ساعة الإرهاب دقت بمطرقة الـ “نعم” العتيدة في فيينا

hassan-choukeir-vienna

موقع إنباء الإخباري ـ
حسن شقير:
من تأجيلٍ إلى آخر، تسير المفاوضات النووية الجارية حالياً في فيينا، متخطية بذلك الموعد المحدد  لها في الثلاثين من حزيران/ يونيو الماضي.
إذا ما تجاوزنا الأسباب والدوافع الحقيقية – المعلن عنها تارةً، والمخفية أطواراً أخرى –   والتي تتراوح بين التقنية والإجرائية، فضلا ً عن السياسية منها، كون ذلك قد أصبح معلناً ومعروفاً لدى الكثيرين من المتابعين لتلك المفاوضات، هذا بالإضافة إلى حرصنا على عدم الإستكانة لهذا التسريب من عدمه، والذي قد يُبنى عليه الكثير من التحليل المضلل، مما يوصلنا إلى نتائج قد تكون صادمة.. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإننا ـ وفي العديد من المقالات السابقة ـ أبرزنا الحاجة الإستراتيجية لكلا الطرفين في الوصول إلى صيغة “رابح – رابح”، معطوفة على تقاسم التنازلات، وبشكل “عادل ومتوازن”، على حد وصف وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، بُعيد التمديد الأول للموعد الأساسي في نهاية الشهر الماضي..
سنعالج في هذه العجالة الإشكالية التي كنا قد أثرناها في مقالة سابقة، والتي كانت تحت عنوان “مواجهة الإرهاب.. عقدة التتالي والتزامن في الإتفاق النووي”، حيث خلصنا فيها إلى أن الجمهورية الإسلامية لن تقبل بأن تكون قضية رفع العقوبات “ناتجاً للإتفاق”، وإنما “جزءاً منه”، وذلك على حد ما صرّح به السيد خامنئي في معرض تعليقه على رسالة أوباما للشعب الإيراني في عيد النوروز لهذا العام. أما قضية تدرّج الرفع لتلك العقوبات، فلقد اختصرها ظريف، في نفس التصريح الذي أشرنا إليه سابقاً بعبارة “التوازن” بحيث يكون الالتزام الإيراني مصاحباً ومتزامنا ً مع مقدار الرفع، كماً ونوعاً…
أشرنا كثيراً أيضاً – فيما مضى –  وبعيد الإتفاق المبدئي الأول منذ حوالي العامين فيما بين إيران ومجموعة الخمسة زائد واحد إلى رهانات بعض الدول الإقليمية -وتحديداً السعودية والكيان الصهيوني –  في التشويش على المفاوضات، وصولا ً إلى إمكانية عرقلتها عبر أداتهما في تلك المفاوضات، والتي عنيت بها فرنسا على وجه التحديد ..
ما يفيد الإشارة إليه في مجال البحث هنا، هي تلك التطورات الميدانية المتسارعة في بؤر الصراع المشتعلة في المنطقة، وفي غير اتجاه، والتي سبقت ورافقت هذه الجولة الجارية في الربع الساعة الأخيرة من المفاوضات النووية، كون المعلن أن الطرفين المعنيين بها، وتحديداً أمريكا وإيران، لا يرغبان بتمديد المفاوضات إلى أجلٍ مفتوح، ولكلٍّ مبرراته – والتي يمكن معالجتها لاحقاً – فكان المشهد الميداني من سوريا إلى العراق فاليمن ، أشبه بسباق ماراتوني لدى الإرهابيين، وكلاء تحالف العدوان على المنطقة، وأطراف محور الممانعة مجتمعين في المنطقة!!
رست تلك التطورات الميدانية اليوم على المشهد التالي: في سوريا، حصل  تقدم لأولئك الوكلاء في بعض الشمال السوري، مع ثبات للجيش على الجبهة الحلبية منه ، وفشل للأوائل في اختراق الجبهة الجنوبية مجدداً، مع تقدم كبير للجيش والمقاومة على جبهة القلمون، ومعها الزبداني لاحقاً، ومن ثم في محيط تدمر في وسط سوريا حالياً… يقابلها في المشهد العراقي اكتمال التحضيرات لانطلاق عملية تحرير محافظة الأنبار، انطلاقاً من الفلوجة… مع عودة لافتة لظهور الدعم الإيراني العلني لتلك المعركة، وذلك من خلال ظهور الجنرال سليماني في الميدان العراقي مجدداً..
أما في اليمن، فلقد رسا المشهد اليمني على إفلاس واضح لعدوان تحالف السعودية في إمكانية تحقيق أيّ من الأهداف المعلنة، وهذا ما يُفسّر تلك الهمجية الأخيرة في استهداف الأسواق الشعبية، وبشكل فاضح. رافق كل ذلك، هدنة إنسانية، أعلنت عنها الأمم المتحدة بالأمس، قابلها تمرّدٌ  سعودي  صريح وعملي في إمكانية الإلتزام بها، وهذا بحد ذاته تطورٌ له دلالاته، ناهيك عن التهديد اليمني الصريح للجنة الثورية، وقائد أنصار الله، باقتراب اليمنيين من اتخاذ “إجراءات استراتيجية، لها تأثير على المنطقة برمتها”، وهذا أيضاً له دلالاته الكبرى …
بالعودة إلى مسار التفاوض الجاري حالياً في فيينا، وعطفاً على ما استقر عليه المشهد الميداني في المنطقة برمتها، فضلا ً عن الحراك السياسي المرافق له في المنطقة والعالم، وتحديداً في ما خص الدول الثلاث، سوريا والعراق وإيران، واللقاءات التشاورية والتنسيقية بينهم في سعيهم لتكامل جهودهم  لمكافحة الإرهاب، والتي رافقها تلك الدعوة الروسية – والتي أسميتها بقنبلة بوتين – والتي لم تلقَ لغاية اليوم الردود عليها من قبل المعنيين بها – عدا سوريا – وما صاحبها من إعادة تحريك لمساري موسكو وجنيف التفاوضيين..
السؤال الكبير، والذي يتردد على كل لسان هذه الأيام: هل هذا المشهد الميداني والسياسي أعلاه له علاقة  حتمية ومباشرة بفرضيتي الـ “نعم” والـ “لا”، الممكن حدوثهما في فيينا؟ وبالتالي ما علاقة ملف الإرهاب في المنطقة برمتها بكلٍ منهما؟
ذكرنا في السابق أيضاً أن إيران، بحذاقتها التفاوضية النووية، هي التي فرضت على أوباما مساراً تفاوضياً إلزامياً في الملف النووي الإيراني، وهذا ما جرى ترجمته على لسان أوباما نفسه في اليوم الذي أعلن فيه بيان لوزان في نيسان الماضي، وأن هذه الحذاقة ستنتقل بها إيران من النووي إلى التقليدي، وخصوصاً مع من تعتقدهم  بأنهم رعاة الإرهاب في المنطقة، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني، ومن يدور في فلكهما في العالمين العربي والإسلامي…
لقد أشرنا في حينه إلى أن  فن التفاوض الإيراني، في التقليدي، وذلك مع هؤلاء – وإن بشكل مباشر أو غير مباشر – سينطلق من خلال حشرهم في أحادية المسار التفاوضي الجاد حصراً، وذلك بعد تحييد التدخل المباشر لهم، وذلك من خلال تثبيت مبدأ القيادة الإيرانية من الخلف، واستعادة زمام المبادرة على الأرض، والتحضير الكبير للهجوم المضاد على وكلائهم الإرهابيين، وذلك سيكون من قبل أطراف الممانعة المباشرين حصراً، مما قد ينتج عنه عواقب وخيمة على مشغليهم ومشروعهم الهدام في المنطقة، مما سيفرض على  هؤلاء الأخيرين، بأن يسلكوا المسار التفاوضي، الحصري والجاد هذه المرّة، والتي يمكن أن تُشكّل  قنبلة بوتين سُلّم النجاة لهم، وذلك لتسهيل نزولهم  عن الشجرة…
لا شك بأن أمريكا ترقب الميدان والسياسة في المنطقة، وبشكل جيد، وبالتالي فإنها أدركت من خلال جولات فيينا الحاصلة بأن ألاعيبها في تجويف رفع العقوبات، أو حتى تعطيل مفاعيل رفعها، قد تجاوزته الدبلوماسية الإيرانية.. فها هو الرئيس روحاني يعلن من روسيا، على هامش قمتي البريكس وشنغهاي، بأن إيران ” تنظر إلى مرحلة ما بعد المفاوضات النووية “، وهذا بحد ذاته له دلالة ورسالة واضحة، مفادها أن إيران قد حزمت أمتعتها للخروج من دوامتي المفاوضات والعقوبات، ومعها، ومن وراءها الأقطاب الصاعدة الأخرى في تلك التكتلات الكبرى في العالم، والذي  يعني – وبشكل صريح – أن اللعبة الأمريكوإرهابية قد شارفت على نهايتها، وأن أوان الحسم قد حان زمانه…
خلاصة القول، إن فرضية الفشل  – والتي قد تكون مستبعدة – في فيينا، وذلك بفعل الضغوط الهائلة لمشغلي ومستثمري الإرهاب في المنطقة، ونجاح رهاناتهم السابقة، سيجعل من إيران ، بأن تدفع بكل قوة في المسار التقليدي الثاني ، والذي أشرنا إليه سابقاً، وذلك بتفعيل القيادة من الخلف وتجيير مطلق القدرات للحلفاء الميدانيين… مما سيفرض مجدداً على “عقلاء” تحالف العدوان على المنطقة وضع أقدامهم مرغمين على ذاك السلّم الروسي الممدود لهم..
لن تختلف النتائج التقليدية في المنطقة مطلقاً، وذلك في حال وصول المحطة التفاوضية  النووية الحالية إلى بر الأمان… وهذا ما رددناه كثيراً، كون الجمهورية الإسلامية ومعها باقي أطراف الممانعة لن تقع في فخ صرف عوائد رفع العقوبات على المحاربة المزمنة والستاتيكية للإرهاب في المنطقة… وهذا ما يردده نتنياهو أيضاً، وبشكل دائم، من أن “إيران النووية ستصبح أكثر عدوانية بعد توقيع الإتفاق معها”، وذلك على عكس ما يرتئيه ويعتقده أوباما…
إنها بوصلة الصراع التي يخشى نتناياهو أن تعود مجدداً بالأمتين العربية والإسلامية إلى فلسطين، وهذه القضية – ومنذ ما يقرب من السنوات الخمس – يجهد الصهاينة في حرفها عنها… إنه المربع الأول لبني غانتس وموشيه يعلون، واللذين تحدثا باستمرار بأن “الحرب الجارية في المنطقة، لا يجب أن تغادر هذا المربع “.
أفترض أن ساعة الحساب المُمانِعة  مع الإرهاب ومشغليه قد دقت ، أو هي تكاد.. ولكن في فيينا هذه المرّة .
باحث وكاتب سياسي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*