لا صدامَ للحضارات

fawsto-borcheh-civilisations

موقع إنباء الإخباري ـ
بقلم فاوستو فرنَنْدس بورخي
سفير الجمهورية البوليِفارية الفنزويلية في عمّان – الاردن:

يُظهرُ تاريخُ الحضارةِ مدى الجوهر العالميِّ لهذا الكائن الاستثنائي المسمى علميا “هومو سابينز” منذ ظهر في أفريقية قبل زهاء 150 إلى 200 ألف عام: أي هذا الذي لديه الاستعدادُ لأن يتخلَّى عن مصالحه الشخصية أو الأُسريةِ في سبيل التعاون والوحدة لكي يضمنَ ترابط المجتمعات عموماً وتطورَها.

انقسم الإنسان الأولُ، ربما بسبب التغير المناخي، إلى مجموعتين رئيسيتين حين لم يزل في أفريقية؛ إحداهما انحدرت جنوباً والأخرى إلى الشمال الشرقي، وعاشتا معزولتين لفترة طويلة جداً من الزمن، حتى توحدت ثانيةً قبل هجرتِها من أفريقية. وهذا ما حدث منذ 60 ألف عام تقريبا.

حقًّا، إن كافة البشر الحديثين غير الأفريقيين إنما هم منحدرون من عصبة صغيرةٍ غادرت شرقيَّ أفريقيةَ بأن قطعت البحر الأحمر، ثم سافرت شرقاً متتبعةً الساحلَ صوبَ جنوب آسيا حتى بلغت أُستراليا قبل زهاء 45 ألف حول. بعد ذلك توجه هؤلاء الروادُ الشجعان شمالا وغرباً وسكنوا في العالم كله، بما فيه الأمريكيتان.

وهكذا، موضوعيًّا، لا يجوز أن تكون بين البشر حواجز، كائنةً ما كانت خلفيتُهم العرقية أو الثقافية، لأنهم جميعاً مشتركون في التكوينِ الوراثيِّ نفسِه، وقد أثبت تصرفهم ولغتهم الأساسَ البنائيَّ ذاتَه. وحقيقةُ الأمر، كما قلنا أعلاه، أن البشرَ بطبيعتهم عالميون. وكما قال الفرنسي ليفي-شتراوس، المتخصص في علم البشر، والتي لا تزال أعمالُه صحيحة على مرِّ الزمن، إن المقصودَ من تحريم سِفاح الأقارب تشجيعُ التبادل والاختلاط بين مختلف فئات الناس. إنه يبني نظريته على أن القصدَ من تحريم سِفاح الأقارب تشجيعُ الزواج البعيد الذي يسمح للأعراق والعشائر والقبائل بأن تقيمَ فيما بينها علاقاتٍ من خلال التزاوج، فتغدو، بمنظوره، تبادلا تلقائياً بين الفئات الاجتماعية على نطاق واسع. فالبشر، من خلال التزاوج البعيد، يحققون التبادلَ الذي يُنتج التعاون والتضامن، أي الانتقال من الطبيعة إلى الثقافة. وهذا يعني أن البشر فطريا إنما هم حيوانات اجتماعية، يعتمد بقاؤهم على قدرتهم على إدراك وإدارة أنظمة التعاون والتضامن فيما بينهم. إذ ماذا يكون من أمر العالم من غير هذا التبادل والتعاون؟ ثمةَ كثير من الأمثلة على التبادل بين المناطق البعيدة، مما يثبت أن البشر يُقدِّرون المصلحةَ العامة لجنسهم أكثرَ من مصلحتهم الخاصة.

إن قَسَمَ أبقراط الذي يُقسمه الأطباءُ في جميع أرجاء العالم كان يمكن أن يضيع لولا أنه تُرجم للغة العربية في “بيت الحكمة” ببغداد، مركز الأبحاث والعلم والترجمة الذي قام، ما بين القرنين التاسعِ والثالثَ عشرَ، بترجمة الكتب اليونانية التي كان يتم إتلافها في الإسكندرية واليونان وروما. كلنا نعيش على أرض مشتركة، ونتشارك في فوائد ما استطاع الإبداعُ البشري أن يُحققه عبر الزمن؛ فقد تم ترويض الخيول في أُكرانيا، لكن هذا سرعان ما فعلته الشعوب الأخرى كوسيلة للنقل والإنتاج الزراعي. كذلك زُرعت البندورة والذرة والبطاطا في أمريكا اللاتينية، بعد أن باتت سلعا لا مناصَ منها لمطابخ العالم اليوم. كذلك دجّن الصينيون الدجاج وفول الصويا، فأصبحا الآن يُنتجان على نطاق واسع في جميع أرجاء العالم. وفي أثناء الحكم العربي في شبه جزيرة أيبيريا (الأندلس)، أصبحت طليطلة مركزا للعلم، يتهافت على زيارتها المثقفون الأوربيون شغفاً إلى الغوص في أعمال الفلاسفة والعلماء الأقدمين التي تُرجمت إلى اللغة العربية وفي أعمال المؤلفين العرب المشهورين من أمثال ابن سينا وابن رشد وأبي بكر الرازي وابن خلدون في العصر الإسلامي الذهبي. وقد عدّ المؤرخُ البريطانيُّ آرنُلْد تويْنْبي مقدمةَ ابنِ خلدون “أعظم عمل من نوعه ابتدعه عقل بشريٌّ في أي مكان وزمان.” كل هذه الحقائقُ التي لا مراء فيها تعني أن علينا أن نحترم أسلافنا، بدل التركيز على الاختلافات السطحية والانشقاقات التي تُبعدنا بعضَنا عن بعضنا الآخر.

يُعلّمنا التاريخ أن الحضارات لا تتصادم؛ بل إن المجتمعات مترابطٌ بعضُها ببعضها الآخر، والطريقة الوحيدة لمواجهة التحديات الكونية تتحقق من خلال توحّدٍ لصيق بين جميع البشر. ثمة مجالٌ للتفاؤل: فبالرغم من جميع المظاهر، نجد العالم اليوم أكثر سلماً مما كان عليه من قبل، والجيل الشابُّ أقلُّ عنصريةً بكثيرٍ وأشدُّ إدراكا للبيئة من أسلافه.

إن أحد أقوى العوامل المُوحِّدةِ في العالم الحديث عولمة الرأسمالية التي بدأت في مطلع القرن التاسع عشر. وكما لاحظ ماركس مصيباً، اعتمدت الرأسمالية على القدرة الاستثمارية، تحدوها عملية إنتاج الربح الذي يتحقق حين يباع المنتَج بقيمة أعلى من الاستثمار الابتدائي فيما يتعلق بالإنتاج والتوزيع. إن هذا النظام، المتطور حسب ما كان عليه، حين يُقارن بالنظام الإقطاعي أو الاستبدادي، وهما سمةُ المجتمعات ما قبل الصناعية، هو اليوم على شفا الانهيار. وحسب الاقتصاديِّ الفرنسيِّ طومس بِكِتِّي “يبلغ التفاوت في الثروة مستوياتٍ لم تُشاهدْ منذ ما قبل الحرب العالمية الأولى ويمكن أن يغدو غير قابل للبقاء.” في الوقت عينِه، لقد استُنفِدت أنظمةٌ بيئيةٌ بكاملها، وقد يُطلق التسخينُ الكونيُّ عمليةً غير قابلة للارتداد مهددةً استمراريةَ الحياةِ على الأرض. ونظن، نحن المتفائلين، أن هذه المشاكل سوف يتم التغلب عليها بفضل ظهور النداء الكونيِّ الكامن لدى الجنس البشري.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*