قراءة في إعلان جنيف… لماذا حظوظ النجاح منخفضة؟

lavrof-kerry.jpg

قناة الميادين:

ما توّصل إليه وزيرا خارجية روسيا وأميركا فجر الأحد الماضي ، ليس اتفاقاً، هو أقرب للتوصيف الأميركي “خطة عمل” أو بحد أقصى تسوية مرحلية بلا ضمانات لتطبيق بنودها على أرض الواقع، وقابلة للخرق أو الفشل في أي وقت وعند أي خرق ميداني، لذلك ومنعاً للغرق في التسميات والتوصيفات يبدو “اعلان جنيف” هو الأقرب لما أعلنه جون كيري وسيرغي لافروف، حظوظ الفشل إذاً مرتفعة جداً وهي أعلى بكثير من حظوظ النجاح، لماذا؟

خلال اللقاءات الأربعة بين سيرغي لافروف وجون كيري
(الأول في موسكو، الثاني في جنيف، الثالث في الصين والأخير في جنيف)، لم تقارب
النقاشات خطة حلّ شاملة بما فيها تفاصيل العملية السياسية ومخرجات الحوار السوري
وحسم مصير الرئيس السوري بشار الأسد في نهاية العملية السياسية، والقول ان هذا
الامر بيد السوريين وهم من يقرر “أي حكم يريدون” لا يتطابق مع الواقع،
لأن خيوط اللعبة من ألفها الى يائها باتت بيد الراعيين موسكو وواشنطن، مع الفارق
الوحيد ربما أن موسكو تناقش وتستشير الحكومة السورية قبل مناقشة الاميركيين،
والطرف الآخر يُبلغ برسائل عبر مايكل راتني، المبعوث الأميركي لسوريا، وهذا الكلام
أكدته الهيئة العليا للمعارضة عندما أعلنت في اليوم التالي لإعلان جنيف “أنها
لم تتلق بعد نص الاتفاق” ولاحقا تبلغت الهيئة كما المجموعات المسلحة بالأمر
عبر راتني.
النقاشات إذاً انحصرت بالملف الأمني، وهذا يعني أن ما
يجري في الميدان هو الذي يحدد مدى نجاح أو فشل التسوية، وهنا نجد في ما أعلن في
المؤتمر الصحافي للافروف وكيري أو في الرسالة التي بعث بها راتني إلى المعارضة،
الكثير من النوافذ غير المغلقة تماماً أمام من يريد خرق وقف الأعمال العدائية
والعودة بالأمور إلى نقطة ما قبل إعلان جنيف.

خلافات جنيف والحلول

في الساعات الـ12 لجلسات جنيف بين لافروف وكيري وفريقي
العمل المؤلفين من نحو 50 خبيراً من الطرفين، تركزت النقاش على 3 نقاط بتفاصيلها
المعقدة:-الطوق حول شرق مدينة حلب، الأميركيون ضغطوا باتجاه فكّ كامل للطوق “من أجل إعادة الحياة بشكل طبيعي اليها بدءا بادخال
المساعات” دون المرور على حواجز الجيش السوري، الروس رفضوا الطلب الأميركي
واعتبروا ان رفع الحصار يأتي من ضمن حل شامل وأن التجربة الماضية، (وقف الاعمال
العدائية في 27 شباط فبراير الماضي) لا تشجّع “لأن المجموعات المسلحة أدخلت أطناناً من الأسلحة ومنها المتقدّم والمتطوّر إلى حلب بالإضافة إلى آلاف المسلحين
الذي ينتمون إلى جبهة النصرة”.-الفصل بين المجموعات المسلحة عن جبهة النصرة، حافظ
الأميركيون على اصرارهم بأن الفصل صعب للغاية “لأن المواقع متداخلة، وانهم
مستعدون لضرب مواقع الإرهابيين التي تتداخل فيها مع “المعتدلين”، الموقف
الروسي أصر على ان هذه الاستنتاجات غير واقعية، وأن موسكو مقتنعة بأن
“الولايات المتحدة اذا ما ارادت فصل المجموعات التي تدعمها عن النصرة قادرة
على ذلك”، وذهب الروس ابعد من ذلك، اذ ابلغوا الاميركيين ان واشنطن لا تريد
ضرب النصرة “لأن هذا التنظيم هو التنظيم الأقوى على الأرض والمجموعات الأخرى
باتت تقاتل في حلب تحديدا تحت اجنحته، وهو وحده القادر على مواجهة قوات
الأسد”.-الطلعات الجوية، يعتبر الأميركيون إن سلاح الجو الروسي
والسوري هو من عدّل موازين القوى لصالح النظام وحلفائه في الميدان، وأنه لولا
الغارات التي يشنّها هذا السلاح لما تمكّن من إحراز انتصارات كبيرة كان آخرها إعادة
الطوق على شرق حلب بعد السيطرة على الراموسة، لذلك كان مطلب وقف الطلعات الجوية
شرطاً أصرّ عليه الأميركيون حتى اللحظة الأخيرة، من جديد كان الموقف الروسي أن هذا
الأمر مرتبط بالتوصل إلى الاتفاق الشامل، وأن الطلعات الجوية يجب أن تستمر حتى مع
دخول وقف الاعمال العدائية حيّز التطبيق وأن للطيران أهداف أخرى غير الغارات وانه
أساسي في أعمال المراقبة “منعاً لإدخال السلاح إلى المسلحين”.

التسويات

في البند الأول، نجح الروس بالمحافظة على بقاء الطوق
الذي تفرضه القوات السورية وحلفائها حول شرق المدينة، وعلى المواقع الحالية
للطرفين دون أي تغيير، بالمقابل، وافقوا على المطلب الأميركي، بإبعاد القوات
السورية من جنبي طريق الكاستيلو، تبعاً لما جاء في الخطة الأميركية التي سلمها
راتني للمجموعات المسلحة في رسالة 3 أيلول/ سبتمبر، وعبر هذا الطريق ستدخل
المساعدات الإنسانية الى شطري المدينة  انطلاقاً من الحدود التركية، وستقوم
الأمم المتحدة بدور مراقبة ومرافقة قوافل المساعدات منعا لاستغلالها من أجل ادخال
الأسلحة والمسلحين من تركيا، وينص الاقتراح الاممي الذي قدّمه فريق المبعوث الخاص
ستافان دي مستورا قبل أسبوعين من اعلان جنيف، على أن يقوم مرافقو الأمم المتحدة في
تركيا بمراقبة تحميل المساعدات في القوافل وختم الشاحنات بأختام الأمم المتحدة وان
يرافق المراقبون فرق الإغاثة على طول المسار من خلف الحدود التركية الى داخل حلب
بشطريها الشرقي والغربي.
وتنص الخطة الأميركية أن ينسحب الجيش السوري من 500 متر إلى 3500 متر من الجنب الشمالي للكاستلو و500 متر من جنوبه، على أن يبقى جنود
سوريون على بعض الحوجز بأسلحتهم الفريدة، ولم يعلم ما إذا كانت هذه التفاصيل قد
تغيّر في الوثائق السرية التي لم يعلن عنها الطرفان في جنيف.
في النقطة الثانية، أي الفصل بين المجموعات وجبهة
النصرة، جاءت التسوية ضبابية وبشروط أميركية تسبق فكّ الارتباط كما تسبق التنسيق
بين سلاحي الجو الأميركي والروسي لضرب مواقع الجبهة الإرهابية، يريد الأميركيون ان
يثبت وقف اطلاق قبل تشكيل غرفة العلمليات المشتركة التي ستقوم أولا بمهام تحديد
المواقع التابعة للنصرة ثم ضربها في المرحلة الثانية، والتسوية تقضي بضرب مواقع
جبهة النصرة “الخالصة” أي المواقع الحصرية التي لا تشاركها فيها
المجموعات “المعتدلة”، وهي عملياً مواقع شبه معدومة في الميدان الحلبي
تحديداً حيث الجبهات مختلطة إلى حدّ الذوبان، ولم يذكر إعلان جنيف أي خطة عمل للفصل
بين المجموعات سوى ما قاله جون كيري في المؤتمر الصحافي إن على المجموعات المعتدلة
الابتعاد “قدر الإمكان” عن جبهة النصرة، وما جاء في رسالة راتني
للمجموعات صباح التوّصل إلى إعلان جنيف وفيه: “أن التعاون مع جبهة النصرة،
أو جبهة فتح الشام كما تسمى الآن، هو أمر ندعو بشدة إلى تجنبه ويمكن أن تكون له
عواقب وخيمة”.
وفي النقطة الثالثة حول حركة سلاح الطيران السوري، جاءت
التسوية في منتصف الطريق، لن يمنع على الطائرات الحربية السورية التحليق فوق
السماء السورية، كما كان يطالب الأميركيون، إلاّ أنها لن تكون حرة الحركة، إذ أنها
ستمنع من التحليق فوق المناطق التي ستحددها القوتان الروسية والأميركية كنطاق
عمليات حربية لمواجهة داعش والنصرة، وستحلق الطائرات السورية فوق المناطق الباقية
بما يسمح لها مراقبة عدم ادخال السلاح عبر الحدود التركية.

حظوظ الفشل وحظوظ النجاح؟

يرتبط مدى نجاح إعلان جنيف بعدة خطوات ميدانية:-  أولاً وقبل أي شيىء آخر، بنيّة الولايات المتحدة التعاون مع روسيا للدخول معاً في حرب جدية ضد التنظيمين الإرهابيين، وضد “النصرة” بشكل رئيس، حتى الآن يعتبر الأميركيون أن النصرة هي القوة الوحيد القادرة على محاربة الجيش السوري، وبالتالي التخلي عنها قبل التوصل الى تسوية شاملة ومعرفة مكاسب هذه الأزمة بالنسبة لها سيكون خطأً فادحاً، عدا عن أن هذه الإدارة تعيش آخر ايامها في السلطة الأميركية، وباتت بحكم العاجز عن اتخاذ قرارات بهذا الحجم.- هل ستضغط الإدارة الأميركية الحالية على المجموعات المسلحة في الميدان لفكّ اربتاطها بالنصرة؟ وهل ستتمكن من اقناع الدول الممولة والمرجعيات لوقف التمويل والتسليح للنصرة؟ أو على تركيا لوقف امدادات الأسلحة والمقاتلين عبر الحدود؟- ماذا في حال الخروقات؟ يتحدّث إعلان جنيف عن معاقبة من يخرق وقف الأعمال العدائية، وترتكز هذه المعاقبة على الاتفاق السابق الذي توّصل إليه الطرفان في 22 شباط / فبراير الماضي ودخل حيّز التطبيق في 27 من الشهر ذاته، وكانت هذه التجربة فاشلة الى أبعد حدود، خلالها أدخلت “النصرة” إلى حلب في أيام قليلة وقبل سقوط الهدنة بأيام قليلة 9500 مقاتل وعشرات الأطنان من الأسلحة ومنها المتطور جداً، وقد عرض الروس خلال اجتماعات جنيف للمجموعة الدولية لمراقبة وقف الاعمال العدائية العديد من الدلائل من صور أقمار صناعية ومكالمات بين الفصائل تؤكد ادخال السلاح والمقاتلين، بالاضافى الى الكم الهائل من الخروقات التي لم تنل أي عقاب.عبارات صغيرة وردت في رسالة راتني الأخيرة إلى المجموعات والهيئة العليا للمعارضة تظهر أن النوافذ والأبواب لا تزال مشرعة لسقوط اتفاق وقف النار عند أول تجربة، تقول رسالة راتني تحت البند الأول: يجب أن تصمد الهدنة لسبعة أيام متتالية قبل أن تبدأ الولايات المتحدة وروسيا بأي تنسيق ضد تنظيم القاعدة في سوريا أو تنظيم داعش، ويرجى ملاحظة أن الهدنة لا تزال تتضمن حق الدفاع عن النفس.والأسوا ما جاء تحت البند الخامس الموجه إلى الفصائل المسلحة: “… كما ينبغي عليكم أن تستمروا بالدفاع عن أنفسكم ضد الخروقات التي يرتكبها النظام وحلفاؤه”. 

Source link

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*