متابعات سياسية.. السيناريو التركي الجديد.. روسيا والانقلاب العسكري

tatiana-davidova-russia-erdogan

 

موقع إنباء الإخباري ـ
تتيانا دافيدوفا*:

  تناول كثيرون وما يزالوا يتناولون في وسائل الصحافة والإعلام ومعاهد التحليل السياسي، مواقف روسيا من تركيا في حقبتي ما قبل وما بعد الانقلاب العسكري الفاشل، وأسرار عودة رجب طيب اردوغان لرئاسة البلاد، بعد تغلّبه على خصومه الكُثر.

ـ موقف روسيا حِيال الإنقلاب العسكري في تركيا وموقفها من تركيا ورئيسها: من اللافت للانتباه عالمياً ان روسيا كانت أول دولة أعربت عن موقفها تجاه الأحداث في تركيا، وأعلنت عن وجهة نظرها بصراحة ومباشرة وبدون مواربة، ويتلخص بعدم موافقتها على أي تغيير على السلطة القائمة، وبأن التغيير غير شرعي، ودعت إلى حل المشاكل بطريقة سلمية من خلال الدستور.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سارع للاتصال بنظيره التركي رجب طيب أردوغان، وشدّد خلال المكالمة الهاتفية معه على ان روسيا تندّد بالاعتداء (إقرأ: الإعتداء على السلطة)، وبأن أية إجراءات انقلابية في الدولة هي غير دستورية. لكن ردود أفعال حلفاء تركيا الغربيين كانت متأخرةً، وظهرت فقط بعدما تأكدوا من سيطرة السلطة الشرعية على مسار الأحداث والوضع في البلاد!

ـ الأثر الامريكي في الانقلاب. أعلن رئيس أكاديمية القضايا الجيوسياسية (قسطنطين سيفكوف) عن ان توافر عدد كبير من الحقائق يُشير الى موافقة الولايات المتحدة على الانقلاب العسكري الفاشل ودعمها  له، بالإضافة الى ان المشاركين في الإنقلاب، وهم كثيرون، كانوا يرغبون في تطبيق نموذج غربي ورفض الافكار الإسلامية في تركيا. بالاضافة الى ذلك، تكشّف عن ان معظم الجيش والضباط الذين دعموا الإنقلاب درسوا في الجامعات الامريكية أو دخلوا دورات عسكرية واستخبارية وغيرها في قِوام حلف شمال الأطلسي!

 من جهته، ندّد الرئيس التركي أردوغان بمحاولة الانقلاب، واتهم بها حركة “حزمة” وفتح الله غولن، المُقيم في ولاية بنسلفانيا بالولايات المتحدة منذ عام 1999 ، لكن أنقرة كانت تطالب امريكا بطرده منذ مدة طويلة، قبل الانقلاب الفاشل.

وتتهم الحكومة التركية الاردوغانية غولن وجماعته بزعزعة الإستقرار وتأجيج الاوضاع في الدولة عام 2013 ، وبالوقوف وراء محاولة الانقلاب الأخيرة الفاشلة التي ماتزال تداعياتها تخيم على البلاد.

في عام 2014، أصدرت محكمة اسطنبول أمراً باعتقال غولن بسبب الشكوك في مشاركته في إنشاء منظمة إرهابية، ولأن الهئات السرية التي تتبع له تسعى لتقويض مواقف القيادة التركية الحالية وحزب العدالة والتنمية. وقد جرَّ ذلك الى طلب الرئيس التركي من الرئيس الأمريكي بطرد غولن من أمريكا، ثم أعلن رئيس الوزراء التركي (يلدرم) عن أن الدولة، التي تؤوي قادة الإرهابيين، هي نفسها مشارِكة في الانقلاب، وبالتالي ليست صديقة لتركيا. وبعدها منعت أنقرة انطلاق المقاتلات الامريكية من قاعدة الناتو الجوية “انجرليك”، التي بدأت هذه الايام بإجلاء ترسانة أسلحتها الاستراتيجية منها، وبداية النووية منها، وترحيلها الى رومانيا غير البعيدة  عن روسيا.

ـ تطور العلاقات التركية الروسية بعد الانقلاب. وفقاً للخبراء الروس، فقد أظهرت محاولة الانقلاب العسكري الفاشل على أردوغان، أن الولايات المتحدة مُستعدة لاستخدام وسائل الحروب الهجينة ليس فقط ضد معارضيها خارج نطاق حلف شمال الأطلسي، ولكن أيضاً ضد بلدان اخرى تنضوي تحت جناح الحلف!

وتشير هذه التطورات المفصلية الى تشكّل “علامة سوداء” خطيرة تجاه أردوغان، وهي تكشف عن ان الولايات المتحدة لا ترى في تركيا حليفاً لها، وبأنها سوف تستمر في ضربها!

ومما لا شك فيه، ان هذه التطورات التي قلبت الاوضاع رأساً على عقب، إذ أن  أحداً لم يتوقع أن يحدث ما حدث – تساهم بإبعاد تركيا عن أمريكا وتجبرها على التقارب مع روسيا. ومن الواضح أن اردوغان لن يستطيع في المستقبل أن يعتمد على حلفائه في البلاد الغربية، والجديد الذي جدَّ على مسرح الاحداث، أن عليه يَجد حلفاء أقوياء يرتكز عليهم في مواجهة الاخطاء الكبرى التي تهدده مثل روسيا والصين.

وفي هذا السياق، تتفتح أمام روسيا فرص كثيرة وكبيرة لمساعدة حلفائها وتعزيز مواقعها في خضم التغيير الذي يجري في الشرق الاوسط والعالم ببطء، على الرغم من التعقيد الذي أرخى بظلاله على أحداث الشهور الاخيرة. فسوريا وجنوب القوقاز، والطاقة، والاتصالات والنقل، والتعاون الإقليمي هي حقول واسعة النطاق، وهي الى ذلك مجموعة من المجالات التي يمكن أن تعزّز التعاون مع تركيا وتؤثر على الأمن الإقليمي والعالمي.

الحرب في سوريا.. والسيناريو الجديد: نظراً إلى أن داعش نشأت إلى حد كبير بمساهمة مِن قِبل الولايات المتحدة وبأن سوريا هي حليفة روسيا، فمن المتوقع أن تبدأ تركيا بالتقارب مع سوريا، وتوقف بشكل كامل دعمها لداعش، وتنهي المواجهة مع القوات السورية، وهو ما بدأنا نتلمس بداياته. وفي هذا التطور يكمن سيناريو جديد سيؤدي الى وضع مفاده بأنه “لا يمكن استمرار الحرب مع الأكراد ومع سوريا”، فتدنو حقبة سياسية جديدة في المنطقة وتتسع.

وربما في ظل تلكم الظروف المتشكلة حالياً، سيُضطر أردوغان للانتقال بسياسته الخارجية إلى سياسة الاحتواء والتخلي عن التدخل الفعّال في أرجاء المنطقة، وسيركّز على حل المشاكل الداخلية، على الأقل في الشهور الستة المقبلة.

*مُستعربة روسية ومُتخصِّصة بالشأن العربي والإسلامي في موسكو، وعضو قيادة ناشطة في رَاَبِطَة الَقَلَمِيِّين الاَلِكْتْروُنِيّةِ مُحِبِّيِ بُوُتِيِن وَرُوسيِّهَ فِيِ الأُردُن وًالعَالَم العَرَبِيِ.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*