“ نكبة فلسطين “ امتداد لنكبات العرب …

Nakba

وكالة أنباء تسنيم ـ
مصطفى القطبي:

تمر 68 عاماً على النكبة في توقيت النسيان العربي للقضية بعد أن اشترى الغرب كل الولاءات الخليجية والذمم أيضاً … ولا عجب إن كشف الزمن ما كشف من تواطئ مرتفع النسب حتى الشراكة المعلنة يوم تدق كؤوس شرب نخب الخيانة ليس على الخارطة الفلسطينية فقط بل على خارطة المنطقة برمتها وتحت أضواء الإعلام ، وعلى نظر ومسمع العالم قاطبة .‏

فمنذ نكبة فلسطين 1948 و للعرب تحركات دائمة الحدوث … فهم لا يهدؤون بين تلك العاصمة أو الأخرى . تصوروا مثلا أن الفلسطينيين نكبوا لأول مرة ثم نكبوا للمرة الثانية 1967 و نكبوا ثالثة يوم احتلال العراق للكويت ، وقبلها نكبة اجتياح لبنان ، والحبل على الجرار ….

أما اللبنانيون فقد نزل بهم ويل الانتقالات من بلد الى آخر ، منذ أن سقطوا أسرى حربهم الأهلية 1975… ليأتي بعدهم العراقيون، وها هم السوريون أسياد الهروب نحو بلاد الله ، لكن معظمها عربي.

تدخل النكبة هذا العام سنتها الجديدة ، وهي مناسبة لإلقاء نظرة فاحصة على مشهد الصراع، لكي نفتش عما تبقى لنا من أوراق وخيارات، وما يلوح لنا من آفاق . و هذه الرحلة يمكن توزيعها بين ثلاث مراحل هي : ”النكبة” التي اقترنت باستيلاء الصهاينة بالقوة المسلحة على 78 في المائة من أرض فلسطين وأقاموا عليها عام 48 دولتهم و”النكسة” التي أتمت فيها ” إسرائيل ” سيطرتها على كامل الأراضي الفلسطينية عام 67 و”الهلكة” التي بدأت باتفاق أوسلو 93 وهي المستمرة إلى الآن، والتي عملت فيها على تقنين إخضاع الفلسطينيين وإضفاء الشرعية على الأراضي التي احتلتها عام 67.‏

فلسطين الآن بين المطرقة الصهيونية وسندانها ، و النظام الرسمي العربي في ذروة الضعف والبؤس، بينما الترقب الشعبي العربي الذي طال أمده أوشك أن يصبح بطالة قومية شاملة أو يأساً… ومن من يرصد الواقع الراهن اليوم وما يكتنفه من ملابسات عجيبة غريبة يستطيع القول بكل بساطة إنه إذا كانت نكبة فلسطين عام 1948 تمثل جزء منها في عجز العرب والمسلمين عن دفع الأذى وإحباط المخطط الصهيوني لاغتصاب فلسطين، فإن ما يحدث اليوم هو أن أنظمة عربية وإسلامية لم تعدْ تقف عند منطق العجز عن دفع الأذى أو تتذرّع به لتبرير القصور في أداء الواجب ونفض اليد من أداء أي دور في التصدّي، ولكنها تتجند الآن بكل إمكانياتها وقواها للمساهمة في تثبيت النكبة القديمة وتفريخ نكبات جديدة لصالح العدو الصهيوني أيضاً.‏

إن هذه الظاهرة الغريبة تتمثل الآن بشكل أساسي في سلوك ثلاثة أنظمة تآلفت على الشر وأجمعت واجتمعت على الضلالة ، وهي المملكة السعودية ، والمملكة الأردنية، وتركيا المتمرّدة على واجباتها الإسلامية أو الإنسانية تجاه الأقطار التي أوقعتها في براثن الاستعمار خلال الحرب العالمية الأولى. وهذه الأنظمة في الواقع لم تجتمع على هذا الضلال اليوم فقط، ولا يشكل سلوكها الراهن مجرد انحراف سياسي طارئ، وإنما هندستها اليد الاستعمارية الغربية بالتواطؤ مع الصهيونية ومرتكزاتها اليهودية على طريقتها، فصارت كل سياساتها وممارساتها تخدم الأهداف الصهيونية .

حين ننظر إلى الدور الذي تؤدّيه هذه الأنظمة اليوم في ممارسة الإفساد لحساب بني إسرائيل وتفريخ النكبات لصالحهم، نتساءل: ألا يشكل هذا السلوك استمراراً للمنطق الذي حكم سلوك هذه الأنظمة تجاه قضية فلسطين؟‏ إن غلّ الأيدي عن أداء الواجب حين يكون أداء هذا الواجب ضرورياً، أو اتباع سياسة تآمرية من شأنها أن تلحق الأذى بأصحاب القضية، أو الارتباط المستمر بالقوى الاستعمارية والالتزام بالسياسات التي تتبناها، كل هذه السلوكيات التي رأينا وقائعها على الأرض على مدى القرن المنصرم بكامله إنما تكتمل الآن باندفاع هذه الأنظمة نحو ممارسة الإفساد في الأرض لحساب بني إسرائيل وتنفيذاً لأوامر الاستعمار.‏ إذا كانت القضية الفلسطينية هي المعيار والمؤشر الذي لا يزال الناس يسلمون به وسط الضباب والضلال السائد في هذه الأيام، يكفي أن يطرح الإنسان على نفسه الأسئلة التالية ليعرف الأهواء الحقيقية لأصحاب الضلال :‏

ما الذي قدّمته تركيا منذ الحرب العالمية الأولى وحتى الآن لشعب فلسطين وقضيته ؟ وما هو نمط العلاقات القائمة بين تركيا و ” إسرائيل ” منذ قيام الكيان الصهيوني؟ لقد كان البعض يفسّر السلوك التركي المنحاز لـ ” إسرائيل ” والمعادي للعرب على أنه من قبيل الانتقام من العرب لتعاون بعضهم مع الانجليز في مواجهة الأتراك في الحرب العالمية الأولى، ولكن كيف نفسر التحالف القائم بين تركيا وبين النظام الأردني الذي أسس خصيصاً لإرضاء الأمير عبد الله بن الحسين الذي ساهم في الحرب على الأتراك ومع النظام السعودي الذي حارب مؤسسه عبد العزيز إمارة حائل بسبب انحيازها للأتراك ؟‏

ما الذي قدمته مملكة آل سعود لفلسطين منذ عام 1948 وحتى الآن؟ ولماذا اختفت فيها الدعوة إلى الجهاد حين تعلق الأمر بفلسطين ولا زالت مختفية، بينما وجدناها تجند من ادّعت أنهم ”جهاديون” وترسلهم إلى أفغانستان، وبعدها إلى العراق وسوريا واليمن… ثم تابعت دورها في الإفساد من خلال تنظيم القاعدة وما انبثق عنه من تنظيمات؟ ‏ثم ما الذي قدمته المملكة الأردنية غير الحيلولة دون قيام دولة فلسطينية عام 1948، والانقضاض على المقاومة الفلسطينية بالتعاون مع السعودية عام 1970، ثم فتح أبواب التطبيع على مصراعيها مع ” إسرائيل ” حتى أن هناك غرف عمليات مشتركة يوجد فيها ضباط ” إسرائيليون ” وأردنيون وآخرون ـ مثل غرفة الموك ـ تقود المؤامرة على سوريا من الأردن؟‏

هذه الأسئلة تكفي لبيان الحقيقة القائلة بأن الإفساد الذي تمارسه هذه الأنظمة مجتمعة ومجمعة على الضلال ليس ابن هذه الأيام ولا نتاج حساباتها، بل إنه كان مضمراً لها منذ تأسيسها على يد القوى الاستعمارية، أي أن المخطط الذي تضمن ولادتها هو ذاته المخطط الذي قاد إلى نكبة فلسطين عام 1948 وإقامة الكيان الصهيوني ليكون شريكاً لها .‏

قد يقول البعض إن لهذه الأنظمة غاياتها التي تفسر سلوكها الراهن، ولكننا نقول واثقين بأن الغاية الوحيدة التي تجمعها معاً وتجندها معاً إنما هي تمكين ” إسرائيل ” من التوسع بين الفرات والنيل، والتي هي غاية أميركا مثلما هي غاية إسرائيل. أنظروا كم عدد ضحايا تآمرهم على سوريا والعراق حتى الآن، وأي نكبة تسببوا بها؟ وانظروا لما يحدث في اليمن… ألا يعني ما يحدث أن هذه الأنظمة تسهم عملياً الآن في صنع نكبات جديدة للعرب ؟‏

في ذكرى اغتصاب فلسطين لا بد سنوياً من استحضار جملة من الحقائق الأساسية التي تسعى سلطات الاحتلال إلى طمسها، وإحلال خرافاتها وأكاذيبها محلها ، في جهدها غير المنقطع لتحريف التاريخ وطمس الذاكرة الفلسطينية . وفي مقدمة هذه الوقائع قضية اللاجئين الفلسطينيين الذين يشكلون أبرز ضحايا جريمة اغتصاب الوطن الفلسطيني ، ولا تزال سلطات الاحتلال تحارب بلا هوادة كل جهد سياسي أو قانوني لإدراج قضية اللاجئين في سلم الجهد الدولي الباحث عن حلول سياسية للصراع العربي ـ ” الإسرائيلي ” .‏ وقد ركزت السياسة والإعلام في ” إسرائيل ” خلال العقود الماضية على محاولة تصوير قضية عودة اللاجئين على أنها مسألة رمزية وغير واقعية وأن طرحها هو نوع من اللاواقعية السياسية، وذلك بهدف إخراجها من التداول السياسي العملي، وتحويلها إلى قضية إنسانية تحل بالتعويض المادي والتوطين ودون أن تتحمل ” إسرائيل ” أي أكلاف .‏

ومن هنا، من بالغ الأهمية في ظل الانسداد السياسي الحاصل حالياً على مسار التسوية العمل في كل الجبهات على إعادة قضية اللاجئين إلى إطارها الصحيح بوصفها قضية سياسية وقانونية وإنسانية لا يمكن لأي تسوية أن تستقيم دون حلها على أساس قرارات الشرعية الدولية وفي مقدمتها القرار 194 الذي يكفل للاجئ الفلسطيني حقي العودة والتعويض معاً.‏ إن حق اللاجئين في العودة وكما أشَّر على ذلك انهيار مفاوضات كامب ديفيد الثانية في يوليو2000، واستعصاء مفاوضات الحل الدائم من قاعات اجتماعات: قاعدة البولينغ قرب واشنطن إلى إيلات وطابا، عنوان أساسي في الصراع العربي والفلسطيني ـ ” الإسرائيلي ” ، فهذا الحق بحد ذاته أخلاقي، إنساني، وطني فضلاً عن كونه حقاً محفوظاً في إطار قرارات الشرعية الدولية، ويمس بشكل مباشر العنصر الأهم من عناصر القضية الفلسطينية وعناوين الصراع العربي والفلسطيني ـ الصهيوني.

خلاصة القول: لن تغلق القضية الفلسطينية لأي سبب، سواء بطريقة متعمدة أو بحالة افتراض، ولكونها أدت إلى ولادة أزمات في المنطقة فيمكن القول أنها تآخت وإياهم، صارت لهم وصاروا لها، ومهما افتكر البعض أن وضعهم الوطني بعيد عن قضية فلسطين فهم مخطئون لأنهم لصيقون بها، وكلما فكروا بها بعيدة عنهم، سيرونها الأقرب إليهم. ويمكن القول إن عودة الحقوق الوطنية الفلسطينية والأخرى العربية لن تتحقق ضمن الاعتراف الإسرائيلي بها وإنما تصبح واقعاً عندما يجري فرضها على هذه الدولة الصهيونية المشبعة بالتعاليم التوراتية فرضاً! هذه أبرز المتغيرات التي تحتم على الفلسطينيين والعرب اتباع نهج اسراتيجي وسياسي تكتيكي جديدين في التعامل مع دويلة الكيان

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*