كيسنجر يجهض غضب السوفيات

Moshe Dayan - Israeli Defense Minister

 

صحيفة السفير اللبنانية ـ

ربى الحسيني:

ربما ظن السوفيات والأميركيون أن التوصل إلى القرار 339 بوقف إطلاق النار من شأنه أن يوقف العمليات العسكرية، لتبدأ مباحثات التسوية، إلا أن ذلك فعلياً لم يحصل. ولكن العكس تماماً، فقد وصل الأمر إلى حد التخوف من أزمة نووية في المنطقة بين قطبي الحرب الباردة، شبيهة بما حصل في كوبا في بداية الستينيات، قبل أن تنتهي بـ«فوز» وزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر على السوفيات. وهذا ما تعكسه وثائق وزارة الخارجية الأميركية، والتي بدأت «السفير» بنشرها تباعاً.

في الـ24 من تشرين الأول، طلب الرئيس انور السادات من الأميركيين والسوفيات التدخل عبر قواتهم مباشرة لوضع حد للمعارك وتحديداً في الضفة الشرقية للقناة، ولكن الإدارة الأميركية وقفت بشدة ضد الطرح المصري. وفي إطار تقاريره اليومية إلى السفير الإسرائيلي في واشنطن سيمشا دينيتز، شرح كيسنجر تحركه في الأمم المتحدة، «أولاً، سنؤيد مراقبة وقف إطلاق النار؛ ثانياً، سنرفض بشدة وجود قوات أميركية أو سوفياتية ـ إلا إذا كنتم تؤيدون ذلك؛ ثالثاً سندعم تعزيز مجموعة المراقبين الأمميين عن طريق إضافة أشخاص من الدول الاسكندنافية أو غيرها؛ رابعاً، حول موضوع العودة إلى الخطوط الأساسية، فإننا ندعم المبدأ ولكن ليس لدينا فكرة عن كيفية تنفيذه، ولذلك فإنه سيتم إبلاغ (سفير واشنطن في الأمم المتحدة جون) سكالي بتأجيل طرحه وحتى التشويش عليه».

وبدأت معركة جديدة حين قرر السوفيات التصويت لصالح قرار بإرسال قوات سوفياتية وأميركية إلى منطقة الاشتباكات، في مواجهة «الفيتو» الأميركي.

حاول كيسنجر إقناع السوفيات بالعكس، ولكن الجواب كان يأتيه على لسان السفير الروسي أناتولي دوبرينين، أن السوفيات غاضبون جداً، صحيح أنهم في البداية كانوا ضد أي تدخل مباشر للقوات، إلا أن الوضع تغير، فلا يبدو أن الإسرائيليين يريدون التهدئة وبرضا أميركي. ويقول دوبرينين لكيسنجر في إحدى الوثائق «أنتم سمحتم لهم بأن يفعلوا ما يريدون».

لم يهدأ الزعيم السوفياتي ليونيد بريجنيف بل هدد بأنه في حال عدم موافقة الأميركيين على إرسال قوات مشتركة، فإنه سيرسل قواته، خصوصاً أن الإسرائيليين يحاصرون الجيش المصري الميداني الثالث. ولذلك، بدأ كيسنجر بالبحث عن الحلول، وأحدها أن يعرض على الإسرائيليين التراجع، خصوصاً أنه لا يرى مانعاً أمام السوفيات من محاربة الجيش الإسرائيلي مباشرة.

طلب كيسنجر من السوفيات عدم الضغط عليه، وعدم التحرك حتى يصلهم الرد من واشنطن. ويتبين لاحقاً من خلال الوثائق، أن هدف كيسنجر كان فعلياً المماطلة، وقد نجح في الوصول إلى مبتغاه.

وعلى كل حال، رد الأميركيون على التهديد السوفياتي بإعلان «حالة الاستعداد الدفاعي القصوى، حيث سيتم إلغاء الإجازات، وتجهيز الطائرات، وما إلى ذلك، كما أن حاملة طائرات بدأت بالدخول إلى مياه المتوسط آتية من شرق الأطلسي، وأخرى متوجهة إلى المتوسط، كما تم تحذير الكتيبة الجوية 82، وقواتنا في أوروبا»، بحسب ما ينقل كيسنجر إلى حلفائه البريطانيين.

ما أراده كيسنجر ليس فقط عدم إرسال قوات مقاتلة سوفياتية، إنما أيضاً عدم مشاركة السوفيات أو الأميركيين أو أي من الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن في القوات الأممية التي من الممكن إرسالها إلى منطقة الاشتباكات، وهذا ما أبلغه لسفيره في الأمم المتحدة.

حصل كيسنجر على مبتغاه، واعتبر نفسه الفائز في هذه المعركة، فقد وافق السوفيات على التعديل الأميركي على مشروع القرار. ولكن لوزير الخارجية الأميركية شروطه، وهو فعلياً لا يكتفي، بل إنه طلب من الأمين العام للأمم المتحدة كورت فالدهايم ألا تشمل القوات الأممية أي من دول شرق أوروبا أي الدول الشيوعية.

«لقد ربحنا. لقد وافقوا على قرار في مجلس الأمن من دون أن تشمل القوات الأممية الدول دائمة العضوية. وقد وصلتنا رسالة من بريجنيف يقول فيها إنهم سيرسلون 70 مراقباً إلى القاهرة، وسيسعدون إذا أرسلنا نحن أيضاً 70 آخرين»، يروي كيسنجر لكبير موظفي البيت الأبيض ألكسند هايغ. فرجل الديبلوماسية الأميركية أنقذ إسرائيل، بحسب تعبير رئيسه ريتشارد نيكسون. وليس ذلك فقط، بل إن أميركا تفادت الدخول في مواجهة نووية في صباح الـ25 من تشرين الأول.

وفي إحدى الوثائق، يختصر كيسنجر إستراتيجية فوزه على السوفيات بالقول «أرسلوا لنا يقولون إنهم سينشرون قواتهم وحدهم إذا لم نشاركهم. رفضنا أن نجيبهم لمدة عشر ساعات، تحركنا عسكرياً، ثم أرسلنا الرد».

وتجدر الإشارة الى أن القوات الإسرائيلية هي التي اخترقت اتفاق وقف إطلاق النار، فهم كانوا يبحثون عن تعزيز موقعهم، وذلك باعتراف كيسنجر نفسه. ولكن بنظر الديبلوماسي المخضرم، فإن ما حصل ليس هو السبب الوحيد وراء التصعيد السوفياتي، بل إنه كان يعتقد أنهم، أي السوفيات، «في موقف حرج في العالم العربي»، حتى أن وصف علاقتهم مع مصر تحديداً بـ«المتوترة».

وبالنتيجة، وافق الإسرائيليون والمصريون على اللقاء سوية في الـ27 من تشرين الأول لمناقشة تنفيذ القرارين 338 و339، بعدما وافقت الحكومة الإسرائيلية على إدخال حافلة من المعدات غير القتالية إلى منطقة الجيش الميداني الثالث.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.