عندما وعد بن نايف من تجرّأ أمامه على آل سعود: لن أنساك!

 

“إذا لم تقم الحكومة بدورها فاسمح لي سمو الأمير، هي شريكة في هذا الجرم”، بهذه الجرأة والصراحة قابل محمد آل عبيد (شقيق أحد شهداء تفجير القديح- شرق السعودية) ولي العهد السعودي ووزير الداخلية محمد بن نايف، لدى زيارة قام بها الأخير إلى محافظة القطيف لتعزية أهالي الشهداء بعد التفجير الإرهابي. سبعة أشهر فصلت بين الحادثة الشهيرة وبين اعتقال بطلها. من هو “محمد آل عبيد”؟ وماذا جرى خلف الكواليس بينه وبين بن نايف؟ ولماذا جرى اعتقاله؟

يُعرف آل عبيد بلقب “أبو مجاهد”. هو من مواليد 12/10/1978، ترعرع وسط عائلة دينية محافظة في بلدة القديح غرب القطيف، وهو متزوج وله ولد واحد. يقول من عرفه إنّه يمتاز بهدوء وطمأنينة وسعة في الأفق، ويصفه هؤلاء بأنه صاحب كاريزما وصاحب شخصية قيادية ومسؤولة. له مكانة في بلدته بشكل خاص وفي عموم القطيف.

تخرج “محمد آل عبيد” من مدرسة القديح الثانوية بمعدل امتياز. شغفه باللغة العربية قاده إلى كلية الآداب بجامعة الملك سعود بالرياض. نال درجة البكالوريوس في اللغة العربية ليغدو مدرّسًا للغة التي عشقها وأحبّها في مجمع “ابن القيم” بسيهات منذ العام 1422 هجري وحتى هذا الوقت.

في لقاء مع صحيفة “خبير” السعودية، يتحدث أحد المقرّبين من محمد آل عبيد عن تفانيه في عمله، لم يكن قد مضى على تعيينه سوى شهر واحد حتى “قررت اﻻدارة تكليفه بمهام مشرف النشاط بالإضافة لعمله كمدرس… وعُرف عنه كذلك بعلاقاته الحميمة مع طلابه السابقين والحاليين.”

وبعيداً عن عمله، كان “آل عبيد” من “الرعيل الأول والمؤسس لأنشطة دينية واجتماعية عديدة. فشارك في تأسيس موكب أهل البيت (ع) في ظروف أمنية معقدة في بداية التسعينيات، وكان أيضًا من مؤسسي ديوانية أهل البيت الثقافية، التي شكلت أرضية خصبة لدخول كثير من الشباب في العمل الثقافي”.

وفي عامي ١٩٩٨-١٩٩٩، شارك بتأسيس أول مسابقة للإنشاد الإسلامي في المنطقة. كانت فكرة غير مسبوقة احتضنتها بلدة القديح في البداية، وتحولت فيما بعد إلى أضخم مهرجان للإنشاد (مهرجان ترانيم) والأفلام على مستوى الخليج، كما أنه من مؤسسي تمثيلية “العاشر” في القديح، والتي تعتبر أضخم تمثيلية تجسد واقعة كربلاء على مستوى الخليج.

يروي المصدر المقرب لـ “خبير” مجريات اللقاء الشهير الذي جرى بين أبو مجاهد وبن نايف. وكيف أن أبا مجاهد كان يشعر بأن اعتقاله بات قريباً.

محمد بن نايف

محمد بن نايف

تعيدنا مجريات مقابلة “العبيد” ببن نايف إلى التفجير الإرهابي الذي طال مسجد الإمام علي (ع) في القديح في 22 مايو/أيار 2015، والذي ذهب ضحيته عشرات الشهداء والجرحى، بينهم شقيقه. يومها سادت حالة من الغضب مناطق القطيف، ووُجهت سهام الاتهام مباشرة لوسائل الإعلام والمناهج الرسمية التي تحرض على التكفير والقتل. كان مشهد التشييع المهيب استثنائيًا على مستوى الخليج، جُرّدت فيه الدولة من جميع الصلاحيات، وتولى فيه شباب المنطقة زمام المبادرة من التنظيم والتغطية الإعلامية وغيرها من التجهيزات الكاملة، كما أن الحشد كان غير مسبوق لناحية العدد والتنظيم العالي ومن ناحية الجرأة في طرح شعارات صريحة ومناوئة للسلطات.

أفقد مشهد التفجير الدامي “الدولة” جزءًا كبيرًا من هيبتها، وخصوصًا وزارة الداخلية التي تحمل لواء محاربة الإرهاب، وحفظ أمن المواطنين. تحطّمت مقولات الداخلية، بأنها مصدر “الأمن والأمان” الذي لا بد أن يذكر المواطنون أنفسهم به ليل النهار، بالحمد والثناء عليها!

كانت زيارة محمد بن نايف، لتقديم واجب العزاء أمرًا غير متوقع. احتقان الأهالي ضد الدولة وتحميلها المسؤولية، كان الأمير السعودي على علم به. لذلك قرر عدم الدخول إلى داخل بلدة القديح، واكتفى بأن يقدم العزاء على حدود القطيف، في قاعة الملك عبد الله (قاعة القديح الوطنية) في منطقة “بر الجش”، ودعا أهالي الشهداء لأن يذهبوا له في القاعة لكي يعزيهم بشهدائهم.

هنا بدأت القصة… عندما جاءت مجموعة من الوجهاء وأعضاء التشريفات في إمارة الشرقية، لدعوة أهالي الشهداء لمقابلة الأمير السعودي في قاعة الملك. جاء أحدهم إلى “أبي مجاهد” ليبلغه دعوة الأمير، “فكان قراره الرفض، قال “أبو مجاهد”: لن اذهب للسلام عليه، إلا إذا سمح لي أن أقول ما لديّ بكل صراحة”، وفق ما ينقل المصدر لـ “خبير”.

لم يُعطَ “أبو مجاهد” ردًا بالذهاب من عدمه، “يومها فكر بشكل جدي في الذهاب والنطق بكلمة الحق بكل صراحة. قبل الدعوة وذهب مع وفد من أهالي الشهداء، بعد أن رفض عدد من الأهالي مقابلة بن نايف نهائيًا”.

دخل وفد أهالي الشهداء إلى قاعدة الملك عبد الله. كانت تعجّ بعناصر الاستخبارات ورجال الأمن. مرّ الأهالي بمحطات بتفتيش عدة. وكان ينتاب الوجهاء خوف من أن يقدم أيّ من الأهالي على قول كلمة تحرجهم أمام ولي العهد السعودي، فكانوا يوصون الأهالي بأن يقتصروا “على تقديم السلام فقط، وعدم التحدث بأي شيء أمامه”.

“الأجواء الأمنية والترهيب داخل القاعة، جعلا الجميع ينصاع لتعليمات الوجهاء، اكتفوا بالسلام على الأمير وكفى”. وحده “محمد آل عبيد” امتلك الجرأة على البوح بما يضمره أهالي الشهداء يومها. وصل الدور لـ”أبي مجاهد” ليصافح بن نايف، تحوّلت المصافحة إلى كلمة، وكانت هذه الكلمة أبرز ما جرى في اللقاء… وسط ذهول الوجهاء!

أمام عدسات التلفزة، قال “العبيد”: “اسمح لي يا سمو الأمير.. “، تغيرت ملامح الوجهاء وملامح وجه أمير الشرقية سعود بن نايف، رد أحدهم: سلام فقط، فقال محمد بن نايف: “دعونا نسمع!”.

أجزاء من الحوار لم تعرض على شاشات التلفزة… ينقل المصدر: قال “أبو مجاهد”: كيف لا تكون الدولة شريكة في الجريمة وهي ترعى قنوات فضائية كوصال وصفا وغيرها والمنابر في كل جمعة تحمل على الشيعة؟” فكان رد بن نايف: “نحن لا نسمح لأحد أن يتعدى على المواطنين الشيعة”، كان الجميع مذهولين من الجرأة والصراحة عند “أبي مجاهد”، قبل أن يختم “بن نايف” الحوار بالقول: “نحن مع المواطنين والمواطنون لا بد أن يكونوا مع الدولة”.

جلس “أبو مجاهد” على الكرسي المخصّص  له بين عوائل الشهداء، والأعين كلها ترقبه.

يروي المصدر: “كان يتوقع أن يعتقل في لحظتها أو أن يتعرض للأذى من قبل رجال الأمن في القاعة، لكن على العكس تمامًا. والمفاجأة أنه عندما همّ “بن نايف” بالمغادرة لم يسلم على أحد أبدًا، قصد أبا مجاهد وحده وقال له: لن أنساك !”

بعدها، توالت شائعات عدة عن اعتقال “أبي مجاهد”، وعمدت السلطة لاعتقال شباب مقربين منه، كان لهم دور في تنظيم تشييع الشهداء، وبعضهم لديه نشاطات دينية واجتماعية.

أول استدعاء رسمي كان في شهر محرم الماضي. استدعي الرجل إلى مقر الشرطة الشمالية على خلفية فعالية “كربلاء الصغرى” العاشورائية التي تقام سنوياً في بلدة القديح، وتم توقيفه 4 أيام.

يكشف المصدر لـ “خيبر” أن “العبيد” قبل اعتقاله بأسبوع، كان ينوي زيارة البحرين ليكتشف بالصدفة أنه ممنوع من السفر”. بعدها بات “العبيد” يشعر أن موعد الاعتقال قد حان بالفعل، وأنه أصبح على قائمة المعتقلين، وفق المقربين.

أسابيع مرت على اعتقال “العبيد”. لم تُقدم السلطات أيّة رواية رسمية توضح فيها أسباب إقدامها على هذه الخطوة. بضع تغريدات على “تويتر” تروّج أن الناشط العبيد جرى اعتقاله بعد ضبط مواد شديدة التفجير في منزله… إلا أن رواية المقربين تنفي ذلك تمامًا، فالعبيد اعتقل من مقر عمله، دون أن يتم تفتيش منزله… وأمام هذه المعطيات لا يحضر أي تبرير عدا وعد الأمير: “لن أنساك”!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*