قصة #داعش من الداخل..

95f5cb3a-8d03-461d-a7a5-37256e249cea

مجلة “فورين بوليسي” تروي في سلسلة من ثلاث مقالات قصة داعش من الداخل نقلاً عن أحد العناصر الناشطين في التنظيم. يروي أبو أحمد مشاهداته من الجلسة التي أبصر فيها داعش النور إلى كيفية امتلاكه مخزوناً من الأسلحة الكيميائية وصولاً إلى اندلاع الحرب بينه وبين الجماعات المسلحة الأخرى وفي مقدمها “جبهة النصرة”.
“منذ نشوئه، كل ما عرفناه عن تنظيم الدولة الإسلامية كان مصدره أعداؤه. لطالما قصت حكايته على لسان هؤلاء الذين يقاتلون التنظيم في العراق وسوريا، أو مدنيين مرعوبين هربوا من بطشه، أو منشقين عنه” بهذه العبارة تمهد مجلة “فورين بوليسي” الأميركية لما تقول عنه إنه رواية مختلفة لما سبق كون الراوي هذه المرة ما هو إلا أحد الناشطين السوريين التابعين للتنظيم. يدعى أبو أحمد وهو أحد الذين شهدوا ولادة التنظيم وتوسعه وأمضى أشهراً وسط أعتى مقاتليه الأجانب.
في سلسلة من ثلاث مقالات يقدم أبو أحمد رؤية فريدة لمكيدة أبو بكر البغدادي التي أوقع فيها عدداً من قيادات جبهة النصرة تمهيداً لتوسعه، وجهود القاعدة للحد من تصاعد التنظيم، فضلاً عن مخزون الأسلحة في ترسانة “دولة الخلافة” المزعومة. بيد أن المجلة الأميركية وتوخياً للحقيقة التي بحسب قولها غالباً ما تكون “الضحية الأولى للحرب” أخضعت أبو أحمد للاختبار، حيث قال إنه يعرف الكثير من المقاتلين الألمان والبلجيكيين ممن انضموا إلى داعش، فما كان منها إلا أن عرضت عليه 50 صورة لجهاديين من بلدان مختلفة غادروها إلى سوريا. وخلال أحد اللقاءات الخمسة عشرة معه، أظهر أبو أحمد معرفة عميقة بالجهاديين الأوروبيين الذين يقاتلون لصالح داعش. ودون استخدام الانترنت أو أي مساعدة خارجية تعرف الرجل إلى أسماء ثلاثين مقاتلاً. حتى إنه في كثير من الحالات كان يروي حكايات عن المقاتل صاحب الصورة. فما الذي رواه أبو أحمد عن قصة الاجتماع الشهير في كفر حمرة الذي أعلن خلاله عن نشوء التنظيم؟ وكيف سيطر التنظيم على مخزون من الأسلحة الكيميائية واستخدمها أكثر من مرة؟ وأي دور لعبته القاعدة من خلال جماعة خراسات لمواجهة تمدد داعش واستعادة بعض أتباع داعش إلى كنفها؟ وكيف تطورت الأمور إلى حرب أهلية بين الجماعات المسلحة والإرهابية؟

في الجزء الأول من السلسلة تتناول “فورين بوليسي” الجلسة التي شهدت ولادة داعش ومبايعة عدد من قادة جبهة النصرة أبو بكر البغدادي في كفر حمرة شمال سوريا حيث مقر ما يعرف بمجلس شورى المجاهدين. على مدار خمسة أيام في ذلك المكان، تحدّث البغدادي على نطاق واسع ومكثّف مع مجموعة من القادة “الجهاديين” المُهمّين في سوريا. كان هؤلاء من أكثر الرجال المطلوبين في العالم، كلهم تجمّعوا في غرفة واحدة. وفق ما نقلت المجلة عن أبو أحمد فإن المشاركين في الاجتماع تعرضوا لخديعة من قبل البغدادي الذي أوهمهم أنه يتصرف بناء على أوامر زعيم القاعدة أيمن الظواهري الذي لم يكن بالإمكان الوصول إليه. ماذا في الجزأين الثاني والثالث؟ وما الذي شاهده أبو أحمد محملاً في موكب داعش المتجه إلى الرقة؟

هكذا بات داعش يمتلك مخزوناً من الأسلحة الكيميائية

أخبرنا أبو أحمد أنّ داعش يملك بعضاً من أكثر الأسلحة خطورة في العالم، وزعم أنّها غنائم حرب حصلوا عليها من قوّات الرئيس بشّار الأسد قبل أشهر من إنشاء التنظيم.
قبل ما يقارب أربعة أشهر من الانقسام بين “جبهة النصرة” و”داعش”، تسلّق عشرات الجهاديين تلة في شهر كانون الأوّل/ديسمبر 2012، متّجهين نحو الفوج 111، وهو قاعدة عسكريّة كبيرة قريبة من بلدة دارة عزّة شمالي سوريا، كان قد سيطر عليها تحالف من المجموعات المعارضة قبل ذلك بخمسة أشهر تقريباً. وبالرغم من أنّهم حاصروا الفوج 111 الذي كان تحت سيطرة جنود موالين للرئيس الأسد، لم يكونوا قد نجحوا بعد في احتلاله. نظراً لسوء الأحوال الجويّة في فصل الشتاء، بات من الصعب على القوّات الجويّة السوريّة صدّ تقدّم القوى المعارضة بالقصف الجوّي. وما زاد الطين بلّة هو مساحة القاعدة الكبيرة جداً البالغة 2 كلم2 تقريباً، فكان من الصعب حمايتها من كلّ الجهات.

استطاع الجنود السوريون في الفوج 111 حماية القاعدة ضدّ أوّل هجوم شنّته القوى المعارضة في بدايات شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2012، وأسفرت العمليّة عن موت 18 من مقاتلي النصرة. غير أنّ رياح كانون الأوّل/ديسمبر نفثت المزيد من العزيمة في نفوس القوى المعارضة الذين اعتبروا القاعدة العسكريّة كنزاً لما فيها من أسلحة ومدفعيّات وذخائر ومركبات. وفي قلب خنادق الفوج 111، يكمن ما هو أغلى وأثمن، وهو مخبأ أسلحة كيميائيّة.

قادت “جبهة النصرة” الهجوم، ودعمتها بشكل أساسي كتائب “مهاجري الشام”، وهي وحدة تنظيميّة ضمن “لواء الإسلام”، كذلك دعمها “مجلس شورى المجاهدين” وكتيبة “البتار”، التي تضم عدداً كبيراً من الجهاديين الليبيين. وعلم المقاتلون أنّ في القاعدة ذخيرة وأسلحة، لكنّهم لم يعلموا أنّ فيها أسلحة كيميائيّة قبل دخولها.

وبينما تسلّقت القوى المعارضة التلال القريبة من الفوج 111، اندلع قتال عنيف. أشار أبو أحمد إلى أنّهم شعروا بحماس كبير يومها، وبرغبة شديدة بالانتقام لإخوانهم الثمانية عشر من “جبهة النصرة الذين استشهدوا خلال الهجوم الأوّل”. وأخبرنا أنّ المقاتلين كانوا ينادون:”سنسقطها هذه المرّة!”.

وبعد يوم من القتال، أسفر تضافر جهود الجماعات الجهاديّة عن اختراق صفوف قوّات الجيش النظامي. وبعد ذلك بقليل، بات الفوج 111 كلّه تحت سيطرة الجهاديين، ووجدوا في القاعدة كميّات كبيرة من الأسلحة والذخيرة وتفاجأوا حين وجدوا أسلحة كيميائيّة فيها، أخبرنا أبو أحمد، أنّها في الأغلب براميل مليئة بالكلور والسارين وغاز الخردل.

تلا ذلك تقاسم الغنائم، فأخذ الجميع بعض الأسلحة والذخيرة، لكن “جبهة النصرة” استأثرت بالأسلحة الكيميائيّة. ورأى أبو أحمد المجموعة التابعة للقاعدة تطلب 10 شاحنات كبيرة، حمّلت خمسة عشر برميلاً من الكلور والسارين، ونقلتها إلى وجهة غير معروفة، غير أنّه لا يعلم ماذا حلّ بغاز الخردل.

بعد ثلاثة أشهر، تحدث كلّ من الحكومة السوريّة والقوى المعارضة عن هجوم في خان العسل، قرب حلب. وبحسب وسائل الإعلام العالمية، أودى الهجوم بحياة 26 شخصاً، منهم 16 من جنود النظام و10 مدنيين. وزعم الطرفان أنّ أسلحة كيميائيّة استُخدمت في ذلك الهجوم، واتّهم كلٌ الآخر بتنفيذ واحدة من أولى الهجمات الكيميائيّة في الحرب السوريّة.

التزم أبو أحمد الصمت في العلن، لكن في المجالس الخاصة ناقش هو ورفاقه الجهاديون السوريّون المسألة. وبالرغم من عدم وجود أي دليل لديهم، تساءلوا ما إذا كانت الأسلحة المستخدمة في خان العسل كانت تلك التي تمّت السيطرة عليها في الفوج 111. وكان يعلم أنّه لا يمكن أن يطلب أي توضيح من “أبو الأثير”. ففي حينها، كان قد تعلّم قاعدة ذهبيّة من قواعد حركة الجهاد السريّة، وهي “ألّا يتحدّث المرء في شؤون لا تعنيه. فيشير أبو أحمد: “السؤال ممنوع في أوساطنا”.

وكانت تلك نهاية الأمر للأشهر الثمانية التالية. ففي نيسان/أبريل 2013، انشغل “أبو أحمد” وزملاؤه بتوسّع أبو بكر البغدادي إلى سوريا والتوتّر المتزايد بين التنظيم المولود حديثاً “داعش” و”جبهة النصرة”. واتسمت تلك الفترة بالاضطراب في عالم الجهاديين في سوريا، فشهدت انقسام فصائل عدة عن جبهة النصرة للانضمام إلى داعش. بينما عملت المجموعة التابعة للقاعدة بشكل حثيث على الحفاظ على ولاء فصائلها لها. وعندها كانت الأراضي والقواعد العسكريّة والأسلحة متوفرة أكثر من أيّ وقت مضى.

لكن في منتصف آب/أغسطس، وصلت أبو أحمد معلوماتٌ جعلته يشتبه في أنّ الأسلحة الكيميائيّة التي حصلت عليها “جبهة النصرة” من الفوج 111 باتت الآن مع تنظيم داعش المنشق عنها، وأنّه يستخدم هذه الأسلحة خلال قتال أعدائه.

ومن دون سابق إنذار، أخبر “أبو الأثير” قادته أنّ داعش قد استخدمت الأسلحة الكيميائيّة في هجومين ضدّ جيش النظام. وأتى إعلان “أبو الأثير” الذي بايعه أبو أحمد والذي كان بدوره قد بايع البغدادي مباشرة، في سياق حديث اعتيادي مع رجاله في مركزهم. وتحدّث قيادي داعش عن الأمر بسعادة وفخر. قائلاً “أرسل الإخوة سيّارة مفخّخة بالأسلحة الكيميائيّة إلى حاجز تفتيش [لجيش النظام] قرب الحمراء في محافظة حماه”. وتبعد الحمراء حوالى 32 كيلومتراً عن مدينة حماة التي لا تزال تحت سيطرة القوى الموالية للنظام.

كذلك تحدّث أبو الأثير عن هجوم آخر استخدمت داعش فيه الأسلحة الكيميائيّة قائلًا “استخدمنا أيضاً سيّارة مفخّخة بالأسلحة الكيميائيّة لشن هجوم على القوى الموالية للنظام قرب قاعدة منغ الجويّة”. وتقع قاعدة منغ على بعد 32 كيلومتراً تقريباً إلى شمال مدينة حلب. وبعد حصار قاعدة منغ لسنة، سقطت في 5 آب/أغسطس في يد الجهاديين بقيادة داعش.

من جديد، تذكّر أبو أحمد ذلك اليوم البارد من شهر كانون الأوّل/ديسمبر عندما سقط الفوج 111 في يده ويد زملائه الجهاديين. وتساءل: أهذه الأسلحة الكيميائيّة هي نفسها التي وجدوها في القاعدة آنذاك؟

وسواء أكانت هي أم لم تكن، يبدو أنّ داعش لا يزال يحتفظ بها في ترسانته. وبعد أكثر من سنتين، في 6 تشرين الأوّل/أوكتوبر 2015، نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” مقالاً يصف كيف يستخدم داعش أسلحة كيميائيّة ضدّ مقاتلين معتدلين في قرية ماريا الشماليّة. وبحسب الصحيفة، أطلق التنظيم قذائف تنفث خردل الكبريت، المعروف بغاز الخردل.

ونشر الجهادي الألماني التركي صالح يلماز، وهو جندي سابق في الجيش الألماني انضم إلى داعش، في 31 آب/أغسطس 2015 على مدوّنته التي لم تعد موجودة أنّ داعش بالفعل قد استخدم أسلحة كيميائيّة في قرية ماريا، وطرح عليه أحد القرّاء السؤال التالي: “لم اتهم داعش مؤخراً باستخدام أسلحة كيميائيّة في محافظة حلب؟”.

الطلاق الأكبر في العالم الجهادي

كان ذلك في أيار/ مايو 2013، آنذاك كانت الدولة الإسلامية في العراق والشام عازمة على تدعيم مكانتها كالقوة الجهادية الأكثر رعباً في العالم. ولكن قبل الإقدام على ذلك أو استخدامها المخزون الجديد من الأسلحة الكيميائية الذي حصلت عليه، كان يتعين عليها التعامل مع تحد جديد تمثل بكبار قيادات “القاعدة”.
لم تكن قيادة القاعدة المركزية في وارد القبول بادعاء البغدادي للسلطة لا سيما في ضوء كذبته الوقحة بأنه كان ينفذ تعليمات زعيم القاعدة أيمن الظواهري. بعد شهر من الاجتماع التاريخي بين زعيم داعش وقادة جهاديين آخرين في كفر حمرة، توجهت مجموعة صغيرة من الرجال، يرافقهم حراس مسلحون، سراً إلى سوريا بواسطة عدد من السيارات. تنقلت هذه المجموعة سراً وبشكل حذر خشية استهدافها من قبل الموالين للبغدادي أو النظام السوري.

هذه المجموعة كان تدعى “لجنة خراسان”. أما أفرادها فخرجوا من مخابئهم في أفغانستان وباكستان وقدموا إلى سوريا نيابة عن الظواهري الذي بقي في الخفاء. أحد أعضاء لجنة خراسان السوري أبو أسامة الشهابي، أبلغ معاونيه أن يتوخوا الحذر في تنقلاتهم. بحسب أبو أحمد قال الشهابي للآخرين إنه يملك معلومة تقول “إن البغدادي كان ينوي اغتيال أمير النصرة أبو ماريا القحطاني. لذلك علينا أن نكون حذرين”.

مهمة لجنة خراسان كانت تقضي بالتحقيق في توسع البغدادي في سوريا على أن يقدموا استنتاجاتهم للظواهري الذي كان سيقرر بعدها موقف القاعدة من الوضع في العراق وسوريا حيث خرج التنافس بين داعش وفرع القاعدة “جبهة النصرة” بشكل واضح عن نطاق السيطرة.

بيد أن خبر وجود لجنة خراسان لم يصبح علنياً قبل أيلول/ سبتمبر 2014، حين استهدف التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة أفرادها في أولى غاراته الجوية في سوريا. آنذاك كان قدامى محاربي القاعدة قد انتقلوا من التحقيق في مناورة البغدادي إلى التخطيط لهجمات في الخارج. مدير المخابرات الوطنية جايمس كلابر قال عن الجماعة “من حيث التهديد للوطن فإن خراسان قد تشكل خطراً أكبر من خطر الدولة الإسلامية”.

لكن بالعودة إلى صيف 2013، فإن اهتمام لجنة خراسان كان منصباً ليس فقط على الولايات المتحدة بل على خصمها الجهادي. لم يكن للمهمة أن تكون أكثر إلحاحاً مما كانت عليه: حيث في كل يوم كانت مجموعة جهادية معارضة تبدل ولاءها من القاعدة إلى داعش. في حال لم يتمكن الظواهري من استعادة ولاء بعض الجماعات له، أو على الأقل وأد هذا التمرد في مهده، فإن زعيم القاعدة يجازف بأن يصبح كضابط دون جنود.

زار ستة أفراد من لجنة خراسان مقر قيادة داعش في كفر حمرة، التي كانت في السابق مقراً لمجلس شورى المجاهدين. أبو أحمد التقى شخصياً أربعة منهم: أبو أسامة الشهابي، الكويتي محسن الفضلي المولود في الكويت (قتل في غارة أميركية في 8 تموز/ يوليو 2015، في مدينة سرمدا السورية)، سنفي النصر، سعودي يعرف بأبو ياسر الزهراوي (قتل في غارة لطائرة بدون طيار في مدينة الدنا شمال سوريا في 15 تشرين الأول/ اكتوبر 2015) وأبو عبد الملك، وهو سعودي الجنسية (قتل في الغارة نفسها في الدنا).

وقال أبو أحمد إن أفراد لجنة خراسان كانوا جميعهم ودودين ويملكون معرفة جيدة بالقرآن. جميع هؤلاء كانوا قد أمضوا سنوات مع بن لادن والظواهري في “خراسان” وهي التسمية الإسلامية التاريخية لمنطقة تمتد على أجزاء من إيران وأفغانستان وآسيا الوسطى.

لم يمض أبو أحمد الكثير من الوقت مع الفضلي. لقد تحادثا بشكل مختصر خلال اجتماع في سرمدا شمال سوريا، في حينها لم يكن يعلم أبو أحمد أن محدثه كان شخصية رفيعة في القاعدة. لكن بعد سنتين وتحديداً بعد الغارات التي قتلت الفضلي، رأى أبو أحمد صورة للرجل الذي التقاه على الانترنت. كانت الصورة جزءاً من تقرير لـ”رويترز” نقل عن متحدث باسم البنتاغون وصفه الفضلي بأنه واحد من بين عدد قليل من زعماء القاعدة الذين علموا مسبقاً بهجمات 11 أيلول 2001. حتى إن وزارة الخارجية أعلنت في 2012 عن جائزة بقيمة 7 ملايين دولار في مقابل أي معلومة تقود إلى الرجل.

كان أبو أحمد يعرف العنصرين السعوديين الآخرين في لجنة خراسان على نحو أفضل. إذ إنه سافر برفقتهما مرتين بالسيارة. وكان يعلم أن أبو عبد الملك استأجر منزلاً في مدينة الباب شمال سوريا. في غضون ذلك كان الجزراوي يقود المكتب السياسي للنصرة. وكان مقره في اللاذقية شمال غرب سوريا.

حينما سمع أبو أحمد الأخبار عن مقتل الاثنين بواسطة غارة أميركية شعر بالحزن. قال “لقد كانا يبدوان ويتصرفان كالناس العاديين. مع العلم أنهما كانا قائدين لكنهما لم يتصرفا بتكبر”.

من بين كل أفراد لجنة خراسان، كان أبو أحمد أكثر قرباً من الشهابي، الرجل الأربيعيني من مواليد الباب. كان الشهابي على تواصل مباشر مع الظواهري، زعيم تنظيم القاعدة. وقد استغرقه شهر ونصف للانتقال من أفغانستان إلى سوريا دون أن يلاحظه أحد. لقد سافر مع زوجته الحامل مما جعل الرحلة أكثر صعوبة. قال لأبو أحمد “لقد أمضيت عشرين عاماً من عمري في الجهاد. المشقة ليست شيئاً جديداً بالنسبة لي”.

كان هدف لجنة خراسان في الأساس سياسياً. وكانت المهمة التي أوكلت إليهم تقضي بإقناع القادة الجهاديين الذين سبق أن بايعوا البغدادي خلال اجتماع الأيام الخمسة في كفر حمرة بالعودة عن قرارهم.

أبلغوا الجميع أن ادعاء البغدادي كان مجرد “هراء”. الظواهري لم يرسل البغدادي من العراق إلى سوريا كما أنه لم يسمح بمبايعة القادة لداعش والبغدادي نفسه. لكن كان أمام لجنة خراسان مهمة صعبة. عمل الشهابي على إقناع أحد القيادات الهامة التي كانت انضمت إلى داعش مؤخراً باللقاء به في مدينة قريبة من الحدود التركية.

توجه الشهابي إليه بالقول “الأمر واضح جداً بأن البغدادي خلق داعش فقط لكونه شعر بأن النصرة باتت أكثر نفوذاً. لقد كان يدرك أن زعيم النصرة الجولاني بات بمثابة زعيم كبير”. فجاءه الرد “لقد اعتقدنا أن البغدادي كان يتصرف بأمر من الظواهري. ما تخبرني به للتو يشكل صدمة بالنسبة لي”.

اقترح الشهابي عليه أن يلغي مباشرة ولاءه لداعش. لكن القيادي لم يكن مستعداً لذلك، قائلاً “لقد بايعت البغدادي وأرجو أن تمنحني الوقت لكي أفكر وأناقش هذه المسألة مع الآخرين. لكن لا يمكنني أن أتراجع عن كل هذا فجأة”. أجابه الشهابي “في كل الأحوال، لقد سبق أن أرسلنا العديد من الرسائل حول التحقيق للظواهري وهو سيعلن دعمه للنصرة وليس داعش” وفق سرد أبو أحمد للحادثة.

بداية الحرب الأهلية

حتى أيار/ مايو 2013 كان التنافس بين داعش والنصرة أكثر أو أقل سلمية. وكان لا يزال بوسع المقاتلين من الجماعات المتنافسة السفر عبر المناطق التي يسيطر عليها كل منها، وزيارة مقرات القيادة لكل منها. كانت المنظمات الجهادية لا تزال تحاول حل الخلافات بالطرق السلمية، وكان أبو أحمد على معرفة بالكثير من قيادات جبهة النصرة الذين كانوا يقاتلون على مدى عام تحت الراية نفسها، وهو ما جعل لقاء ومحادثة أفراد لجنة خراسان أمراً متاحاً له. لكن فيما كان ميزان القوى يميل لصالح داعش كان انعدام الثقة يحل مكان الصداقة والزمالة بين داعمي التنظيمات المختلفة. كان عناصر النصرة يشعرون بالاشمئزاز مما اعتبروه خطوات من قبل داعش لتقسيم وإضعاف الحركة الجهادية في سوريا. أما عناصر داعش فقد اتهموا النصرة بأنها أصبحت معاصرة وأكثر نعومة. بل إن العديد من الأفراد داخل التنظيم لم يعودوا ينظرون إلى رفاقهم السابقين في النصرة على أنهم مسلمون بعد الآن.

فيما كانت المعركة تصبح أكثر صلابة، كانت لجنة خراسان تنهي تحقيقها الميداني عن خطط البغدادي. وبمجرد وصوله إلى الظواهري، أعلن الأخير في رسالته التي بثت في 23 أيار/ مايو 2013 تأييده للنصرة ضد داعش. وطالب النصرة بقيادة الجهاد في سوريا كما بدا واضحاً في دعوته البغدادي للعودة إلى العراق.

كان الحكم واضحاً لجهة أن البغدادي لم يكن رجل الظواهري يوماً وأن خططه التوسعية كانت ملكه وحده. بعض الجهاديين شعروا بأنهم خدعوا وبدلوا مسارهم. وفق أبو أحمد فإن ثلاثين بالمئة من عناصر النصرة ممن كانوا بايعوا داعش عادوا إلى الجبهة بعد إعلان البغدادي. بعض الفصائل أعلنت الحياد في هذا الصراع المتنامي. وكانت جماعات مثل “أحرار الشام” و”جند الأقصى” تأمل البقاء خارج الصراع على النفوذ هذا. تلك الجماعات كانت تقاتل من أجل الإطاحة بالأسد وليس لمخاصمة رفاق الجهاد.

من بين الجهاديين الألمان والبلجيكيين التسعين في مجلس شورى المجاهدين، رفاق أبو أحمد من المقاتلين، الذين انضموا إلى داعش، 35 مقاتلاً عادوا إلى كنف النصرة. والباقون ظلوا في صفوف داعش. كذلك تناهي إلى مسامع أبو أحمد أن القيادي الرفيع في داعش الذي حاول الشهابي قبل شهر إقناعه بالعدول عن مبايعته للتنظيم في الاجتماع قرب الحدود التركية، هو الآخر ترك داعش وانضم للنصرة.

أبو الأثير، أمير مجلس شورى المجاهدين الذي كان انضم لداعش، كان ملتزماً بشدة بالبقاء ضمن التنظيم. كان يمجد أبو بكر البغدادي. لكنه كان قلقاً من خسارة المزيد من المقاتلين الألمان والبلجيكيين لصالح النصرة. أمر أبو الأثير بعدم التحدث مع عناصر النصرة عبر الانترنت وبقطع أي تواصل معهم.

حتى إنه أرسل رسالة إلى مقاتلي النصرة من بلجيكا والدانمارك في مقر قيادتهم في اورم الصغرى في حلب. ومما جاء فيها “لا تتجرأوا على التواصل مع رجالي” مهدداً المقاتلين الألمان والبلجيكيين الذين كانوا يجلسون مع أبو سليمان الاسترالي وهو أحد منظري القاعدة الأستراليين.

الأثير هدد بمصادرة جواز سفر أي مقاتل أجنبي في داعش بما يجعله غير قادر على المغادرة. لكن اقتراحه قوبل بالغضب من قبل المقاتلين الأجانب الذين اتهموا أميرهم بعدم الثقة بهم. فما كان من الأثير إلا أن تراجع.

لكن الأصدقاء القدامى باتوا اليوم خصوماً. كل طرف حاول إقناع الطرف الآخر بوجهة نظره. لاحظ أبو أحمد تصعيداً مفاجئاً في نشاطات الشرطة السرية لداعش المعروفة باسم “الأمنيين”. وانتشرت شائعة في مناطق سيطرة داعش بأن أي شخص يريد أن يعدل عن البيعة ويغادر سيتم إطلاق النار عليه مباشرة.

أحد رفاق أبو أحمد في داعش أعرب عن عدم رضاه عن هذه الخصومة بين الجماعات الجهادية المختلفة. انتقد أبو الأثير والبغدادي على موقفهما المتصلب حتى إنه غير كلمات نشيد داعش الشهير من “أمراؤنا بعيدون عن الشبهة.. إلى أمرائنا بعيدين عن الجبهة”.

في تلك الليلة التي غنى فيها صديق أبو أحمد هذا النشيد وصلت قوة سرية من الشرطة واقتادته إلى السجن حيث ظل هناك لعدة أيام لكنه لم يخضع للتعذيب. بدلاً من ذلك كانت عقوبته تقضي بأن يعذب الآخرين.

انقلاب بغدادي الناجح في نيسان/ أبريل 2013 أوصل النصرة إلى الانهيار الوشيك. لكن النصرة اليوم بدأت تستعيد قوتها. بدأوا بإعادة تنظيم أنفسهم وعقدوا تحالفات مع الجماعات السلفية الجهادية مثل “أحرار الشام” وحتى مع بعض وحدات الجيش السوري الحر.

في الوقت الذي وصل فيه التوتر بين الفريقين إلى ذروته، بدأت النصرة و”أحرار الشام” والجيش السوري الحر بطرد داعش من إدلب وأجزاء من محافظة حلب. في دارة عزة حيث النصرة سرقت براميل من الكلورين والسارين من القاعدة العسكرية السورية، استعادت النصرة وحلفاؤها السيطرة على المنطقة. من دارة عزة انسحب داعش إلى الدنا بالقرب من الحدود التركية. لكنه ما لبث أن خسرها بعد معركة أخرى. من الدنا تراجع داعش إلى الاتارب. هناك أيضاً تكرر السيناريو نفسه، هزم داعش على يد النصرة.

في نهاية المطاف قرر داعش التخلي عن الشمال الغربي لسوريا. في 4 آذار/ مارس 2014 انسحب داعش من مدينة أعزاز الحدودية الاستراتيجية. وجمع كل قواته في منطقة قريبة من كفرجوم ليس بعيداً من مقر قيادة مجلس شورى المجاهدين سابقاً.

الانقسامات التي برزت خلال تلك الفترة لا تزال هي التي تسيطر على الميدان في شمال سوريا. بعد سنتين أسقطت الدولة الإسلامية “في العراق والشام” من اسمها لكنها والنصرة لا تزالان إلى حد كبير منفصلتين وتخوضان حروباً منفصلة.

الدولة الإسلامية تبسط سيطرتها على دولة الخلافة في الشمال والشرق السوري وهي قتلت وطردت كل المتمردين المعتدلين من اراضيها. فيما عززت النصرة نفوذها في شمال غرب سوريا لتصبح اللاعب الأكثر نفوذاً في محافظة إدلب. مناطق سيطرة الجماعتين بالكاد تحاذي بعضها البعض. الجبهة الأمامية الوحيدة التي يتواجهان فيها هي ريف حلب الشمالي. حلفاء الأمس يعيشون اليوم في عوالم مختلفة.

في 20 كانون الثاني/ يناير 2014 بات الانقسام بين أقوى قوتين جهاديتين في سوريا نهائياً. في كفرجوم قام داعش بتجهيز موكب من 200 سيارة. السيارات والشاحنات كانت محملة بالمقاتلين وأفراد عائلاتهم والأسلحة ورهائن أجانب. في الموكب لاحظ أبو أحمد ثلاثة من الحاويات الكيميائية الخمس عشر التي وضعت النصرة يدها عليها من الفوج 111. ثم انطلق موكب داعش الضخم من الفولاذ والاجساد باتجاه الشرق، نحو مدينة الرقة.

المصدر: الميادين نت

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*