روسيا وتركيا.. محطّات للتاريخ.. أنشهد سيرورة جذرية؟!

tatiana-davidova-russia-turkey

موقع إنباء الإخباري ـ
تتيانا دافيدوفا*:

من المؤكد أن الأحداث التي تعصف بتركيا حالياً ومنذ بداية الانقلاب العسكري الفاشل، لم تجعل من ملف العلاقات الروسية التركية ملفاً في طي النسيان، ولا هي وضعت هذا الملف على الرف. فقضية العلاقات بين الدولتين الروسية والتركية سوف تبقى في توصيفها مهمة جداً، أنية وتستقطب اهتمام الخبراء والمختصين والمؤرخين والقراء سواء بسواء.
موقف روسيا من الأحداث التركية واضح وضوح قرص الشمس في وضح النهار، وهو الالتزام بالشرعة الدولية تجاه كل الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، واحترام الخيارات الديمقراطية للشعب وسيادة الدول على ترابها الوطني.
لذلك، لنبدأ بتتبع الخطوات التي بدأتها تركيا وأدّت الى نقلة مفصلية في العلاقات بين العاصمتين، وقد وصفها بعض المحللين بأنها مفتاح الفرح لتركيا، التي لبّى رئيسها متطلب روسيا بالاعتذار عن إسقاط الطائرة الحربية الروسية قاذفة “سو-24″، وقتل طيارها بترصّد، وطالبت روسيا بعد ذلك بضرورة تلبية المتطلبات الاخرى، بغية استكمال تطبيع العلاقات الثنائية.
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تقدّم بتاريخ 27 يونيو/حزيران باعتذاره لروسيا عن إسقاط الطائرة الحربية الروسية، بعد إنكار لم يستمر طويلاً، ففتحت هذه الخطوة الباب أمام تطبيع العلاقات بين تركيا وروسيا، ورفعت موسكو القيود التجارية والاقتصادية المفروضة على أنقرة. وأوعز الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للحكومة، في أعقاب اتصال هاتفي مع نظيره التركي، برفع العقوبات عن تركيا في مجال السياحة (سياحة رحلات التشارتر حصراً)، وأمر بالنظر ببدء تطبيع العلاقات التجارية بين البلدين.
كما وارتدى اجتماع وزراء خارجية دول الأعضاء في منظمة البحر الأسود للتعاون الاقتصادي في منتجع سوتشي يوم 1 يوليو/تموز، في ختام فترة الرئاسة الروسية للمنظمة اهمية خاصة في هذا الاتجاه التطبيعي للعلاقات الروسية التركية. وتم اللقاء في إطاره بين سيرغي لافروف ونظيره التركي (مولود تشاووش أوغلو) الذي استمر نحو 40 دقيقة.
ويُعدُ هذا اللقاء الأول من نوعه على المستوى الرفيع بين ممثلي روسيا وتركيا، كما أنه أول لقاء للافروف وتشاووش أوغلو منذ 3 ديسمبر/كانون الثاني الماضي، عندما التقيا على هامش اجتماع مجلس وزراء الخارجية لمنظمة الأمن والتعاون الأوروبي في بيلغراد.
وركزت المناقشات خلال الاجتماع على مسائل التعاون الاقتصادي الإقليمي وإجراء إصلاحات هيكلية ترمي إلى جعل المنظمة أكثر قوة وقدرة ومرونة في الفترة الراهنة. وتضم المنظمة كلا من أذربيجان وألبانيا وأرمينيا وبلغاريا واليونان وجورجيا ومولدافيا وروسيا ورومانيا وصربيا وتركيا.
وفيما يتعلق بالوضع في سوريا، نفى وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ان تكون بين موسكو وأنقرة اختلافات حول تصنيف الإرهابيين والفصائل غير الإرهابية في سوريا، مؤكدا استئناف التعاون الثنائي في مجال محاربة الإرهاب، كما نوّه لافروف الى أن الجانب التركي يُشاطر موسكو موقفها حيال ضرورة انسحاب قوى “المعارضة” السورية من المناطق الخاضعة لسيطرة الإرهابيين الدوليين (الفصل بين الطرفين)، مشيراً بدقة خلال المؤتمر الصحفي الختامي لاجتماع منظمة البحر الأسود للتعاون الاقتصادي بمدينة سوتشي جنوب روسيا: “على أولئك الذين لا يريدون أن يتضرروا بسبب الضربات الجوية، أن ينسحبوا من المواقع التي يحتلها الإرهابيون”. وأضاف: “أكد الشركاء الأتراك أنهم يوافقون على هذا المنطق”.
ونبّه الوزير الروسي في هذا الخصوص من أنه سبق لروسيا أن اقترحت إدراج تنظيمي “جيش الإسلام” و”أحرار الشام” على القائمة الأممية للمنظمات الإرهابية، نظراً لتوفّر شهادات حول خرق هذين التنظيمين لكافة أعراف الحرب، لكن هذا الاقتراح لم يحظ آنذاك بالتأييد بالإجماع في مجلس الأمن الدولي. وأكد لافروف أنه اتفق مع تشاووش أوغلو على استئناف اجتماعات فريق العمل الروسي- التركي المشترك الخاص بمحاربة الإرهاب والذي علّقت موسكو عمله منذ 7 شهور، إثر حادثة إسقاط قاذفة “سو-24” الروسية في سماء سوريا من قبل سلاح الجو التركي.
الجانب الروسي يسعى لتطوير العلاقات مع مختلف البلدان وبضمن ذلك مع تركيا، وفي هذا السياق أعرب لافروف على أمله في تطوير الاتصالات مع تركيا عبر القنوات الأخرى، بما في ذلك الاتصالات بين الجيشين الروسي والتركي، وفي الاتجاه نفسه أضاف الوزير الروسي أن حكومتي البلدين ستجريان “في القريب العاجل” اتصالات حول تطبيع مجمل العلاقات الروسية – التركية، وكشف عن أنه تلقى خلال لقائه وزير الخارجية التركي تأكيدات على استعداد أنقرة لإتخاذ كافة الإجراءات الضرورية لضمان أمن السياح الروس في أراضي تركيا.
بدوره اعرب وزير الخارجية التركي للصحفيين عن موقف بلاده ويتلخص في أن أنقرة تحارب تنظيم “داعش” بصورة مباشرة، ونفى أن يكون لهذا التنظيم الإرهابي أي صلة بالإسلام. وفي نقلة نوعية ولافتة وصفها البعض بأنها “أممية خطيرة” في سياق العلاقات الثنائية مع موسكو، وصف تشاووش أوغلو الوضع في سوريا بأنه “غير واعد”، ودعا اللاعبين الخارجيين إلى العمل سوية من أجل تسوية الأزمة بالوسائل السياسية وضمان نظام مستقر لوقف إطلاق النار.
كما أكد الوزير أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مستعد للقاء نظيره الروسي فلاديمير بوتين قبل قمة العشرين المرتقبة في الصين في سبتمبر/أيلول المقبل، ومستعد للذهاب إلى روسيا لهذا الغرض. وتابع أن الطرفين يبحثان الموعد المحتمل للقاء حالياً، ومؤكداً أن لقاءه مع لافروف شمل كافة جوانب العلاقات الثنائية، بما في ذلك التعاون الاقتصادي، ومجالي الطاقة والتجارة وتبادل الزيارات على المستوى الرفيع.
ووفقا للخبراء فإن الانهيار السريع للعلاقات بين موسكو وأنقرة أعقبه انتعاش سريع.
لماذا روسيا تحتاج للمصالحة مع تركيا؟ إن الشركات المالية والصناعية الرئيسية في روسيا لها مصالح عريضة في تركيا، ومن بينها “سبيربنك”، و”روساتوم” (بناء مشروع محطة الطاقة النووية التي تستند كليا على الأموال الروسية والتي ستعمل تحت إدارة روسية تركية مشتركة)، و”لوك أويل” التي تمتلك شبكة من محطات تعبئة الوقود ومستودعات الوقود في تركيا، بالإضافة لغازبروم وهي شركة مهتمة بالعمل مع تركيا ليس فقط كمستهلك للغاز، ولكن كبلد -ترانزيت (عبور) للغاز أيضاً. السلطات الروسية في علاقاتها مع تركيا معنية بقضية الحفاظ على العقود والمشاريع للشركات الكبرى الروسية، وبالإضافة الى إمكانية استمرار المفاوضات بشأن بناء خط أنابيب للغاز يتجنب أوكرانيا وبولندا.
لماذا تركيا تحتاج لهذه المصالحة؟ إن العقوبات التي فرضتها روسيا على تركيا كانت حساسة جداً. يُعاني قطاع السياحة والتجارة من صعوبات جدّية. ممثلو الأعمال الأتراك يتحملون خسائر فادحة. على خلفية أجندة السياسة الخارجية التركية الفاشلة خلال شهور ماضيات، تتوسل الحكومة لإحراز تقدم كبير في سياستها من خلال تطبيع العلاقات مع روسيا، وبخاصة في مسيرة موازية “لتطبيع” علاقاتها مع إسرائيل.
*مُستعربة روسية ومُتخصِّصة بالشأن العربي والإسلامي في موسكو، وعضو قيادة ناشطة في رَاَبِطَة الَقَلَمِيِّين الاَلِكْتْروُنِيّةِ مُحِبِّيِ بُوُتِيِن وَرُوسيِّهَ فِيِ الأُردُن وًالعَالَم العَرَبِيِ

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*