيجية “الأصابع الأربعة  والزوايا الثلاث” في تلك البقعة من سوريا، والذي يفترض إكمال مد الإصبع الرابع من تدمر نحو الحدود العراقية، بغية تشكل الزاوية الإرهابية الثالثة في الرقة..
السؤال: في أية جهة على الحدود سيكون اكتمال مد هذا الإصبع الرابع؟ أعتقد بأن الوجهة ستكون مدينة البوكمال السورية، وذلك لتلاقي القوات العراقية الزاحفة في الأنبار، وذلك حتى الحدود مع سوريا في القائم، والتي – أي هذه القوات – تكاد تطهر محافظة الأنبار في آخر ثلاث مناطق رئيسية متبقية لداعش فيها، وذلك بعد الإنتهاء قريباً من هيت، وهي: الفلوجة المحاصرة، والرطبة والقائم في أقصى المحافظة.
لقد استفضنا في السابق، وضمن أكثر من مقالة، بالحديث حول الإستثمار الأمريكو – صهيوني بالإرهاب الضارب في المنطقة، وخصوصاً لجهة استخدام هذا الأخير من قبل هؤلاء المستثمرين في محاولاتهم المستمرة لضرب استراتيجيات ومصالح أعدائهم وخصومهم، وكان على رأس هؤلاء روسيا وإيران والمقاومة في لبنان، فكان تمدد هذا الحنش الإرهابي في تلك الجغرافيا العراقية والسورية، إنطلاقاً ببتر ما أسموه يوماً بـ “الهلال الشيعي”، ومن ثم ضرب قلب سوريا في حمص، وما ترمز إليه تلك المحافظة المرصودة من قبل أمريكا وتحالفها، وذلك لحصار روسيا في اقتصادها، وجعلها عقدة أنابيب للطاقة البديلة نحو أوروبا، وصولا ً إلى تشكيل ورفد الحزام المُستنزف والمطبق على المقاومة في الشمال والشرق اللبنانيين..
بناءً على ما تقدم، تكمن خدمة الميدان لرباعية غرفة العمليات المشتركة في إقامة بيئات آمنة، لصالح هذه الدول مجتمعة، إن في التواصل الجغرافي بين دول محور الممانعة،  (إيران)،  أو لصالح تهيئة الأرضية لنشوء البيئة الجغرافية الآمنة والواعدة في الإستثمار (كلام بوتين في طهران في منتدى الدول المصدرة  للغاز الأخير)، وصولا ً إلى رفع سيف الإطباق على المقاومة في لبنان ، هذا فضلاً عن خدمة مصالح كل من سوريا والعراق ، وعلى كافة المستويات.. وعليه فإن وجهة التطورات الميدانية في مشهدي سوريا والعراق، قد أضحت محتومة في تحقيق البيئات المنشودة لدى هؤلاء جميعاً..
ماذا في الإستراتيجيات الكبرى لهذه المكونات وحلفائها؟ وهل تعمل هذه الجبهات تحديداً، وإقامة هذه البيئات المشار إليها، في خدمة هذه الإستراتيجيات فعلاً؟
لا يتسع المجال في هذه العجالة لإمكانية الإحاطة بمختلف الإستراتيجيات الكبرى والمخدومة من خلال هذه الجبهات و البيئات،  فبالنسبة لسوريا والعراق، فإن هذه الأخيرة، المتحاددة فيما بينها، ستشكلان عوامل رفد ورفع لإستراتيجيات كبرى في هاتين الدولتين، إن من خلال النتائج المترتبة على الخلاص من الإرهاب فيهما أولاً، وإن في إعادة وصل تلك  الجغرافيا المقسّمة قسراً  ثانياً، هذا فضلا ً عن إعادة ترميم البيئتين السياسية والإقتصادية الرافدتين لإعادة الإعتبار للدولة الوطنية – القطرية في كليهما.
أما إيران، فإننا كنا من أوائل من تحدث حول تقاطع أمريكا مع الإرهاب في العمل على بتر – ما أطلق عليه الملك الأردني يوماً – “الهلال الشيعي”، والذي يصل طهران ببيروت عبر العراق وسوريا (مقالة داعش والإستراتيجيات الكبرى للصهيوأمريكية ، نُشرت بتاريخ 13-06-2014 )، وعليه فإن اجتثاث داعش من الأنبار العراقية، وحمص السورية، والتقاء القوات العراقية والسورية لاحقاً عند الحدود الغربية والشرقية للبلدين، سيكون من شأنه ترميم هذا “الهلال” المبتور، وما لذلك من أهمية استراتيجية كبرى لدى إيران في زمن تثبيت النفوذ في هذا الحيّز الجغرافي الحيوي لها، ليمثل هذا الأخير، رأس الحربة في صراع الثورة الوجودي مع الكيان الصهيوني … وهذه القضية إحدى الجوانب فقط في الإستراتيجية العليا لإيران – الثورة .
روسيا من جهتها، ليست أقل استفادةً من الثالوث الدولتي السابق، فلقد ذكرنا في مقالة سابقة (بين استراتيجيتي روسيا وأمريكا .. تعاكسٌ في الأهداف والمحددات، والمنشورة بتاريخ 12 -10-2015  )، بأن هذه الدولة، حلت في سوريا، وفي هذه الجبهات الحالية تحديداً، بغية تقديم أنموذج فعال أمام الدول المصابة بالداء الإرهابي، أو حتى تلك المرشحة لذلك أيضاً، وذلك في كيفية محاربة الإرهاب، والقضاء عليه، وليس في كيفية تشتيته وتوسيع مداياته الجغرافية، وذلك كما حدث مع تحالف أمريكا، ومن هنا كان  التركيز الإعلامي مؤخراً على الدور الروسي، سلاحاً وتخطيطاً في معركتي تدمر والقرتين.. وما يستتبع ذلك من تثبيت روسيا لعلاقاتها المتوسطية من خلال موقعها الضامن والحامي في آن معاً.. هذا بالإضافة إلى تلك الأهداف الإستراتيجية الأخرى، والتي وردت في تلك المقالة الأخيرة، والمشار إليها سابقاً .
بجملةٍ أخيرة: إنه التكامل في الجبهات، في خدمة البيئات، لصالح الإستراتيجيات الكبرى لهذا الرباعي وحلفائه في الميدان… وما عدا ذلك – باعتقادي – لا يعدو كونه تفاصيل .
باحث وكاتب سياسي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*