نقاط القوة والضعف في الاستراتيجية السعودية

wahabies

صحيفة الأخبار اللبنانية ـ
عباس بوصفوان:
الفكرة الوهابية، والقدرات النفطية، والتحالف مع الغرب، من بين، إن لم تكن، أهم مرتكزات الحكم السعودي، ونقاط قوته، لكنها أيضاً مواطن ضعفه، بل مقتله.

١. الوهابية باعتبارها قوة ناعمة… وخطراً

حين تتم مقارنة الصين بالولايات المتحدة لجهة القوة الناعمة يشار إلى افتقارها للأيديولوجيا أو العقيدة التي تبشر بها، فيما تفاخر أميركا بالحلم الأميركي وبنموذج الحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان وهوليوود، تلك هي التي تسمى القوة الناعمة، التي تمنح واشنطن بعض إعجاب حتى لدى منتقديها. ويفترض أن يكون جلياً أن القوة الناعمة ليست نموذجاً فاضلاً، بالضرورة، قد تكون عقيدة مثيرة للجدل، أو أيديولوجيا يراها البعض خبيثة، لكن الأجواء السياسية والمادية قد تهيأت لها لتنتشر كالسرطان، أو ثقافة خير وعطاء، وطبعاً ليست المبادئ أو القيم التي تعدّ قوة الناعمة تسري على الجميع وتلهمهم، وقد يجد فيها البعض شرّاً مطلقاً.

ومقارنة روسيا الاتحادية بالاتحاد السوفياتي السابق، يُلحظ فارق كبير بينهما على صعيد التأثير، في حين كان النموذج السوفياتي يعرض الشيوعية خياراً لتقدم البشرية، لا تقدم روسيا أكثر من نموذج وطني وعسكري، يلقى رواجاً ربما، لكنه لا يطرح نفسه بديلاً فلسفياً أو عملياً من الانسانية، عوضاً عن الرأسمالية الغربية، المتفردة والمترنحة.

الفرق بين مصر عبدالناصر عنها في فترات حكم الرؤساء الذين أعقبوه، أن الأول اقترح نموذجاً عروبياً قومياً معادياً للامبريالية، منحه وتجربته زخماً ونفوذاً معنوياً كبيراً، على المستوى العربي وفي دول العالم الثالث، فيما انكفأت الأنظمة التي أعقبت عبدالناصر على ذاتها، ولم تبشّر بخيار متمايز، وصحيح أن انكفاء مصر يعود الى توقيع اتفاقية كامب ديفيد مع إسرائيل، بيد أن ذلك التوقيع ناتج، في جزء منه، من الفشل في اجتراح بديل سياسي وفلسفي فعال، يمنح مصر تفردها، ويستجيب لتحديات ذات سيولة عالية.

وبالمثل، فإن أبرز ما يميّز النموذج الإيراني تمتّعه بعقيدة قابلة للتصدير والنمذجة، يعطيها طعمها ولونها ومذاقها الخاص، ويمنحها بالتالي قوة ناعمة وتأثيراً.

وفي ظني، يمكن النظر، من جوانب عدة للسلفية الوهابية على أنها مركز قوة ناعمة سعودية، فالعديد من التيارات السلفية مؤمنة بخيارها، مستعدة للموت من أجلها، وهذا ما نشاهده منذ محاولات عبدالعزيز آل سعود للاستيلاء على شبه الجزيرة العربية، كما نشاهده الآن في العقيدة الداعشية والقاعدية.

لم يهاجر مئات الآلاف من العرب والمسلمين إلى أفغانستان في الثمانينيات من القرن الماضي رغبة في المال. هذا تبسيط شديد، لدى كثير منهم إيمان بقضية، من الصعوبة القول إن جميعهم كانوا مرتزقة، ويجاهدون من أجل المال، بل كان لدى قطاعات واسعة منهم رغبة في الاطاحة بـ”الكفار” السوفيات وتحرير أرض أفغانستان المسلمة، وأهداف أخرى طبعاً، فلدى كل فصيل، أهداف ذات صبغة ضيقة.

لا يمكن أن تتمدد القوة الناعمة من دون قوة صلبة، لذا تبذل السعودية الكثير من المال والجهد والإعلام كي تبث فكرها السلفي الوهابي في أرجاء العالم، وأنفقت السعودية مليارات الدولارات لبناء المساجد، وانشاء المدارس الدينية، في أفريقيا وآسيا، وأيضاً في أوروبا، وتدين الكثير من هذه المؤسسات والجماعات بالولاء لممولها وسيدها الأيديولوجي: الرياض.

إذا أخذنا باكستان نموذجاً، يسجّل فيها وجود أكثر من ٢٥ ألف مدرسة دينية، تخرج نحو ٢٠٠ ألف طالب سنوياً، وقد تأسست هذه المدارس برعاية أميركية وسعودية ومحتوى وهابي، بعد احتلال موسكو أفغانستان في ١٩٨٠، وقد غذت هذه المعاهد التطرف، وعممت الثقافة الوهابية التي بدت حينها قادرة على التجنيد والتحشيد.

حتى مع افتراضي بأن تدمير برج التجارة العالمي في سبتمبر 2001، يعد ثمناً بخساً دفعته أميركا مقابل مساهمة الوهابية المتطرفة والنموذج القاعدي في سقوط الاتحاد السوفياتي، ما يجعل الربح الأميركي كبيراً ومضاعفاً، فإن ذلك الحدث التاريخي دق ناقوس الخطر الوهابي، الذي استمر في التنامي، بدعم غربي.

والتقدير السائد والمتصاعد الآن، أنه بقدر ما تشكل الوهابية السلفية امتداداً سعودياً، بقدر ما تشكل خلايا نائمة تعمل لصالح الرياض والغرب، لكن أحياناً تعمل ضدها. ولذا أقول أن السلفية الوهابية هي نقطة قوة سعودية… ونقطة ضعفها.

بعد هجمات باريس في نوفمبر 2015، اتضح ان القائمين على العمليات سلفيون قادمون من بلجيكا، التي تضم عاصمتها بروكسيل مسجداً ممولاً سعودياً. وتفترض التقارير الغربية أن المسجد “يعد وكراً للسلفية منذ ثلاثين عاماً، ويشكّل أرضية خصبة لشبكتها”. وتعود قصة المسجد إلى عام 1967، عندما كانت خزائن الدولة البلجيكية فارغة فسعت الحكومة إلى البحث عن إمكانيات لشراء النفط بسعر زهيد، تلقف الملك السعودي فيصل المأزق البلجيكي، قال لنظيره: بكل سرور، نمنحكم نفطاً رخيصاً، ونحن لا نريد شيئاً، فقط سنقيم مسجداً للصلاة!

حالياً، تنتشر المدارس الوهابية في كل مكان، وبات أصحاب اللحى الطويلة والثياب القصيرة يتصدرون الواجهات العامة وشاشات التلفزيون، فيما انكفأ علماء الأزهر الذين كانوا يوصفون بالاعتدال، ويبدو الأزهر في طريقه ليكون نسخة وهابية، وأخشى أن تكون القاهرة بعد سنوات عدة وكراً وهابياً، لذا يمكن اعتبار كلام الرئيس عبدالفتاح السيسي عن تجديد الخطاب الديني ليس إلا ضحكاً على الذقون، وقد سلّم الأزهر لهيئة كبار العلماء في الرياض.

ساهمت الوهابية في بث الفكر السعودي وعممت ثقافتها، بما في ذلك اللباس العربي، واللحية… الجانب المظلم هو ما نشاهد من تصاعد نفوذ القاعدة وداعش والقوى المتطرفة، وهو الأمر الذي يدق ناقوس الخطر في أوروبا والعالم… ولكن أيضاً في الرياض، حيث تخشى السعودية من هجمات داعشية وقاعدية.

وحتى اللحظة يمارس داعش والقاعدة دوراً فريداً في استنزاف خصوم الغرب في العراق وإيران ولبنان وسوريا… حينها لا بأس ببعض الأعراض الجانبية، وبضع هجمات هنا وهناك ضد مصالح فرنسية وغربية وسعودية ربما، لكن إذا طفح الماء على الطحين، وهابياً، وهذا سيناريو لا يمكن تناسيه، يمكن أن ينقلب سحر آل سعود الوهابي، ضدهم، بدءاً من نجد، قلعة الوهابية.

٢. القدرات النفطية… المفاتيح بيد الغير

يشكل النفط (انتاجاً، ومداخيل، واحتياطيات) مرتكزاً استثنائياً، لعله الأهم، الذي مكّن النظام السعودي من فرض إرادته داخلياً، وتوسيع نفوذه خارجياً. وتنتج الرياض نحو عشرة ملايين برميل يومياً، وقد تصدرت “قائمة منتجي النفط في العالم خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2015، بإنتاج بلغ 10.19 مليون برميل يومياً، وذلك للمرة الأولى منذ عام 2003”. ويعد ذلك الرقم “الأعلى في تاريخها على الإطلاق، يليه معدل الإنتاج خلال 2012 عندما وصل إلى 9.8 مليون برميل”.
لقد منح النفط آل سعود وفورات مالية هائلة، إبّان الطفرة النفطية التي شهدها العقد الأول من القرن الراهن، وبينما بلغت الإيرادات السعودية في 2002 نحو 215 مليار ريال سعودي، تضاعفت الإيرادات عدة مرات، وبلغت في 2012 أكثر من ترليون و250 مليار ريال.

لقد مكّن ذلك السعودية من تحقيق أهداف عدة، أذكر بعضها:

الهدف الأول، الاستقلالية النسبية للسلطة السعودية عن ضغوط الداخل، فالسعودية نموذج للاقتصاد الريعي، وتعتمد المالية العامة السعودية بنسبتها العظمى على النفط الذي يشكل 90% من إيرادات الخزينة، ولا إيرادات عامة من الضرائب التي يدفعها المواطنون ترفد الخزينة، ولا يتيح ذلك فرصة لنمو مسار “لا ضريبة من دون تمثيل”!

لقد مكّنت أموال النفط السعودية من شراء أو إخماد قطاعات واسعة من المواطنين. في مارس 2011، وفي بداية انطلاق الثورات العربية، قام الملك السعودي عبدالله بن عبدالعزيز باعتماد الحد الأدنى لرواتب العاملين في الدولة “بـ3 آلاف ريال، وصرف 2000 ريال شهرياً للباحثين عن العمل، وصرف راتبين لموظفي الحكومة وطلاب التعليم العالي، واستحداث 60 ألف وظيفة عسكرية”. والوجه الآخر لهذه الصورة، زيادة عدد السجون، والمساجين، وبات الإعدام سلوكاً شبه معتاد.

الهدف الثاني، لقد مكّنت أموال النفط السعودية من شراء المنظومة العربية. وتدعي السعودية أنها قدمت مساعدات مالية مباشرة للدول العربية بلغت 85 مليار ريال (22.7 مليار دولار) خلال الفترة من يناير 2011 إلى أبريل 2014، ولا أعرف مدى دقة ذلك، لكن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي كان قد صرح بعد سنة من انقلابه العسكري أن مصر تلقت أكثر من 20 مليار دولار منذ عزل الرئيس الاخواني السابق محمد مرسي من السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت.

وصحيح أنّ إدارة السودان ظهره لإيران يعود في ما أظن إلى قراءة تيارات الاخوان المسلمين وانحيازاتهم السياسية، المخيبة لآمال بعض محور الممانعة، لكن الأمر يتعلق أيضاً بأن دول الخليج غنية مالياً، وبحسب تقرير لـ”رويترز” فقد “ضخت السعودية استثمارات أكبر من تلك التي ضختها أي دولة أخرى في السودان. إذ بلغت استثماراتها هناك حوالى 11 مليار دولار معظمها في قطاع الزراعة”.

ويبدو مفهوماً إذا الدول الفقيرة مثل الصومال هي التي قطعت علاقاتها بإيران على خطى الرياض، ولهذا السبب أيضاً، وأسباب أخرى، تتعلق ببث الفتنة الطائفية، وهي إحدى ثمار الوهابية، فإن الكثير من الحكومات العربية والإسلامية استسلمت للرؤية السعودية في اليمن وسوريا والعراق، وإزاء وصف حزب الله بالإرهاب. لقد تعاضدت في ذلك القوة الناعمة: الطائفية، والقوة الصلبة النفط والمساعدات.

الهدف الثالث: منح النفط السعودية مكانة مهمة، دولياً، كونه سلعة حيوية للاقتصاد العالمي، وتدفق النفط أحد ثلاثة أهداف للاستراتيجية الأميركية في المنطقة، ضلعاها الآخران حماية الأنظمة الصديقة وضمان أمن اسرائيل، ولا أعرف إن تم حذف بند احتواء إيران.

لكن النفط وإذ يشكل دعامة مهمة للحالة السعودية، فإنه أيضاً واحد من نقاط ضعفها، ويجعلها عرضة للضغوط، والانخفاض الحاد في أسعار النفط، أدى الى أن تعلن السعودية عن عجز قدره 326 مليار ريال سعودي لعام ٢٠١٦، ويقدر أن الاحتياطي السعودي يمكن أن يكفي السعودية لمدة سبع سنوات “شرط بقاء الأسعار في حدود 30 دولاراً للبرميل، وعدم تفجر مناطق صراع وحروب أخرى”، وهي أمور خارج سيطرة الرياض، وتتدخل فيها عناصر أخرى اقليمية ودولية.

لا تضم السعودية قاعدة انتاجية واقتصادية مستقلة عن النفط، وهذا ما يجعلها تحت رحمة السوق والنفط.

٣. التحالف مع الغرب غطاء قد ينكشف

العتب والزعل السعودي على أميركا بعد توقيع واشنطن اتفاقاً مع طهران بشأن البرنامج النووي الإيراني، يشي بحجم التوقعات السعودية العالية من واشنطن، ويعكس مدى تعلق الرياض بالقطب الأميركي. لعل العتب السعودي لا يوازيه إلا الغضب الإسرائيلي، وإذ يظل نتنياهو حرداناً فإن لا خيار لدى الرياض سواء ابداء مرونة، والقبول بالأمر الجديد، وبدل الغضب من أميركا، تروح لتغضب من إيران وتقطع العلاقات معها.

لقد أدت السعودية دورها بامتياز كأحد أبرز الأذرع الأميركية، ودورها قد يفوق دور إسرائيل، أو يوازيه في تخريب المنطقة العربية، وتفكيكها، فيما أمنت الولايات المتحدة والدول الغربية غطاء للسعودية، حكماً داخلياً، وسياسات خارجية، وهذا التحالف الآن أقل يقيناً، ينعكس تهوّراً سعودياً وافتقاداً للتوازن.

لقد مكن الثلاثي الوهابي، النفطي، الغربي النظام السعودي من احتلال موقعه الراهن، لكن جميع هذه العناصر عرضة للانهيار، فيتدحرج نظام الرياض نحو الهاوية، خصوصاً وهو لا يرتكز إلى معطيات داخلية. ولعل هذا أيضاً بعدٌ آخر من قوة الحكم السعودي وضعفه، أي غياب المرتكز الداخلي الذي يعفيه من أي اصلاح، ربما، وغياب الوحدة الوطنية السعودية يصعب عمل المعارضات، ويعقد بناء سياج وطني جامع، وهذا يمكن الحاكم السعودي من فرض أجنداته، لكن موج التغيير إذا هَلّ أو تقرر لن يبقي السعودية إلا عرضة للتفكك.

* باحث وإعلامي من البحرين

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*