لماذا تغير العالم فجأة : أكثر الإدارات الأمريكية دجلاً

lina-balaghi-usa-obama

موقع إنباء الإخباري ـ
د. لينة بلاغي*
هناك ضرورة للاستعداد لعالم جديد تكون فيها النزاعات متنوعة ومشتعلة في ان معا ، و من الواجب التعامل معها بدقة وحذر وذكاء شديد . لماذا ؟ لاننا في منطقة حيوية في صراع دولي مصيري بالنسبة لعدد من دوله وللكثير من شعوب العالم سيما في القارات الثلاث ، اوروبا اسيا وافريقيا .
مجمل المتابعين للشؤون الدولية يسترجعون بسهولة المرحلة التي تلت سقوط الاتحاد السوفياتي وصولا الى بدايات القرن الحادي والعشرين (1)، والسياسات التي اعتمدتها ادارة الرئيس الامريكي السابق جورج دبليو بوش ، والتي استندت فلسفتها السياسية الى افكار المدرسة الواقعية عموما المرتكزة على مبدا القوة في العلاقات الدولية، الامر الذي اسفر عن خلق راي عام دولي عموما معارض ومنتقد لهذه السياسات ، ولاسيما تلك الاوروبية ، الشريك الامريكي الحضاري ، وكثر الحديث ايضا وهو واقع عن ضعف دور وشرعية الامم المتحدة في ادارة النزاعات الدولية .
لكن مع  انتخاب باراك اوباما للرئاسة عمل الاخير على تجميل صورة امريكا المحافظة التي خلفتها ادارة بوش الابن معلنا قبوله بالتعددية على مستوى القرارات الدولية ، حتى على مستوى الامم المتحدة وروسيا ودورهما في حل النزاعات والقضايا الدولية . وهو ما يمكن ان يستفاد من تصريحاته في اكثر من مناسبة في حينه وتصريحات وزيرة خارجيته كلينتون في حديثها للتفزيون  الروسي عام 2010  .
لقد اعتمد اوباما في سياسته خلال الحقبة الاولى والثانية على بنى فكرية تشكل مزيجا من النظريات الثلاث ، الواقعية والبنيوية والليبرالية ، حيث اكد للمجتمع الدولي وتحديدا الاوروبي على القيم المشتركة النابعة من ثقافة ومعتقدات مشتركة ايضا ، وغازل الجانب الاسلامي الصاعد بمعرفة امريكية ( في احسن التفسيرات ) من خلال تحريك ضمني للاخوان المسلمين في مصر والعالم العربي والاسلامي ، وذلك في خطابه الشهير في زيارته التاريخية لمصر في عهد حسني مبارك ، ووعد الجانب الروسي من خلال خطابات وزيرة خارجيته بالتنافس الاقتصادي وتباعا السياسي والعسكري النزيه من خلال تصريحات ووعود قدمت للجانب الروسي في العديد من المناسبات  .
فجاء التقارب الامريكي الاوربي ،  وحتى الروسي في بعضها ، على خلفية العديد من الملفات ، انطلاقا من القضية الفلسطينية  مرورا بسوريا ، الى التفاهم على اليات معالجة  الملف النووي الايراني وصولا الى الموقف من روسيا في ابرز ملفاتها هذا على مستوى الخطاب والمواقف ، لكن عمليا على ارض المعركة الدولية جاءت ادارة اوباما لتتناغم مع مسيرة الفكر السياسي الامريكي واهدافه الاستراتيجية ، فكان الموقف من عمل الناتو في دول الخواصر الروسية اخرها اوكرانيا ، والدرع الصاروخي الامريكي ، الموقف من العراق واليمن وسلسلة طويلة من التناقضات بين القول الامريكي والممارسة الواقعية ،مع روسيا واوروبا ، وهي دول مرشح ان تدفع ضريبة هذه السياسات  من امنها وامانها السياسي قبل الاقتصادي ، انطلاقا من واقعها الجغرافي بالنسبة للشرق الاوسط .
في جولة سريعة وفي متابعة للسياسات الامريكية منذ انتخاب باراك اوباما في دورته الاولى وحتى اواخر سنة 2015 ، يمكن الاستنتاج ان الادارة الامريكية الحالية تمكنت وبنجاح نسبي كبير مقارنة بالادارات السابقة ،وفي ظل اوضاع اقتصادية وسياسية دولية حساسة وصعبة كانت امامها  ، من تحقيق العديد من خططها ، فعلى الصعيد الدولي يمكن الاشارة الى انجازات امريكية كالتالي :
1-  لقد تمكنت هذه الادارة من تحقيق واستكمال ما عجزت عنه الادارات السابقة من استدراج لروسيا وحلفائها الى مستنقعات حروب الشرق الاوسط وليس التدخل الروسي في سوريا خارج اطار هذه السياسات ، رغم التغيرات التكتيكة التي يعتبرها البعض انتصارا روسيا ، لكن في طياتها تحمل الكثير من المخاطر الاستراتيجية لروسيا على المدى الطويل ليس آخرها استنزاف القدرات الروسية في مواجهة داعش وما بعد داعش في الشرق الاوسط واسيا الوسطى .
2- تحقيق اكبر قدر من المصلحة الاستراتيجية باقل نفقة عسكرية واقتصادية وسياسية ممكنه في المنطقة  ( استراتيجية اوباما في الاستخدام الحكيم للقوة الامريكية )  من خلال اموال الدول العربية والاسلامية .
3- اضعاف كافة الاطراف المرشحة للعلب دور منافس على سيادة او قيادة العالم ومن اهمها الدول الاوروبية وروسيا والصين او القارة الكبيرة ( اورسيا ) كما وصفها برجنسكي في احدى محاضراته عام 2015 عبر خلق تهديد ” الحالة الاسلامية المتطرفة ” بمختلف تمظهراتها الحالية والمستقبلية ،  والقلاقل في منطقة الشرق الاوسط .
4- توحيد العالم الغربي ( والذي قد تنضم اليه روسيا لاحقا ، استنادا الى مدى تطويعها ) ساسة وشعوبا او راي عام تحت القيادة الامريكية لمواجهة ما يطلق عليه بالعالم الاسلامي (سنة وشيعة ) وان اختلفت التسميات لاحقا ( على غرار الحروب الصليبية ) بالتزامن مع استمرار افراغ الشرق من مسيحييه  .
5- انعاش الاقتصاد الامريكي من خلال مبيعات السلاح ( وهو ما المح اليه اوباما حين تحدث عن اقوى دولة في العالم في خطابه الاخير ، الاتحاد ) وسباق التسلح الذي تعيشه المنطقة والعالم ، الى جانب تحويل المنطقة من قبل امريكا وروسيا الى ارض مناورات حية للكثير من الاسلحة الجديدة ، بشكل مباشر او غير مباشر .
6- استمرار سياسة محاصرة الاستراتيجية الروسية الناظرة الى استعادة مجدها وذلك في عقر دارها اي في محيطها الاوروبي والاسيوي ، من جهة ، ومن خلال تدمير حلفائها كسوريا ، او المحاصرة جغرافيا وسياسيا كايران حاليا ، رغم توقيع الاتفاق النووي ورفع العقوبات ، فلا يزال الطريق طويلا ومعقدا امام الحديث عن انتهاء حالة العداء ،  وخصوصا في ظل محاولات ادخالاها بشكل مباشر في معارك المنطقة .

على مستوى المنطقة يمكن الاشارة الى :

1- توريط كافة اللاعبين الاقليميين  ممن قد يشكل خطرا لاحقا على اسرائيل ومنافسا على القيادة في المنطقة في حروب وقلاقل فيما بينهم ، حرب استنزاف ، او كما عبر هنري كسنجر: “أذا أستمر الحكم الديني سيصبح نصف الشرق الاوسط لاسرائيل …” وذلك في حديثه الذي أجراه مع صحيفة «ديلي سكويب» الأميركية وأعاد نشره موقع «ريالتي زونيزم» عام 2013 ، وعلى الرغم من تخطي البعض لفكر كسينجر امريكيا ، الا انه ما زال يعبر بوضوح عن حلم اسرائيل بالسيطرة .
2-  اضعاف القضية الفلسطينية من خلال خلق اعداء جدد للعرب والمسلمين فيما بينهم تدفع باتجاه استكمال تهويد القدس دون التخوف من اي ردود فعل عملية شعبية ورسمية ، وربما تمهيدا لاسرائيل الكبرى مجددا قد لا تكون على المستوى الجغرافي ( رغم سقوط محظور خرق الحدود في منطقتنا، ما يشجع السياسات التوسعية لاحقا ربما واعادة رسم حدود ما ) وانما على مستوى النفوذ ، ولعل السنوات الاخيرة خير دليل على نجاح هذه السياسات .
3- اضعاف الدول في المنطقة عموما اقتصاديا عبر ادخالها في الحروب راغبة او راهبة ، وتمويل هذه الحروب من جيبها ، ما يسهم بسياسة اضعافها عسكريا وديموغرافيا و اقتصاديا بما فيها تركيا وايران  بحيث لا تخرج هذه الدول بمجموعها الا خاسرة .
4- التمهيد لما يمكن تسميته بحرب اللاجئين من الاصول العربية والاسلامية عموما ، عبر استخدام نفس اليات مكافحة الارهاب في مجمل المناطق التي تعتبر ضمن المنظومة الغربية ، وابعاد قدراتهم الاقتصادية عن المناطق التي تعتبر من وجهة النظر الامريكية والغربية عموما مناطق نفوذ اقتصادي ان على مستوى الموارد الحيوية من طاقة وما شابه او على مستوى الاقتصاد عموما  .
هناك العديد من الانجازات الامريكية ايضا في المنطقة وعلى مستوى العالم لهذه الادارة ، مما وضع العالم امام اكثر الادرات دجلا دوليا ، انجازات لا يمكن حصرها بعجالة وتحتاج الى تدقيق اوسع لكن الوضع بالعموم يمكن تشبيهه بسفينة كبيرة بقيادة امريكية  من الدرجة الاولى ، وفي الدرجة الثانية تاتي الدول الداعمة للحلف الغربي الكبير ، يمكن لروسيا ان تحتل مكانا فيها استنادا الى المواقف والسياسات التي قد تنتهجها في المرحلة الراهنة ، يليها في دراجات اقل بكثير مجمل الدول التى من شانها ان تؤثر في المصالح الدولية لواقعها الجيوسياسي وموقعها في المعادلة الاستراتيجية الامريكية وهي دول تابعة بالمطلق ، وهناك فئة رابعة هي الدول وشعوبها التي تخرج من دائرة المصالح والاهمية ولا يمكنها اللحاق بالمنظومة الدولية الجديدة والتي سينظر اليها على اساس ان فنائها وعذباتها هو امر لا بد منه وطبيعي لاستمرار المنظومة الدولية بالحياة والتقدم . لا نبالغ اذا قلنا انه فكر نازي بمعايير مصلحية  لا  ضوابط اخلاقية فيها  .
هذا التذكير ان صح الوصف ليس من منطلق نظرية المؤامرة او رؤية تشاؤومية كما قد يراه البعض ، بل على العكس ، هو انطلاق من فكرة ان هذه المنظومة التي اطلقت فوضاها تحمل في داخلها الكثير من معطيات مواجهتها ، وتحويل مساراتها عن اهدافها ، بل وربما عكسها على مطلقها  ، في كل لحظة من عمر هذه المنظومة هناك ما يعرف بلحظة “الآن”  ( ( Now لحظة الاختيار ، تتعادل احيانا فيها  القدرة على احداث فرق ، للصديق والعدو .
ان الخروج من نمطية التعاطي المتدوال مع المعطيات او المعلومات السياسية وكيفية معالجتها ، والقدرة على الفصل ما بين الواقع العلمي والعملاني والتمنيات والتملق ، تشكل ربما اهم نقطة انطلاق في تحديد موقعنا في المعادلة الدولية وفي تشكيل معطيات لحظاتنا المنفتحة على المجهول سلبا او ايجابا .

*دكتوراه في الجغرافيا السياسية والجيوبلتيك

1   ـ   لمزيد من المعلومات راجع : مطاوع ، محمد / الغرب وقضايا الشرق الاوسط : “من حرب العراق الى ثورات الربيع العربي الوقائع والتفسيرات” ، بيروت:مركز دراسات الوحدة العربية، 2014 . وأيضا ً : الضو احمد، محمد المصطفى “السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط بعد الحرب البارده 1900 – 2005 “

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*